دراسة ٌ لديوان “ومضات وأعاصير ” للشاعر الأستاذ ” يوسف ناصر”

اصدارات ونقد (:::)
بقلم :  حاتم  جوعيه  – فلسطين المحتلة (:::)
مقدمة  وتعريف :   الشَّاعرُ  والأديبُ الأستاذ  يوسف  نعمان نعمان ناصر” من  سكان  قريةِ ” كفر سميع” الجليلية ، يكتبُ  الشعرَ  والقصَّة َ والمقالات  والدراسات النقديَّة والادبيَّة  منذ أكثر من ثلاثين سنة، نشرَ بعضا من إنتاجهِ الشعري والأدبي  في الصحفِ والمجلات  المحليَّة .   حاصلٌ  على  شهادةِ الماجستير (  m.a ) في الأدب العربي  ويحضِّرُ  الآن  لأطروحةِ الدكتوراة ،عملَ في سلك التعليم فترة طويلة  مُدَرِّسًا  في المدرسةِ الثانويةِ  ومحاضرا  في  أكثر من كليَّةٍ… يحظى  بمكانةٍ  أدبيَّةٍ  واجتماعيَّةٍ  مرموقةٍ  في  الداخل  ويعتبرُ من الأساتذةِ الأوائل القديرين والضَّليعين في اللغةِ العربيَّة. والجديرُ  بالذكر انَّ إتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين ( في الضفة  والقطاع)- منطقة الحكم الذاتي – أصدرَ قبل أكثر من 15 سنة  كتابا بعنوان “إبداعات الحجر” يضمُّ  قصائد شعريَّة عديدة ومقالات وخواط أدبيَّة  كُتِبَتْ بمناسبةِ الأنتفاضة وقد  نشروا  قصيدتين  في  هذا الكتاب لشاعرين  محليِّين  فقط  من  الداخل عن  الإنتفاضةِ ،  والشاعران  هما: الأستاذ ” يوسف  ناصر”  وأنا  ” حاتم جوعيه ” .
سأتناولُ في هذه المقالةِ ديوان “ومضات وأعاصير من خلال الإستعراض   والتحليل .
مدخل :  ديوان  ” ومضات وأعاصير ” للأستاذ  يوسف  ناصر  صدرَ عن   مؤسسةِ الأسوار العكيَّة – بإدارة الأستاذ  يعقوب حجازي . الديوان  يقعُ  في (110) صفحات  من  الحجم  المتوسط  تحليه   بعضُ  الرسوماتِ  الجميلة والمعبرة في الداخل..ويستهلُّ الشاعرُ ديوانهُ بمقدمةٍ رائعةٍ  يشرحُ  ويوضحُ    فيها موقفهُ  من الشعر مُشِيرًا إلى العناصر والمُقوِّمَاتِ الأساسيَّة  التي  يجبُ أن  تتوفرُ  فيِهِ  ليكونَ عملا  إبداعيًّا  متكاملا   ويستحقّ  أن  يُسَمَّى  شعرا . والشاعرُ من أنصار ومؤيِّدي الشعر الموزون- سواء شعر التفعيلة أو الشعر الكلاسيكي ، ولكنهُ  يُحَبِّذ ُ  ويتمسَّكُ   أكثر  بالشعر  الكلاسيكي ( العمودي )  وبوحدةِ الوزن  والرويّ  .
إذا  تصفحنا هذا الديوان  نجدُ  جميعَ  قصائدِهِ  كلاسيكيَّة  (عموديَّة )    وتتناولُ  وتعالجُ هذه القصائدُ جميعَ المواضيع :السِّياسيَّة، الوطنيَّة  والقوميَّة  والإنسانيَّة، الإجتماعيَّة ، الغزليَّة، الوطنيَّة، والوصفية والوجدانيَّة .. إلخ .
يمتازُ شعرُ الأستاذ  يوسف ناصر قبل  كلِّ  شيىء  بجزالةِ  اللغةِ  وجمالها  وبقوِّةِ  السَّبكِ   والعذوبة  في  العباراتِ  والمفرداتِ   وبالموسيقى  الساحرةِ  المؤثرة التي  تأسرُ الفؤاد َ وتسكرُ الأذن َ والوجدان . وهو  فنان  بكلِّ معنى الكلمة  في  كيفيَّةِ اختيار الكلماتِ الجميلةِ  ذات الإيقاع  والجرس  الموسيقي الساحر والمعنى المُشعّ  والمتماوج  الذي  يتركُ  صدَاهُ  في الفكر والوجدان  فيحرِّكُ  النفوسَ  وَيُحفزُ العقلَ  للتفكير والتأمُّل  وينيرُ البصيرة َ ويتركُ  في   نفسيَّةِ المستمع  ومشاعرهِ  ولواعجهِ  الذاتيَّة  مُتعة ً ولذة ً حسيَّة ً فنيَّة.ً..وهذا  هو الشِّعرُ الحقيقي  والأدب الحقيقي ، لأنَّ  الأدبَ  بحدِّ  ذاتهِ –  حسب  رأي معظم النقاد :هو الكلامُ  الجيِّدُ الذي يُحدِثُ في نفس القارىءِ  لذة ً فنيَّة ً سواءً كان هذا  الكلامُ  شعرا  أو  نثرا  .  إنَّ  التجديدَ  والحداثة َ والإبتكارَ  وَصُنعَ واختلاق العوالم الجديدة والصورالجديدة في إطار ومجال الشعر الكلاسيكي القديم ( التقليدي ) أصعبُ  بكثير من التجديد والإبداع في إطار وحيِّز الشعر الحديث (النثري الحرّ وحتى شعر التفعيلة ) .. وقد  يرى البعضُ أنََ التجديدَ    والحداثة َ في الشعر الكلاسيكي أمرٌ  مستحيلٌ  وانَََّهُ  شعرٌ  متقوقعٌ  ورجعيٌّ  ومتأخرٌ  ومتخلف (( حسب رأي  النقاد والشعراء غير المتمكنين  من  اللغةِ العربيَّةِ وقواعدِها وصرفها  ونحوها  ولا  يعرفون الأوزانَ الشعريَّة إطلاقا   ولغتهم مكسَّرة ٌ وكتاباتهم مليئة ٌ بالأخطاءِ حتى الإملائيَّة)) . ولكنَّ  الشعراءَ  الموهوبين  الأفذاذ  وجهابذة  اللغةِ  الضليعين  والمتمرِّسين   فيها   كالأستاذ  “يوسف  ناصر ”   فالإبداعُ  والتجديدُ  والتألُّق  في  الشعر الكلاسيكي  شيئا  سهلا وهيِّنا  وبسيطا جدا بالنسبة   له  ولهم   فبإمكان الأستاذ  يوسف  وبكلِّ سهولةٍ  كتابة  القصيدة  الشعريَّة  الكلاسيكيَّة   الطويلة  والعصماء  المترعة  بالإبداع   وبالتجديد  نظرا   لموهبتهِ   وطاقاتهِ   الشِّعريَّة  العظيمة  ولثقافتهِ   الواسعة  في  جميع  المجالات ، ويستطيعُ  أن يضعَ  كلَّ  عناصر والتجديد والتقنيات والتوظيفات الدلاليَّة والرموز  والإيحاءات والمفردات والمركبات الجديدة التي يفتشُ ويلهثُ نحوها النقادُ  والنويقديون ( خاصة الذين  يجهلون  أصول النقد  ومدارسه المُتشعِّبة  وغير متمكنين من اللغةِ العربيَّة)، في إطر وقوالب  الشعر العمودي  القديم  وبلغةٍ  قويَّة  جميلة  وعذبة  فصحى تخلبُ  وتسحرُ القلوبَ  والعقولَ  والألبابَ  بدلا  من  سكبِ  ووضع عناصرالتجديد والفكرة  والموضوع  والتوظيفات  الدلاليَّة  في  إطار  وقالب غير  موزون  إطلاقا  ولا  يوجد  فيه  قافية، وفي  جمل عاديَّة  بسيطة   ليست  شعريَّة  لا تحرِّكُ  ساكنا  ولا تؤَثرُ في القرَّاء  والناس على مختلفِ ثقافتهم .
سأختارُ بعضَ  النماذج  من  قصائد الشاعر  في هذا الديوان  مع الدراسةِ والتحليل  وسأبدأ  بقصيدةٍ  بعنوان : ( ” بلادي ” –  صفحة 43 )  والقصيدة طويلة على وزن ( مجزوء الوافر ) القريب إلى وزن  ” الهزج ” ويستعملُ فيها عدَّة  قواف ، والقصيدة  تمتازُ  بموسيقاها السَّاحرةِ  وبعناصر التشبيه ، وخاصَّة  في وصف  طبيعةِ  البلادِ  والمروج  والسواقي  والينابيع  والجبال والصخور… إلخ .. وَيُشَدِّدُ  فيها على حُبِّ الأرض  والوطن  وعدم  الإفراط  بهما والتشَبُّث  بالوطن وعدم الرحيل عنهُ  مهما جارت الأيامُ ،  ويذكرُ  فيها  ويُعدِّدُ بعضَ المواقع والقرى والمدن الفلسطينيَّة، والقصيدة ُ غنائيّة ٌ توثيقيَّة ٌ  لقرى   ومدن  البلاد ،  ويُذكي   فيها   الشاعرُ  اللواعجَ  والمشاعرَ  القوميَّة  والوطنيَة… والقصيدة ُ ذات إيقاع  ساحر  كما  ذكرتُ  وتصلحُ جدًّا  للتلحين  وللغناءِ .. فيقولُ فيها :
( ”   بلادي       مَرتعُ       الفجر ِ          رُبَاهَا       مُلتقى         الدَّهر ِ
سريرُ     الطلِّ        واديهَا            سَمَاهَا       مَسكنُ        الطير ِ
ثراها         قبرُ     أجدادي            عليهَا       ينقضي      عُمري
على       أملودِهَا       طيرٌ             يُناغي        بسمة َ       الفجر ِ
ويقولُ :” أخي  إيَّاكَ   أن    ترحَلْ            وَلو    أسْكِنتَ     في      قصر ِ
ولو   ضاقت   بكَ    الدُّنيا            وَضَجَّ     القلبُ   في    الصَّدر ِ
ويقول: ” بكفر سميع  ”    أولادي             دَمُ         الشريانِ       أكبادِي
حكاياتُ     الصبا       فيها             ثرَاهَا       ضمَّ         أجدادِي
ويومٌ      بينَ          أهليهَا             يُطفِّي       عِلّة  َ       الصَّادِي
ويقولُ :”معليا ”   لستُ    أنسَاهَا             بعظمي       حبِّها         يسري
إذا    ما      متُّ     بثوهَا             حنينَ      القلبِ    من     قبري
ويقولُ : ألا  زوروا  قرى الكرملْ            نسيم      الريح     لو     يحمِلْ
سلامُ     القلب       أشواقي            إليها         حينما           تسألْ
ويقولُ :أخي، “سخنين” كن  فيهَا            تزدْ         في     شعبها     تيهَا
فبَلِّغْ       أهلهَا        عنِّي             بأنِّي          لستُ         ناسيهَا
ويقول : ألا  عَرِّجْ  على “إقرث”            أنينَ      القلب       كي    تنقثْ
لها    في    روحِنا    عهدٌ            وذاكَ    العهد    لا    تنكثْ ..إلخ.
و ” إقرث ” هي قرية ٌ  فلسطينيَّة  في الجليل الأعلى  هُجِّرَ  سكانها   مع  قرية ” كفر برعم” عام  1948  ووَعَدُوا سكانها  بالرجوع  إليها  في أوائل الخمسينات  بقرار من  محكمة العدل العليا … وحتى الآن  لم  يرجعوا  وما  زالوا  يعيشون مشتّتين  وَمُوَزَّعِين  في  مختلف قرى  ومدن البلاد  .
وننتقل إلى قصيدةٍ  أخرى  بعنوان : (“هذا سراج الشَّرق يحملهُ الرَّدَى  ” – صفحة 25  – في رثاء الزعيم الراحل ” جمال عبد الناصر ” ) وهي على  وزن الكامل  فيقولُ فيها :
(” بَكتِ   الكنانة ُ    ناحتِ   الأطيارُ      قوموا  أندبُوا   قد  قامتِ  الأحجارُ
ماذا  دَهَى الدُّنيا ، سألتُ ، أجابني      نجمٌ      تُبَلِّلُ       وجنتيهِ      النارُ
يبكي على  صدر  الضبابِ  رأيتهُ      فطففتُ   أبكي    والدُّموعُ    غزارُ
هذا سراجُ  الشِّرق  يحملهُ  الرًّدَى      فلتأتِ      تبكي   حظَّهَا    الأحرارُ
دقَّت  نواقيسُ  الكنائس  في  السَّمَا      لمَّا    أتت    في   نعيهِ     الأخبارُ  ويقول:( يا أيُّها النعشُ المليىءُ عروبة ً   ما  الموتُ  أقوى ..إنَّها الأعمارُ”).
والقصيدة ُ  رائعة ٌ جدًّا  وقويَّة ُ النبرةِ  ومتينة ُ  اللغةِ ( على بحر الكامل) . والشعرُ  الكلاسيكي  (العمودي) عادة ً  في  مواضيع  الرثاء ، وخاصَّة   إذا كان المرثي  شخصا  عظيما  يكونُ  مناسبا  جدًّا  وأفضلَ  بكثير من  الشعر الحديث ، لأنَّ  موضوعَ الرثاء يحتاجُ  إلى لغة  قويَّةٍ  ونبرةٍ عاليةٍ  وصخب وتعظيم   أيضا… ولنشر  جوٍّ   من  الحماس  لإذكاء   المشاعر   والضمائر    وتحريك النفوس…وهذا  فقط  يكونُ ويتحققُ  ويتجسَّدُ  في الشعر الكلاسيكي العمودي . وحسب رأيي  فأيَّة ُ قصيدةٍ حديثةٍ ( حُرَّة  أو تفعيليَّة)  ومهما كان كاتبُها  ومهما كان مستواها  الفكري  والتجديد والإبداع  فيها  لا تستطيعُ أن تعطي  إنسانا   وقائدا  عظيما   أثَّرَ  في   مجرى  التاريخ   العربي  الحديث  والعالمي كجمال عبد الناصر حقَّهُ ..وتصوِّر بالضبط مكانتهُ وموقعهُ  الرَّائد ، وتصوِّر جوَّ الحزن والصَّخب أثناء موته..وتصور مشاعرَ الناس والعرب قاطبة ً وقتها  وهياجَهم  كالقصيدةِ  العموديَّة  المنبريَّة  الرَّنانة العصماء .   والشاعرُ هنا يستعملُ عناصرَ الطبيعة : كالضباب والليل والنجوم ..وغيرها .. ويوظفها لإظهار عظم  وهول المصاب وتفاقم الحزن والأسى وكأنهُ  وقعَ جرمٌ من السماءِ  وقضى على معظم سكان  البسيطةِ .. وبالفعل  إنَّ الفاجعة َ لكبيرة ٌ والمصابُ جلل ٌ  فبموتِ جمال عبد الناصر فقدَ العربُ زعيما  قياديًّا أسطوريًّا  لم   ينجبِ  الشَّرقُ   والعربُ   حتى  الآن   قائدا  ملهما  فذا  مثلهُ    وبموتهِ رجعَ  العربُ عشرات  السنين إلى الوراء  في مجال الوحدةِ  والتقدُّم  والتطور وفي مجال قوَّتِهم وشموخِهم ككيان مُوَحَّد ومتماسك يخشاهُ  الغربُ ويعملُ  لهُ  ألفَ حساب  من خلال إتفاقهم  ولحمتهم  القوميَّة   .
ومن الأبياتِ الجميلة في هذهِ  القصيدة  حيث يقولُ :
( ” يا  أيُّهَا  النعشُ  المليىءُ  كرامة ً    ما  الموتُ  أقوى .. إنَّهَا  الأعمارُ )
وربَّما  يكون  الأستاذ  ” يوسف ناصر ” أوَّلَ  شاعر إستعملَ هذا  التشبيه  (  النعش المليىء عروبة )  فجمالُ عبد الناصر رمزٌ  كان  وسيبقى  للقوميَّةِ وللعروبة، وهو الذي أكملَ  وطوَّرَ مفاهيمَ  وفلسفة َ القوميَّة  العربيَّة الحديثة بحذافيرها وبمفاهيمها التقدميَّة وعملَ على تطبيقهاعلى أرض الواقع بمثابرةٍ  مستمرَّةٍ  دؤُوبةٍ ، فهوَ  يجسِدُ  العروبة َ الحقيقيَّة  الجريئة  ومرفوعة  الرأس المتحرِّرة  من  التبعيَّة  والإستعمار…العروبة  التي   ترفضُ   الذلَّ   والعار والإحتلال ولا تريدُهُ  وتقبلهُ  أيضا  لغيرها من الشعوب ..لا  تقبلُ أن  تكونَ  محتلَّة ً ولا تقبلُ أن تحتلَّ وتجتاحَ شعبا وأرضا أخرى..هكذا هو عبد الناصر   وفكرهُ ونهجهُ ..وهذا هو فكرُ وضميرُ كلِّ إنسان عربيٍّ  تقدُّميٍّ  قومي حرّ .   فذلك النعشُ  الذي  حملَ  جمال عبد الناصر حملَ حلمَ الملايين من  المحيط  إلى الخليج … حملَ كلَّ أحلام  وتطلعات  ومطامح  ومستقبل العروبة الحرَّة  التقدُّميَّة …ولكن الموتَ  لم  يهزم “جمال”  فالموت ليسَ قويًّا، بل الأعمار،  وهنا يُظهرُ الشَّاعرُ عنصرَ الإيمان  بالقضاء والقدر وبالخالق ، فكلُّ  إنسان إذا  انتهى  عمرُهُ  فسيموت  جسديًّا ، ولكنَّ  الفعلَ  الحسن  والعملَ الإيجابي  مفعولهُ  وصداهُ   سيبقى  خالدًا…  والإنسانُ  الذي  أعطى  الكثيرَ  لمجتمعهِ وللإنسانيَّةِ   فحتى لو ماتَ جسدًا سيبقى حيًّا خالدًا في ذاكرةِ  ووجدان  شعبهِ  والأجيال والبشريَّة، وسيكون حيًّا عند ربِّهِ وخالقهِ روحيًّا وسيكونُ مكانهُ في الملكوتِ السماوي  مع المؤمنين الأبرار  والقدَّيسين الأطهار  .
ولننتقل إلى قصيدةٍ أخرى بعنوان:( “إستحواب في المحطَّة – صفحة 17 )   ويتحدَّثُ فيها الشَّاعرُ عن طريقةِ  استفزاز الشرطة  واستجوابها  للمسافرين  عند الحاجز الأمني في المحطَّةِ وكيف مَثلَ أمام  الشرطيَّة  أكثرَ  من  ساعة  دونما سبب .. وهذا الشيىء كان  موجودًا بشكل  دائم  أثناءَ الحكم العسكري البغيض في منطقة الخط  الأخضر- عرب ال 48 –  وموجودٌ  بشكل  يومي في الضفةِ والقطاع  .
يقول الشاعرُ في القصيدة ( على  وزن مجزوء الكامل ) التي  يظهرُ  فيها نبرة َ الإعتزاز القومي  والإنتماء العروبي :
( ”     قف     جانبا    هاتِ     الهويَّة َ   لستُ     أسمحُ     بالذهابْ
مِن  أينَ  أنتَ  ؟  وبكشرةٍ…  شرَعَتْ  تُفتشُ   في  الثيابْ !!
شرطيَّة ٌ   وسط َ    المدينةِ       وجهُهَا       مثلُ      الغرابْ
قد     أوقفتني      ساعة ً       عُيِّّيتُ  من    طول   العذابْ
ويذكرُ  قريتهُ  في القصيدة  فيقولُ :
(” من    قريةٍ     فوقَ     الجبال ِ   وتحتَ   أعشاش  الغرابْ
وحقولُها   مزروعة ٌ   بالفجرِ …  في   حضنِ     الهضابْ
وَطنٌ       لنيسان …  على     زيتونِهَا      وكرُ     العقابْ
عربيَّة ٌ    تمشي   على   التاريخ ِ   لا      تخشى     الرِّقابْ… ) .
إنَّها  لتشبيهاتُ وصورٌ شعريَّة ٌ رائعة ٌ فيذكِّرنا  بروائع شعراءِ المهجر  في وصف الطبيعةِ ولبنان الوطن الذي  يراهُ  الكثيرون صورة ً وقطعة  من الفردوس، وخاصَّة ً قصيدة إيليا أبو ماضي ( وطن النجوم ) . وهنا  شاعرنا  يرسمُ  بريشةِ  الفنان  الملهم  جمالَ  البلاد  وجمالَ  قريتِهِ والوداعة والسحر والبراءة  مع الشموخ والصمود والسُّموّ ( وكر العقاب) ، والشبابُ  المتجدِّد  الدائم  يرمزُ  لهُ  الشاعر هنا  بكلمةِ  ” نيسان “… فقريتهُ  دائما  شابَّة ٌ  فتيَّة وهي  وطن لنيسان، بل هي الربيعُ  الدائم  وهي عربيَّة ٌ منذ الأزل  وستبقى عربيَّة ً مدى  التاريخ  وللأبد  ولن  تحني  الهامة ( الرقاب ) لمخلوق  مهما  كان ..وهكذا أهلها وسكانها وهكذا  شاعرنا :إنسانٌ عربيٌّ  حُرٌّ أصيلٌ رضعَ منذ  طفولتِهِ  حليبَ  الإباءِ  والكرامةِ  والعادات  العربيَّة  الأصيلة من: فخر  واعتزاز  وكرم أخلاقي  وشرفٍ  وقيم  مثل  كلِّ  عربيٍّ  حُرٍّ، ولا  قوَّة  في الدنيا تستطيعُ  أن  تُغيِّرَ  أفكارَهُ  ومشاعرَهُ الوطنيَّة الجيَّاشة  وهويَّتهُ القوميَّة ، فالشاعرُ في هذه القصيدةِ  يمزجُ  الهمَّ الوطني الخاص مع الجمال والسحر والبراءة  مع  فلسفة  الحياةِ  الشاملةِ  والبقاء لأجل  الحياةِ الكريمة  والجمال  والإبداع  والعطاء .
وأمَّا  قصيدته ( ” الأرض ..الأرض “- صفحة 33 – 35 ) – على وزن  الكامل  فهي  قصيدة ٌ وطنيَّة ٌ مباشرة ٌ –  يطلبُ فيها الشاعرُ من أبناءِ  وطنِهِ ومن  كلِّ  فلسطيني في الداخل ألاَّ  يُفرِّط  بأراضيهِ  ويبيعَها ، فالأرضُ هي   العرضُ  وهي  رمزُ  وجودِنا  وبقائِنا ،  فيقولُ  فيها :
(حافظ ْ على أرض الجدودِ  ولا  تبعْ    يا  صاحبي  منها  قراطا   أو  شبرْ
إغرسْ  بها  قدميكَ  لا  تخرجْ  ولوْ    قسَتِ  الحياة ُ عليكَ  وامتدَّ  الخطرْ )
وفي قصيدةٍ  أخرى  بعنوان : ( ” في مكاتب  الترخيص ” –  صفحة 4 )   يتحدَّثُ  عن شرعيَّةِ الأرض لسكانها الأصليِّين العرب الفلسطينيِّين …وكيف  يُغَلِّبُونَ  وَيُتعِبُونَ الشَّخصَ الذي  يريدُ  أن  يبني  مسكنا (  بيتا ) على أرضهِ الموروثةِ  فبعدَ  جُهدٍ  جهيدٍ   يسمحونَ  لهُ  بالبناءِ  حتى  لو  كانت  مسَجَّلة ً في  الطابو  ومعهُ  كواشين  ومستندات، وهذه  المشكلة  يصطدمُ  بها  يوميًّا العديدُ  من (عرب الداخل) مع دائرةِ التنظيم والترخيص لأجل البناء.  فنحنُ أرضنا التي  نملكها  أبا عن  جدٍّ  وَمُسَجَّلة  قانونيًّا  يمنعوننا  أن  نبني عليها  بيوتنا  ومنازلنا …  يقولُ الشَّاعرُ :
( ”  كوشانُ   طابُو   في    يدي        والأرضُ   ملكي   عن  أبي
مفهومة ٌ       فيها      المساحة ُ      والقسيمة ُ            للغبي
قرَّرتُ     أبني     مَسكنا           أعطيهِ      بعدي    للصَّبي
فوقَ    ” الجنينةِ ”  من    ترابي    في    المكانِ      الأنسَبِ
لمَّا     ذهبتُ      أرُومُ       ترخيصًا        لأبلغَ        مأربي
بموظَّفٍ   رَبِّي     ابتلاني        مثل        شكل        العقربِ
لمَّا    رأى    اسمي   قد    تسَجَّلَ      في    الهويَّةِ     يَعْرُبي
إذهَبْ  !!    تعالَ  !!   وَرُحْ    لهذا    أو     لذاكَ      المكتبِ
فقضيتُ      عامًا     كاملا        حتى       تحقَّقَ       مطلبي  ” )  .
وأمَّا  قصيدتهُ  بعنوان: ( ” إعتزاز” – صفحة 51) فهي قصيدةٌ  طريفة ٌ يتحدَّثُ الشاعرُ  فيها عن أولادهِ الصِّغار الذينَ  سَمَّاهُمْ على أسماءِ  الشعراء القدامى : غيَّاث ( الأخطل)، وجرير  وعروه…وكيف  كانوا يلعبونَ  سويَّة ً ويمرحونَ  فرحين في  سرير واحدٍ … وتذكَّرَ ، بدورهِ، كيف أنَّ الخصومة َ  الشديدة  كانت مشتعلة ً في العهد الأموي وكانَ أوارها مؤَجَّجا  بين الأخطل ( غياث ) وبين  جرير ، فيقولُ في  القصيدة :
( ”  اللهُ   كيفَ  الدَّهرُ   غيَّرَ   أهلهُ       يلهُو   جريرٌ  في  سرير  الأخطل ِ
أخوان ِ قسَّمتُ   الفؤادَ  عليهما       أعطيتُ    للثاني   نصيب   الأوَّل ِ
أصلحتُ  بينهُما   ببيتي  بعدَمَا   احتدَمَ  الهجاءُ  وجدَّ  ضربُ  الفيصل ِ
راجعتُ أمجادَ  العروبةِ  فيهما       عبقُ  الأقاحي  في رحيق  السلسَل ِ
يُظهرُ   الشاعرُ  هنا  حبَّهُ  للعروبةِ   وللتاريخ   والتراث   العربي  القديم فلذالك  سَمَّى أولادَهُ   كلًَّهم  على أسماءِ  الشعراء القدامى .
ولهُ  قصيدة ٌ  في الديوان  بعنوان :   ( ”  الطعنة النجلاء ”  – صفحة  53 ) ، وهنالكَ  بعض الأبيات  فيها  ارتجلهم الشاعرُ ردًّا على  أحد  رجال  الدين الذي أرادَ أن  يتدخَّلَ  في شؤون الأرض، وقد  بلغَ  بهِ  أن أخذ َ  يُهَدِّدُ  – على  مسمع الشاعر – عائلته  ويتهكَّمُ  بالعربِ، خاصَّة  النصارى   وَيُنكِرُ عليهم  عروبَتهم  ويحط ُّ من  قدرهِم ، وكانت  هذه  القصيدة ُ ردًّا على  ذلك الشَّخص – على حدِّ  قول الشَّاعر :
( لا   تحسبنِّي   قد   سَكَتُّ ..  وإنَّمَا     قد   يسكتُ  الإعصارُ  بعدَ   ثوان ِ
لو  أنَّ  شمسًا  قد  زرعتَ  بأفقِنا     فالشَّمسُ  لن  تسعَى   بلا  استِئذان ِ
لا     تكبرَنّ   لقد    جهلتَ    بأنَّنا   عربٌ    كرامٌ    من    بني   غسَّان ِ
عَرَبٌ  ضربنا  كلَّ ضربةِ  فيصل ٍ    قدَّت    عظامَ    الظالم ِ  الخَوَّان ِ).
ويشيرُ الشَّاعرُ هنا إلى أصلهِ العربيِّ العريق ..إلى  قبيلة ” العزيزات ” الغسَّانيَّة التي تنتمي إليها عائلة الشَّاعر، والغساسنة  كانوا ملوكَ الشَّام   قبلَ الفتح  الإسلامي  وآخر ملوكهم ” جبلة بن  الأيهم ” .   ولكنَّ  الشَّاعرَ  رغم اعتزازهِ القومي  وجرأتِهِِ  وشجاعتهِ  وشجاعةِ  قومِهِ (  فهو  من قوم  كرام  متسامحين  درجوا  ونشؤُوا على  المَحبَّةِ  والوداعةِ   والسلام   والحِلم   فلا  يعتدونَ على أحدٍ   ويحبُّون الخيرَ  للجميع )…  وهذه  هي  طبيعة ُ  وخلفيَّة ُ  الإنسان العربي الأصيل ( الكرم  والشجاعة  والتسامح ) .   فيقولُ الشاعرُ :
(من  ثدي أمِّي  قد رضعتُ  تسَامُحًا    وعلى    المَحَبَّةِ     والدي    رَبًَّاني )
ولا  ننسى أنَّ  لبنانَ الجريحَ  والمكلومَ  كانَ  لهُ  دورٌ  كبيرٌ  في   شعر  الشاعر، فيقولُ في قصيدةٍ بعنوان ( ” قد  خَدَّشَ الدمعُ المُحَيَّا ” صفحة 59 ) – على بحر الكامل :
( من  أينَ  أنتِ، ألستِ  من  لبنان ِ      لا     تكتُميني ،   بَدِّدِي     أحزاني
إن كنتِ أنتِ ومن هناكَ  فإنَّ  لي      قلبًا    يرقُّ      لِمحنةِ      الحَيْرَان ِ
أختاهُ   إنِّي  قد   رأيتُكِ  ها   هُنا      تبكينَ      زادَ     تفجُّعِي    وَحَناني
في    وجنتيكِ   مذابحٌ   وَمعَاركٌ      صُوَر   الجرائم ِ   تحملُ    العينان ِ
قد   خدَّشَ   الدَّمعُ  المُحَيَّا، ليتني      أشقى  مكانكِ   إن   شقيت   مكاني )
والقصيدة ُ  طويلة ٌ جدًّا  وجميلة  ومؤَثرة ٌ كثيرا  فيتحدَّثُ  الشاعرُ  فيها عن مأساةِ لبنان وجرائم وويلات الحرب التي كانت آنذاك من خلال الحديث  والحوار  مع  هذه  الفتاة … والقصيدة ُ زاخرة ٌ  وحافلة ٌ  بالصُّور  الشعريَّةِ   الساطعةِ والجديدةِ  والمُؤَثرة، وفيها  وصفٌ  شاملٌ  لأهوال الحرب ولأنهار  الدماءِ وللجثثِ المُكدَّسةِ ولتلال الجماجم وللقصفِ اليومي المكثف وللحرائق   والبيوتِ  المتهدَّمةِ… ويتحدَّثُ عن انتهاكِ الأعراض، وأنَّ العِرضَ لا  يُثمَّنُ    ولا  يُدانيهِ  شيىءٌ  من  النفائس  والأشياءِ  الغاليةِ والثمينة .. حتى انَّهُ  أغلى من الأرض والوطن ، فيقولُ الشَّاعرُ على لسان تلكَ الفتاة التي كانَ لهُ  معهَا  ذلكَ  الحوار :
( إنِّي  رأيتُ   هناكَ   جثة َ  والدِي      قالت   وَجاشَ  الدَّمعُ   في  الأجفان ِ
فمضيتُ   أبكيهِ .. وكنتُ  وحيدة ً      والخطبُ    يقرحُ   مقلتي   وجناني
والكلبُ   ينبحُ    والعظامُ    بفكِّهِ       ركضوا    إليَّ    ومزَّقوا    فستاني
قبَّلتُ  أرجلهُمْ ..ضَرعتُ  بديهنم        لكنَّهُم     سقطوا    على     جثماني
لا  تقتلوا  شرفي ..أقتلوني  دونهُ       شرفي   أعَزُّ   عليَّ    من    لبناني)
وإنَّها  لقصيدة ٌ مُؤَثرة ٌ جدًّا  ويُبدعُ  الشَّاعرُ  فيها ، وذلك  في  تصوير المشاهد الحزينةِ  والمأساويَّة  والمواقف  الدراميَّة  التي تقشعرُّ لها الأبدانُ .
وسأنتقلُ إلى  قصيدة ٌ أخرى من الديوان  بعنوان : ( “حماسيَّة ” – صفحة 81 )  يظهرُ الشاعرُ  فيها  حُبَّهُ  وعشقهُ  للغةِ العربيَّةِ والأدب  وأنهُ نهلَ من مَعِين اللغةِ  ومن  ينابيعها  العذبةِ  فيقول :
( هذا دمي، شعري،عصيرُ حُشَاشتِي    دمعُ   الجروح ِ  كتبتَ  بالشِّريان ِ
إن  تشربوا  فالكأسُ  سكبُ  صبابتي     قطرُ  الفؤادِ،غرقتُ  في وجداني
نهرُ  البلاغةِ   سالَ  نبعُهُ  من   فمي     والشِّعرُ   جَمَّعَ    نفسَهُ    بلساني) .
ولننتقل  إلى موضوع الغزل  فالشَّاعرُ  كتبَ الكثيرَ من القصائد الغزليَّة .. وفي هذا  الديوان  لهُ  عدَّة ُ  قصائد  في هذا  الموضوع  تظهرُ  فيه  مقدرتهُ الشعريَّة المتميِّزة في هذا الباب .  ويمتازُ  شعرُهُ  الغزلي  بالعاطفةِ  الجيَّاشةِ  الصَّادقة والشَّفافيَّة والبراءة وبعذوبة الألفاظ ورقتِهَا أحيانا،وبإختيار الكلماتِ  الجميلةِ المُمَوْسَقة، وبالصُّورالشعريَّةِ الخلابة. ويظهرُ الشاعر الهيامَ والوجدَ  بل  نراهُ  يزيدُ  من اللوعةِ  والتنهيد  وشدَّةِ   التَّتيُّم   والتَّولُّه   في العديدِ  من القصائد الغزليَّة، وأحيانا يمزجُ  بين الغزل والحبِّ  العذري الروحاني وبين الحُبِّ  الحِسِّي والجسدي… يقولُ في قصيدةٍ  بعنوان : ( ” المَبسَمُ الفتَّاك ” –  صفحة  91 )  :
( ” أنا   شاعرٌ   فتكت   بهِ   عيناكِ      أهواكِ   يا   أختَ   المَهَا   أهواكِ
يا  خفقَ  قلبي  حينما سقطتْ  بهِ      بسَماتُ    ذاكَ     المَبسم    الفتَّاكِ
عيناكِ   مذبحة ٌ   يعزُّ    نظيرُها       كم   من    ذبيح   ٍ ذبَّحَتْ   عيناكِ
لم  يُبصِرِ العُشَّاقُ  كلَّ عُصورهِمْْ      عينا    كعين ٍ     ضَمَّهَا    جفناكِ).
في هذهِ القصيدةِ  العذبةِ  نتذكّر روائعَ القصائد الغزليَّة للشَّاعر المصري الكبير ” إسماعيل صبري “، وخاصة ً في غزليَّاتهِِ للكاتبةِ  والأديبةِ  الكبيرة ” مي زياده ” حيث  كان  يتمهَّلُ ويتريَّثُ  كثيرا أثناء كتابةِ القصيدة الغزليَّة  ويفكرُ مَليًّا  في  كيفيَّةِ  إختيار وانتقاءِ  الكلماتِ  والعباراتِ العذبةِ  والصُّور والمعاني الجميلةِ والمبتكرة  .. ويذكِّرنا أيضا  بروائع الشعراءِ  الكلاسيكيِّين الغنائيِّين  المُحدِثين  مثل : أحمد  شوقي   وحافظ إبراهيم   وخليل مطران…   وغيرهم  .  وفي مطلع  هذه  القصيدة   يستعملُ  الشاعرُ  ” يوسف ناصر ”  التكرار اللفظي  فيكرِّرُ  كلمة  “أهواكِ ”  مرَّتين  فيضيفُ  للبيتِ  وللشطرةِ الشِّعريَّةِ جمالا لفظيًّا  وحسِّيًّا  لهُ  وقعُهُ  الجميل على الأذن  فيُحرِّكُ  مشاعرَ وحِسَّ القارىء  ولواعِجَهُ . وفي عبارةِ  وتشبيهِ (عيناكِ مذبحة ٌ )  قد  يكونُ  الأستاذ ُ يوسف ناصر  أوَّلَ  من  استعملَ هذا التشبيهَ .
وأمَّا  قصيدتهُ بعنوان : (  ” ماكرة ” –  صفحة  99 )  فيقولُ  فيها :
(  وقفتْ     تبلُّ    ثياَبَهَا    بإزائي      وتودُّ   لو  ثوبٌ   أنا   في  الماءِ
وتبوحُ  عيناها    بسرِّ   فؤادِهَا       وَتُترجمُ     الأشياءَ      بالأشياءِ  ) .
والقصيدة ُ زاخرة ٌ أيضا  بالمعاني الجميلةِ  والصور الشعريَّةِ المكثفةِ والمُشعَّة ، وفي البيتِ الأوَّل جاءَ المعنى معكوسا، وعادة ً الشاعرُ أو الرَّجل  بالأحرى يتمنَّى  نفسَهُ  أن يكونَ في الموقع  الموجودة  فيهِ  هذه  الفتاةُ ، فإذا  كانت  تُمَشِّط ُ شعرَهَا يتمنى أن يكونَ  مشطا بيدِهَا ، وإن كانت  تغسلُ  ثوبا  يتمنى أن  يكونَ  ثوبا  في  يديها   فتغسلهُ… وأمَّا  هنا ( فالعكس )  فالشَّاعرُ يتحدَّثُ  على  لسان  الفتاةِ   و يُترجمُ   وينقلُ  أحاسيسَهَا  حيثُ   أنها  تتمنَّى ، بدورها ، وتودُّ أن  يكونَ هُوَ  ثوبا  في الماء  فتغسلهُ  بيديها… إلخ  .
ومن المطالع  والإفتتاحيَّاتِ  الجميلة  لقصائِدهِ  قصيدة غزليَّة  بعنوان :
( ” شحرورة ” – صفحة  101 )  ويعني بالشحرورةِ  فتاته، فيقولُ :
( مَن  ذا   يُغنِّي  في  سُفوح ِ الوادي     أهُتافُ    وُرق ٍ   أم   ترَنُّم   حَادِ
كلاَّ .. غناءُ  مليحةٍ   في   زهوهَا      خرجَت  تطوفُ   بموكبِ  الأولادِ
وكأنَّهَا    لمَّا    سمعتُ     غناءَهَا      شحرورة ٌ نطقت  بحرفِ  الضادِ) .
.. وحتى في القصائد الغزليَّةِ  نجدُ  الحِسَّ  القومي  الجيَّاش وحبَّ  الشَّاعر لوطنهِ  ولعروبتهِ … والتغنِّي  والإعتزاز بالإنتماء  القومي العربي  .
وأخيرًا: نكتفي  بهذا القدر من إستعراض قصائد الديوان، ونتمنى للشاعر المبدع  الأستاذ ” يوسف ناصر” المزيدَ من العطاء  والإبداع  والإصدارات الجديدة   في مجال الشعر والأدب  فهو  ركنٌ هامٌّ  من  أركان ثقافتنا  وأدبنا  المحلي  .

بقلم :  حاتم  جوعيه  –  المغار  –  الجليل  )

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة