حكايات أبي (9)

القصة (::)
بقلم : سعيد مقدم ( ابو شروق ) الاهواز (:::)
اليوم طلبت من أبي أن يحكي لي عن زعماء القبائل الذين عاصرهم في عهد الشاه محمد رضا البهلوي الذي خول الحكم على العرب لهم والذين نسميهم في الأهواز (الشيوخ).
فقال متأوها:
من أي ظلم أحكي لك؟!
كان حكمهم يقص المسمار، كانوا كأنهم حكومة؛ وقد حكموا الناس بالجور واللا عدل. إقطاعيون بمعنى الكلمة.
والناس آنذاك فقراء ضعفاء، لا يملكون بذور حرثهم؛ فكان الزعيم يستذلهم ويعطيهم البذور شريطة أن يتقبلوا مراحل الحرث حتى الحصاد، ثم يشاركهم بنصف المحصول. ولا يحق لمزارع أن يلمس حبة قمح قبل أن يستلم الزعيم نصفه بالكامل، بل ويأخذ حق حصانه ومضيفه وثوره والحلاق من النصف الآخر.
وذات مرة، قصر أحد الزراع في سقيه الزرع لأسبابه الخاصة، وقد اعتذر من الزعيم، لكن الزعيم انتقم منه شر انتقام:
عندما داس الرجل البيدر وتكوم المحصول، أمسى ينتظر الزعيمَ حتى يأخذ نصفه ويترك له النصف الثاني مهما قلّ.
ولم يحضر الزعيم، بل ورغم معرفته بمدى فاقة الرجل، ترك المحصول طعاما للطيور أشهر حتى جاء الشتاء واخضر البيدر بعد أن مطرت السماء.
وظل الرجل (بعد ذلك العناء كله) يقترض مدة سنة كاملة من الجيران، يطعم زوجته وأطفاله التافه من الطعام ويلبسهم الخلقان من الثياب.
ثم تنهد أبي وفرّ الملعقة في فنجان شايه وتابع حكاياته الحزينة فقال:
كانوا يجبرون أهل القرية أن يبذروا لهم منين بمكيال الدورق1  كل سنة، وعلى جميع رجال القرية أن يساهموا في هذه السخرة، ويتكفلون حرثه وزرعه وحصاده ودوسه، ثم يقدمونه للزعيم قمحا صافيا.
وهز أبي رأسه متألما، وارتشف ثالث فنجان شاي، ثم تابع حكايته قائلا:
سمع أحدهم أن لدى قروي بنتا جميلة، فعزم لخطبتها؛ وهل يستطيع أهلها أن يرفضوه؟!
كلا، فاضطروا أن يزوجوها من ابن عمها الذي يصغرها بأكثر من عشرة أعوام في نفس الليلة التي كان من المقرر أن يأتي الشيخ لخطبتها! وبهذه الحيلة ردعوه.
ثم ضحك أبي وخاطبني بقهقهة متينة:
اسمع هذه الطريفة يا بني:
خرج أحدهم للصيد ترافقه حاشيته، وعند المساء ضافوا غناما، فذبح لهم خروفا وشواه،
ومن الصدفة، ضاف رجل مسافر أخذه الليل والجوع نفس الغنام.
وعندما مُدت المائدة وبدأ الزعيم يلتهم ما أمامه وحوله، مد الرجل المسافر يده صوب اللحم، فضربه الزعيم على يده ناهرا إياه:
أأنت باز لتأكل اللحم؟!
فيرد الرجل خائفا:
كلا يا سيدي، لست بازا، سآكل خبزا ولبنا.
ولم يسمح الزعيم للرجل أن يتناول وذرة من اللحم مهما صغرت.
وأوصى الغنامَ أن يصر ما تبقى من اللحم لغدائهم حيث سيواصلون رحلة صيدهم، ففعل.
ولم تغمض تلك الليلة للرجل المسافر عين، وعندما استسلم الجميع إلى النوم وكانوا قد تعبوا من رحلة صيدهم، قام بسرقة لحم الشيخ المصرور وهرب.
وعندما استيقظوا صباحا، لم يجدوا اللحم ولا الرجل المسافر.
فهاج الشيخ صائحا: سأصلبنه صلبا وأذبحنه ذبحا، وكان الرجل قد ابتعد وأصرف في البعد.
ضحكت ضحكا من القلب رضا بما فعله ذلك الرجل المسافر الشجاع.
ثم قلت لأبي مستدركا:
ولكن لم يكونوا كلهم على هذا النمط الذي ذكرته، فهناك من كان كريما، شجاعا، منصفا، شهيدا لأجل غاياتنا العليا.
رد أبي مؤيدا استدراكي:
لا شك أن هناك من كان كما وصفت.
ثم نظرت إلى جوالي، وإذا بالوقت يداهمني؛ فاستأذنت من أبي واتجهت إلى دوامي.
1-     (من الدورق يساوي 120 كيلو غراما)

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة