مجلس عشائر الدوايمة في رحلة إلى قلب بلدة (عي) جنوب الكرك..

فضاءات عربية (::)
بقلم : بكر السباتين * (:::)
يشارك الوفود في التعبير عن تضامنه مع والد الشهيد الكساسبة..
” لا للإرهاب” شعار تضامني رفعه الجميع..

ثمة أسئلة عامة يطرحها الشارع في ذات السياق حول ما يجمع بين الشهيدين معاذ والطفل أبو خضير.. ودلالات جريمة داعش على الضمير الإنساني.. وكيف أنها ألجمت الأسئلة الصعبة ورسخت اهتمام الضمائر على قساوة المشهد الأخير وضرورة اجتثاث الإرهاب.. بكل أشكاله.. تحركات الشارع الأردني جاءت من هول الصدمة الناجمة عن جريمة الحرق القذرة التي جرحت مرامة الإنسانية وأضرت بسمعة الإسلام وخالفت تعاليمه السمحة.. من هنا جاء موقف مجلس أبناء الدوايمة التضامني..

كانت الطريق إلى بلدة عي جنوب الكرك منحدرة عبر تفرعات ومنحنيات ضيقة وصعبة.. والقرية التي غادرها كثير من أبنائها المتعلمين للعمل في العاصمة عمان؛ بدت أقرب إلى الانعزال كونها واقعة على منحدرات الكرك النائية والمشرفة على غور الصافي.. ورغم ذلك شهدت البلدة ازدحاماً قل نظيره من الوفود القادمة من أرجاء الأردن ومدن الضفة الغربية( فلسطين) والجاليات العربية والإسلامية وجيش من الإعلاميين والعسكريين لتقديم واجب العزاء بالشهيد معاذ الكساسبة..

حينما اقترح علي أحد أعضاء مجلس عشائر الدوايمة لرفقتم في هذا الواجب الإنساني وأنا أتخيل مشهد الحرق المؤلم لإنسان مليء بالحياة وتضج في رأسه الأحلام والطموحات كدأب جيله من الشباب .. فتشمئز نفسي.. كنت أتخيله يافعاً وهو  يغادر بلدته النائية فيقطع كل هذه الطرق الإسفلتية المتعرجة ليذهب إلى قاعدته الجوية كي يلبي ما كان يؤمن بأنه نداء الواجب  المنوط به.. ليلقى مصيره الكارثي “إنسانياً” على يد طغمة إرهابية جاهلة بدينها.. فاستشهد حرقاً في موقف أقفل على كل الأسئلة التي تحيط بمهمته!! لتنتهي بالسؤال الأهم:” متى تجتث جذور داعش! صنيعة أمريكا والكيان الإرهابي الصهيوني” إسرائيل” !؟ الذي أحرق مستوطنوه الطفل الفلسطيني “أبو خضير” بعد أن أسقوه النفط وأشعلوا فيه النيران حياً.. وكلنا يدرك بأن للإرهاب شكلاً واحداً؛ ومواجهته تبدأ من هنا.. من هذا الزحام  البشري الذي جاء ليقول كلمته” كلنا ضد الإرهاب.. كلنا نعزي في معاذ”..

انحدرت بنا الحافلة باتجاه البلدة عبر طريق ضيق كثير المنعطفات لا يتسع سوى لمركبتين.. وقد تصعَّبتْ مهمتنا من جرّاء حركة المركبات البطيئة نتيجة ازدحامها وهي تسير في صفين متقابلين كأن كل الأردنيين حضروا إلى هذه البقعة للتعبير عن رفضهم للإرهاب بأشكاله..
أصبحنا ( بعد عناء) في وسط البلدة ثم أخذنا نجوب بالحافلة الطرقات باحثين عن مخرج يخلصنا من الزحام البشري.. كانت اللافتات الملصقة على جوانب الحافلة تشير إلى مجلس عشائر الدوايمة.. والواجب المحمول على عاتقه للتعبير عن رفض أهالي الدوايمة للإرهاب بأشكاله.. متأثرين بالطريقة البشعة التي أعدم فيها معاذ.. وفي قلوبهم غصة لما شهدنه قريتهم من مذبحة كبرى عام 1948 حينما غافل الصهاينة أهلها فنكلوا بهم.. فيكمل أحفادهم القتلة طريقهم حينما باغتوا الطفل أبو خضير فأحرقوه حياً.. وهو نفس النهج الذي فعلته ربيبتهم داعش إذ أحرقت معاذ حياً..
اللافتات التي التفت حول الحافلة جعلت أبناء بلدة عي  يحيوننا بأياديهم من خلال نوافذ مركباتهم أو على أرصفة الطريق.. حتى استوقفنا أحد أبناء الدوايمة المخرج المسرحي علي أبو صقير الذي كان برفقة أعضاء نقابة الفنانين الأردنيين وقد أصيب بالغبطة مهللاً ( أنتم أبناء واجب) فأثلج ذلك صدورنا..

كان الموقع الذي أقيم عليه سرادق العزاء قريباً منا.. ويمكن مشاهدته أعلى الطريق المقابل عن كثب؛ لولا الزحام البشري المختلط بالمركبات؛ أجبر الحافلة على التحول صعوداً  إلى طريق التفافي، ثم توجهنا في طريق فرعي إلى اليمين لنجد بأن الزحام  كان يطوقنا من كل الجهات.. كأن الأردن تجمعت لتهتف هناك:” لا للإرهاب”..

دبر السائق أمر حافلته فركنها في موضع بعيد.. ونزلنا هابطين الطريق مشياً على الأقدام كأننا في سوق مزدحم بالمشاة والمركبات بأنواعها.. فردية بأهلها أو في مواكب رسمية..
صافحنا أبناء الكساسبه الذين شكلوا صفاً صاعداً حتى مدخل سرادق العزاء الكبير.. والذي توشحت جوانبه بيافطات (بينها يافطتان علقتا باسم مجلس عشائر الدوايمة) عبرت من خلالها الوفود عن موقفها الإنسانية الرافضة للإرهاب!! والسرادق (خيمة كبيرة) أقيم في ساحة مدرسة البلدة وقد اكتظ بالوفود القادمة والمغادرة ، فيما أطلق على القاعة المجاورة للمدرسة اسم معاذ الكساسبة كما يبدو من اليافطة الكبيرة التي حملت اسمه فوق البوابة الرئيسة .. وأمامها كانت الموائد والولائم مقامة على شرف الشهيد الذي قضى بأبشع طريقة نفذها عقيمو الفقه والتفكير (الدواعش) بأسير  لا يملك أمر نفسه وهو في براثنهم.. خلافاً للنهج الإسلامي الحنيف الذي دعا لحماية حقوق الأسير وعدم تنفيذ أي حكم عليه إلا بمحاكمة عادلة وبالوسائل المشروعة..

أخذنا مكاننا بين الحاضرين وقد سمعنا بأن الملك عبد الله الثاني جاء قبلنا بساعات لتقديم واجب العزاء لوالد الشهيد الذي كان متماسكاً ونحن نصافحه كأنه لم ينسى مشهد الحريق الذي التهم ابنه معاذ؛ إلا أنه أيضاً ما فتئ يتذكر كيف أن النار المضرمة به لم تسقطه وهو حي.. كان ساخراً منها بكبرياء.. شعرت بأن والده راض عن مصير ابنه ما دام قد هز ضمائر العالم بطريقة موته البشعة.. الداعشيون بفعلتهم أحرقوا مع معاذ كل الأسئلة التي في جعبة منتقديه.. واستسلم الجميع لضمير الإنسانية الذي يرفض بشاعة الموقف الأخير الذي جرح كرامة الإنسان خارجين بذلك عن سلوكيات ديننا الإنساني الحنيف.. إنا لله وإنا إليه راجعون.
*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة