مصطفى أبوعلي : سينمائي حالم عملي..رحل قبل تحقيق مشاريعه الطموحة!

فضاءات عربية (:::)
رشاد أبو شاور- الاردن (:::)
عرفته عن قرب في دمشق، بعد خروجنا من الأردن إثر مأساة أيلول التي أخرجت المقاومة من أغوار الأردن التي لا يفصلها عن قلب فلسطين سوى نهر الأردن، ومدن وقرى ومخيمات وأحراش جرش عامي 70_71، حيث انتقلنا للإقامة في العاصمة السورية دمشق.
تمّ اختياري في وفد برئاسته للمشاركة في ملتقى سينمائي عربي في دمشق صيف 1972، وتعززت صداقتي به منذ ذلك الملتقى الذي قربني منه.
ما زلت أذكر تعبيرا سمعته منه لأول مرّة في ذلك الملتقى: بالنسبة لنا نحن السينمائيين الفلسطينيين: الكاميرا هي كلاشينكوف سريعة التقاط الصور.
لعل من رسم ملصقا ذات يوم لمؤسسة السينما الفلسطينية اختار قول مصطفى وحوّله إلى ملصق جذاب معبّر، ففي ذلك الملصق بدت الكاميرا بندقية مشرئبة صوب السماء تعبيرا عن دور الكاميرا والسينما الكفاحية الثورية.
منذ عرفته في لقائي الأول معه، وحتى افتراقنا القسري، عندما (دخل) إلى الوطن عام 1994 ، واستقر بي المقام في العاصمة الأردنية عمّان، وفي لقاءاتي القليلة معه بعدئذ، ظل كما هو، أميل للصمت، والتأمل، ومستغرقا في الحلم، وساخرا مُّر السخرية.
كان مصطفى أبوعلي عندما يضحك يبدو كما لو أنه يجالد ثقلاً يجثم فوق  صدره، فضحكه أشبه بالتأوه، وكأنه تعبير عن وجع لا عن فرح.
حتى يقرّب مفهومه للسينما التسجيلية دعاني ذات يوم في دمشق لمشاهدة فيلم ( النسور تحلق عاليا في السماء) للسينمائي الكوبي العالمي الشهير سانتياغو الفارازيو، وكان الفيلم يعرض في صالة ( الكندي).
كان ذلك الفيلم عن قائد الثورة الكوبية فيدل كاسترو، ومع ذلك فلم يكن دعائيا فجا جافا، بل كان جذّابا بفنيته الرفيعة، ساخرا من الدعاية الأمريكية التي استهدفت القائد الثوري كاسترو، وكان تحفة فنية بصرية.
يومها ، ونحن نغادر صالة السينما قلت لنفسي: هذا ما يريده مصطفى.. أن يبدع أفلاما تسجيلية راقية فنيا، تليق بالزمن ( الفدائي)، وبالقضية الفلسطينية، ومع الأيام تأكدت أن انطباعي عن طموح مصطفى في محله.
في مؤسسة السينما الفلسطينية التي تطورت في الحقبة البيروتية، استقطب مصطفى عددا من الشباب الطموحين، وساعدهم في تطوير مواهبهم، ومنهم من بلغ مستوى احترافيا في التصوير، وبعضهم أتقن مهنة الوقوف خلف الكاميرا، وإبداع أفلام تسجيلية قصيرة، ثمّ مضى في طريق الإبداع، وما زال يواصل رحلته الفنية.
أبدع مصطفى عددا غير قليل _ لا أعرف عدد الأفلام التي أخرجها، ووضع أفكارها، وسيناريوهاتها، وهي تختلف عن سيناريوهات الأفلام الروائية _  من الأفلام التسجيلية، وفي مرحلة ما، أذكر أنها في منتصف السبعينات، بدأ يهجس ويطمح أن ينتقل إلى السينما الروائية، مع معرفته بصعوبات تحقق هذا الطموح لتكاليفها الباهظة.
ذات يوم اتصل بي، ودعاني إلى بيروت_ كنت أقيم في دمشق آنذاك، تحديدا في مخيم اليرموك_ وأقترح علي وهو يضحك ضحكته الواهنة الحزينة، بأنه قرأ روايتي ( أيام الحب والموت) الصادرة عام 1973 عن دار العودة، وهو متحمس لنقلها للسينما.
ظللت ساكتا، فأدرك أنني أستصعب الأمر، لعدم توفر جهة تمويل، فبادرني بالقول: أعرف أنك متردد لأسباب مالية، ولكنني أخذت موافقة من ( القيادة)، وسوف نتوجه لمؤسسة السينما الجزائرية طلبا للمساعدة في التمويل.
أعددنا سيناريو العمل، هو بشكل رئيس، وأنا أساعده، وأتعلم منه فن تقطيع المشاهد وحجمها، إلى أن فرغنا من كتابة السيناريو بصيغته النهائية.
بعدئذ قدُّم السيناريو لمؤسسة السينما الجزائرية التي رحبت بتبنيه، وكان مديرها آنذاك هو الروائي عبد الحميد بن هدوقة صاحب الرواية المشهورة( الجازية والدراويش).
صدرت روايتي الثانية ( البكاء على صدر الحبيب) عام 1974 عن دار العودة، وبمشاركة الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين، فقامت الدنيا ولم تقعد بسبب ما تضمنته من نقد لسلبيات تفشت في صفوف الثورة الفلسطينية..فأبرقت جهة فلسطينية متنفذة إلى مؤسسة السينما الجزائرية طالبة توقيف التحضيرات للفيلم!
صدم مصطفى برد الفعل، وأذكر أنه تساءل بحزن شديد وهو ينقل إلي نبأ ( إلغاء) مشروع إنتاج فيلم ( أيام الحب والموت)، ويسألني بمرارة، وهو يضحك ضحكته التي هي زفرة مرّة: أما كنت تستطيع تأخير إصدار روايتك للعام القادم؟ فأجبته: ما كان يخطر ببالي أن تعاقب على صدور روايتي، ولم أتوقع قلة عقل من أوقفوا المشروع، الذين ظنوا أنهم يعاقبونني!
انهمك مصطفى في تحويل قسم السينما في الإعلام الفلسطيني الموحد إلى مؤسسة بمصورين باتوا محترفين بالخبرة، وعدد من المخرجين، ومحترفي مونتاج، وتوفير ما يلزمهم جميعا لإنجاز الأعمال بجهود فلسطينية _ طبعا كان هناك عرب من عدّة أقطار _ وبإرسالهم للمشاركة في مؤتمرات، وملتقيات، وفي دورات تأهيلية تضاعف من معرفتهم وخبراتهم.
فاجأني مصطفى ذات يوم، وقد دعاني للغداء في شقته في الفاكهاني، بأنه يعمل على كتابة سيناريو لرواية إيميل حبيبي المتشائل، وحول طاولة الغداء المتواضعة، وزوجته ترص صحون الطعام، ابتسم ابتسامته التي شعّت بشيء من الفرح ..الحزين كالعادة_ ما سر حزن مصطفى الدائم؟ _ ترى : هل سأنجح هذه المرّة في إنجاز فيلم ( المتشائل)؟
كان جوابي السريع: هذه رواية صعبة، لأنها تعتمد على اللغة..والمفارقات اللغوية، والسخرية المبطنة، و..لا أحسب أن أي كاتب سيناريو يمكنه أن ينقل ( روح) العمل الساخر المأساوي هذا !
سألني : من تقترح لبطولته؟ أجبته بدون تردد: الفنان الفلسطيني المسرحي المقيم في سورية زيناتي قدسية. قال: أفكر في الفنان دريد لحام.
قلت له: دريد لحام فنان كبير، والمشكلة أن شخصيته ستطغى على شخصية سعيد أبي النحس المتشائل، بينما زيناتي غير المعروف للجمهور العربي الواسع سيوهمهم بأنه المتشائل..إلى ذلك فهو فنان كوميدي من طراز نادر.
مرّت سنوات، ولم ينقل السيناريو إلى السينما، علما أن الروائي الفلسطيني إيميل حبيبي تحمس للسيناريو عندما اطلع عليه، وبارك جهد مصطفى، وأبدى إعجابه بما أضافه مصطفى للمتشائل.
رحلنا عن بيروت عام 1982، و(نام) مشروع مصطفى، وازدادت خيباته وأحزانه، فبعد توزيع الفلسطينيين على عدّة أقطار عربية، في المنافي الجديدة، أُغلقت السبل أمام مصطفى فازداد وجعه وإحباطه وحزنه.
عاد مصطفى مع العائدين إلى رام الله بعد ( أوسلو)، وفي لقاءاتي النادرة معه وجدته شديد الشعور بالغربة، موهن الروح والجسد والنفس، وهو يتأمل بعينيه القلقتين كل ما حوله بصمت.
لا أدري أين ذهبت أفلام مصطفى التسجيلية التي هي سيرته الفنية، وسيرة مؤسسة السينما الفلسطينية، وجهد من عمل معه من رفاق رحلة السينما الفلسطينية المعاصرة التي قدمت شهداء سقطوا وهم يحملون كاميراتهم، فعلى قمة جبل صنين استشهد المصور هاني جوهرية عام 1975، وعلى أرض الجنوب اللبناني استشهد عمر ومطيع وهما يصوران وقائع الحرب العدوانية الصهيوني على الجنوب، وتصدي المقاومين الفلسطينيين للعدوان. عام 1978.
أحسب أنه لم يستشهد من قبل سينمائيون في الوطن العربي وهم يحملون كاميراتهم، ويسابقون المقاتلين المقاومين في الميادين.
اليوم يوجد سينمائيون فلسطينيون قدموا روائع سينمائية، وعُرفوا عالميا، ولكن سيرة من سبقهم تجدر أن تُعرف، وتكرّم، وتوضع في موقعها، وتأخذ مكانتها اللائقة..وفي المقدمة مصطفى أبوعلي يرحمه الله.
لا عجب أن تتقدم السيدة خديجة حباشنة أبوعلي زوجة مصطفى، ورفيقته في مؤسسة السينما، والعارفة بمسيرة حياته، لتزيح التعتيم عن سيرة هذا الرائد الأصيل، الذي عاندته الظروف، وهي ظروف ألمت بالثورة الفلسطينية، فحرمته من تقديم أعمال سينمائية روائية تليق بطموحه.
سيناريو ( أيام الحب والموت) ضاع..واأسفاه! وأشياء كثيرة ضاعت بعد رحيلنا عن بيروت..ولكن، من حسن الحظ أن السيدة خديجة رفيقة مصطفى وجدت سيناريو المتشائل، وها هي تقدمه للسينمائيين الفلسطينيين من جيل ما بعد مصطفى، علّ أحدهم يتحمس لنقله إلى السينما، ليس فقط وفاء لروح هذا السينمائي الذي رحل في عز شبابه، ولكن لأن هذا السيناريو الفذ جدير بأن ينتقل من الكلام إلى لغة السينما، متكئا على حضور اسمين كبيرين في حياتنا الثقافية والفنية: إيميل حبيبي..و..مصطفى أبوعلي.
ولي أمنية: أتمنى لو أنه بالبحث نجد بعض أفلام مصطفى أبوعلي التسجيلية، ونقدمها في عروض جماهيرية داخل فلسطين، وخارجها، وأحسب أننا ببعض الجهد يمكننا أن نجد بعضها في بيروت، لدى أصدقاء مصطفى، ولدى من تخرجوا من مؤسسته التي بناها بجهده وروحه الجماعية التي كانت تنطلق من أن السينما عمل جماعي، تسجيلية كانت..أم روائية.
لروحك السلام يا صديقي المبدع مصطفى أبوعلي، وللصديقة خديجة أبوعلي كل التقدير على وفائها للزوج ورفيق المسيرة الخصبة..رائد السينما التسجيلية الفلسطينية في الزمن الفدائي الشجاع.
* مقدمة سيناريو ( المتشائل) الذي أعده الراحل مصطفى أبوعلي، وعمل على نقله إلى لغة السينما، ولكن مشكلة التمويل وقفت عقبة، وقد عملت السيدة خديجة أبوعلي على إصدرا السيناريو في كتاب وفاء لذكراه، وتذكيرا بدوره…

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة