مواقف في ثنايا البوح.. : صدور كتاب”قبل أن ينتهي خريف العمر” للكاتب عبد الرحمن رمزي

اصدارات ونقد (:::)
بقلم : بكر السباتين * (:::)
هناك مقولة تقضي بأنه كلما طال العمر بالكاتب يَتسَمَّدُ الوعي في عقله بالخبرة البناءة وبحجم المعاناة التي يواجهها، فتنضج العاطفة إذا ما واجه موقفاً مؤلماً.. ويشتعل في قلبه الحنين إلى القيسوم والزعتر إذا ما فارق أرضه.. ولعل النبش في صناديق الجدات وتصفح ذاكرة مجالس الكبار سيمنح قلم الكاتب حكمة تجانب في نهجها الرياء وهي تتصدى من خلال رؤية صاحبها لمنطق النفاق الذي بات يسود (في غالب الأحوال) الخطاب الاجتماعي السائد في أيامنا.. الخطاب ذاته القائم على الميكافللية التي تبرر فيها الغاية كل الوسائل..
هذا ما لمسته حينما أهداني الكاتب الجاد والناقد الذي لا يهادن الأستاذ المبدع عبد الرحمن رمزي نسخة من كتابه القيم” قبل أن ينتهي خريف العمر” الصادر عن دار أمواج للطباعة والنشر- عمان- في الأول من يناير 2015 ..
والكتاب يندرج في إطار السيرة الذاتية المتشظية زمنيا ومكانيا من خلال عدة مواقف أو آراء انطباعية في كافة الأصعدة فيما يستعرض أيضاً جملة من إبداعات الكاتب في الشعر العمودي المقفى الذي يتميز بالصورة الشعرية الجميلة، ووحدة الفكرة، والعاطفة الجياشة والرؤية الثاقبة الناقدة للمجتمع.. كذلك ما تبوح به الموسيقى المهموسة في سياق النص؛ من خيال مجنح يطوف رأس المتلقي أثناء توغله في الفكرة؛ فيتجاوز بذلك ما ساد الشعر التقليدي (أحيانا) من تقعر في اللغة من باب الفزلكة، وتراكم غير مبرر في الصور الشعرية والدخول في متاهات لا توضح غاية القصيدة بل تعقدها ما يبدد الفكرة ويحول القصيدة إلى طلاسم لا يستوعبها سوى النخبة من القراء( وهذا يندرج أحياناً في تجارب كثير من كتاب الشعر الحر)..
لقد تعددت المواضيع في شعره ما بين التطرق للقضايا الوطنية والعاطفية والذاتية. ففي قصيدة ” من وحي الانتفاضة” حلقت القصيدة عالياً في وصفها للشعب الفلسطيني المنتفض إذ يقول :
“ثبتوا..حين سرى النجم ولم يبلغ مساره..
حين آشور انحنى.. والسيف لم يشحذ شفاره”
وهو ينظر إلى المستقبل العربي (وفق المعطيات الحاضرة لديه نظرة تشاؤمية).. تتجلى في خلاصة قصيدته” عام الثقافة في عمان يلتئم 2004″ التي قال فيها:
“مشتت شملها والبؤس يقتلها…
وحبل وحدتها ما انفك ينفصم”..
لكن الماضي التليد الذي تبوأ فيها العرب مكانتهم فيما الغرب أعماهم الجهل:
“كم أشرقت شمسها علماً ومعرفة…
والغرب في جهله يغفو ويختصم”
إلى أن قال في سياق المقارنة بين الحاضر السقيم والماضي المزهر في ذاكرة التاريخ:
“حموا تخومهم صانوا ربوعهم…
وربعنا اليوم مسلوب ومُقتحم”
لكن الانتفاضة التي أشعلها أطفال الحجارة لتوقظ شمس الأمل:
“وطفلنا للقاء الخصم ندفعه..
ونحن خلف نضال الطفل نعتصم”
“في عرفنا صار مقلاع الفتى شهباً..
أما الحجارة فالصاروخ والحمم”
ثم يعد الشاعر ثورة الإرادة المتمثلة بالانتفاضة بأن الشعر سيحمي أطفالها:
“تحدوه كل القوافي إن رمى حجراً..
والشعر يرعاه والتأبين والحكم”
إلى أن قال في آخر القصيدة (والتي كتبت على البحر البسيط) متوعداً العدو المارق بأن الليل سيعقبه النهار والحرية قادمة:
“ولا الشعوب سيبقى القهر ملجمها…
فالنار تحت رماد الظلم تضطرم”.
وفي قصيدة ناقدة واعية لواقعنا العربي يتصدى الشاعر لعدة ظواهر سلبية منها النفاق الذي يمارسه بعض المتدينين المتسمين بالإرهاب .. وخاصة أنه ذاته قد تصدى في معرض كتابه لهذا لظاهرة على صورة الانضواء تحت مظلة “آل البيت” لكسب الجاه المعنوي مؤكدا الشاعر على أن فلسطين تريد شعباً يعتز بها ويثبت على حقه فيها بعيداً عن العصبية والجهل والرياء.. وفي ذات السياق من النفاق الاجتماعي حينما أكد بأنه ضد التطبيع والمطبعين ولكنه أيضاً ضد تخصيص النقد للظاهرة دون دراسة كل تفاصيلها التي تضم شريحة كبيرة من الساقطين. فيقول في قصيدته”شطحات”:
“ما فكر أصحاب أرباب اللحى يسري على..
ما جد من فكر الحجا ويجاري”
“بئس الجهالة عششت وتعفنت..
في نهجهم، في العقل، في الأفكار”..
إلى أن قال في سؤال استنكاري:
“هل يستوي من صان عزة أهله..
مع من يصب الزيت فوق النار”
لأن المحبة تشيع الأمان:
“فالورد ينشر عطره أنى سرى..
والشوك يكسو نبتة الصبار”.
وفي نفس القصيدة يتصدى لظاهرة التكسب في الشعر:
“لقد تساوى شعره وشعيره..
فتوحدا في الذوق والأسعار”..
والشعر العربي المعاصر فهو في هذا العصر المتردي:
“متقلب متشائل فيما يرى..
ومشتت للرأي والأفكار”..
وفي شعر العاطفة يغازل الشاعر حبيبته السمراء قائلا:
“خلان بتنا في ديار الشوق ننتظر السنين”
” سمراء إني في بحار الشوق أطفو كالسفينة”
لقد وعد الشاعر محبوبته في قصيدة أخرى بعنوان:” وعد… لم يتم”
قائلا:
“قولوا لها إني سأنتظر.. ما دام لي قلب ولي عمر”
إلى أنة قال:
يا وردة في الروض ناشئة..
أنت الرؤى والفكر والصور
والسحر في الأهداب مسكنه..
كالأفق يخطر فوقه القمر”
وقد اهتم الشاعر بالأساطير التي كانت تتحكم في الطبيعة قديماً فيما لا يزال لها أثر على الثقافات المعاصرة.. وخاصة الطيران.. إنه (إيكوروس) تلك الأسطورة اليونانية الخرافية الذي حاول الطيران قبل آلاف السنسن.. فتفاعل الشاعر مع هذه الأسطورة لما لها من دلالات يمكن إسقاطها على القضايا المعاصرة.. فكتب قصيدة بعنوان”طيران إيكاوروس” والتي مطلعها:
حيوا معي إيكاوروس اليوناني..
أسطورة الأيام والأزمان”
وقد استذكر من خلال هذه الأسطورة تجربة عباس بن فرناس، ذلك العالم المسلم الذي قضى نحبه وهو يحاول الطيران:
“هذا ابن فرناس يحاول جاهداً..
شق الفضاء بقوة وجنان”
الجميل في هذا الكتاب أنه كالحديقة الغناءة الفواحة بأريج الأدب الجميل.. زرعت من معطيات ذاكرة واعية للأحداث بقلم حصيف ورؤية ناقدة ثاقبة لا تهادن.. الكتاب يستحق القراءة

*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة