الموسيقى والغناء في العراق القديم

فن وثقافة (:::)
حسن الوزني -شاعر باحث  – العراق (:::)
كان للفن دورا ًحضاريا ًمهما ًفي الحياة اليومية في بلاد الرافدين ومنذ أقدم العصور, ومر الفن بمراحل متطورة بالتدريج كلما تقدم الزمن . وكان الإنسان العراقي القديم يعتبر الفن في بداية الأمر وسيلة للتعبير عن أفكاره وهمومه ومعتقداته فكان من نتاج الفن نشوء الموسيقى ومن ثم الغناء وتزامن ذلك مع ولعة بالرسم والنحت والكتابة على الجدران . ولا يعرف لحد ألان كيف توصل إلى ابتكار الموسيقى وجعلها جزء من تعبيره وأعطاها أطار قدسي . لذلك نلاحظ أن الموسيقى كانت ترافق جميع الطقوس الدينية في المعبد أو خارجة في الساحات العامة وفي المناسبات الرسمية وغير الرسمية كالأعياد والاحتفالات أو المراثي بأنواعها . ونتيجة لأهمية الموسيقى بالنسبة للعراقي القديم وخصوصا ًللمعبد والكهنة فقد كانت ضمن جدول أعداد الكهنة ورجال الدين وكانت تدرس في مدرسة المعبد لمدة ثلاث سنوات وعدت الموسيقى طقسا ًمهما ًضمن الطقوس الدينية في بلاد الرافدين ..

أهمية الموسيقى :
والموسيقى باعتبارها من مظاهر الحضارة في بلاد الرافدين لها تاريخ سحيق في القدم , وان دراستها مرتبطة كل الارتباط بنتائج التنقيبات والدراسات والبحوث الأثرية واللغوية الخاصة بالكتابات المسمارية
وعندما نتتبع مراحل تاريخ الحضارة الموسيقية لبلاد الرافدين نلاحظ أن جميع الآلات الموسيقية القديمة
المختلفة من وترية وهوائية وإيقاعية والتي وصلت ألينا وجدت من خلال التنقيبات الأثرية التي جرت في بعض مدن العراق القديمة مثل أور , كيش , نمرود .
كما لوحظ أن مشاهد الآلات الموسيقية المختلفة التي نحتت آو نقشت على أصناف عديدة من الآثار والتي عرفت من خلال الأختام الاسطوانية والدمى الطينية والأواني الفخارية والتحف العاجية والرسوم الجدارية والمنحوتات الحجرية . كما وصلتنا مجموعة من النصوص المسمارية منها مدونة بالكتابة المسمارية حيث
وردت فيها أسماء كثيرة للآلات الموسيقية باللغة السومرية والاكدية ونوع المادة المصنوعة منها الآلة الموسيقية وأسماء الموسيقيين وأصنافهم كلها دون في تلك المصادر ..
كما كانت الموسيقى في العراق القديم غنائية حيث صاحبت الآلة الموسيقية الغناء والتراتيل الدينية للفرح والأعياد ومراث وعزاء للموتى ودعوات وصلوات بصورة عامة . وكان الأداء الموسيقي محدودا وله ضوابط معينة على غرار الطقوس والشعائر الدينية . وذكرت النصوص المسمارية أن أكثر الموسيقيين كانوا من الكهنة ورجال المعبد . كما كان بعض الموسيقيين يتعاطون مهنا ًأخرى لا علاقة لها بالمعبد ولكنهم يستدعون للمشاركة في العزف والغناء في المناسبات التي تستدعي ذلك . وكانوا العازفين من الرجال والنساء . أن الموسيقى كانت تدرس وتعلم في مدرسة المعبد ومدرسة القصر وكان التدريس يشمل نظريات في الموسيقى واغلب النظريات كانت متأثرة بالنظرة الدينية والفلك .

صناعة الآلات الموسيقية :
أما صناعة الآلات الموسيقية في العراق فهي أصيلة وسحيقة في القدم وقد بلغت مستوى راقيا من الناحية التقنية والفنية وكان العراق القديم السباق دائما في كثير من الانجازات المتعلقة بالآلات الموسيقية وصناعتها ومنه انتشرت إلى الشعوب والأقطار الأخرى في العالم وبقيت مستعملة عبر ألاف السنين حتى وصلت يومنا هذا . تقسم الآلات الموسيقية المعروفة والمستعملة في بلاد الرافدين إلى ثلاثة أنواع :
الآلات الإيقاعية و الآلات الهوائية و الآلات الوترية .
الآلات الإيقاعية :
1 ـ  وتشمل الطبل : وقد تم استعماله عند السومريين في أواخر النصف الأول من ألاف الثالث ق.م وكان على هيئة طبل كبير مستدير .
2 ـ الطبلة : وهي تشبه ( الدنبك ) بشكلها المعروف اليوم وكانت معروفة ومستخدمة منذ العصر البابلي القديم أي القرن العشرين ق.م .
3 ـ الدف : يرجع ظهور أقدم شاهد اثري للدف إلى حدود سنة 2650 ق.م واستمر استعماله عبر كافة فترات التاريخ القديم .
4 ـ الصنوج المعدني ( الكوسات ) أن أقدم اثر يدل على استعمال السومريين للصنوج المعدني يعود إلى عهد الملك السومري اورنمو الذي حكم في حدود 2050 ق.م .
5 ـ الخرخاشة : أظهرت التنقيبات في مدن كثيرة من بلاد الرافدين خرخاشات فخارية مختلفة الأشكال تعود إلى العصر البابلي القديم بعضها يمثل حيوانات مثل الخنزير والضفدع وحيوانات أخرى لايمكن تحديدها لأنها جاءت بأشكال مختلفة وغريبة نوعا ًما .
6 ـ الأجراس : وهي الآلات موسيقية مصوتة كانت معلقة في رقاب الخيول والحيوانات الأخرى ظهرت في العصر الأشوري على الأغلب .
الآلات الهوائية :
1 ـ الناي : وقد تم العثور على الناي في المقبرة الملكة في أور مصنوع من الفضة .
2 ـ المزمار المزدوج : وجد أقد اثر له يعود للملك السومري اورنمو منحوت على القسم الخلفي لمسلته المشهورة .
3 ـ البوق : وهو من الآلات النفخية وقد وجد منذ عصر فجر السلالات الثاني . وكان له استعمالات عديدة .
الآلات الوترية :
1 ـ الجنـك : وقد ظهرت منذ عصر الوركاء في سنة 3000 ق.م وكان على شكل جنك منحني أو مقوس وهو أشبة يقوس الرماية , أو اقتبس من فكرته .
2 ـ الكنارة أو القيثارة : تثبت الشواهد الأثرية أن أقدم ظهور واستعمال لآلة الكنارة في العالم القديم كان عند السومريين في بلاد الرافدين في نهاية عصر جمده نصر في حدود 2700 ق.م وقد مرت الكنارة عبر تاريخها الطويل في العراق بمراحل تطور وتغير فيها المظهر العام لشكل الصندوق الصوتي  وازداد أوتارها وأضيفت لها الملاوي وفتحات الصندوق الصوتي لتقوية الصوت المنبعث من الآلة . وكانت أشهر الكنارات السومرية هي الكنارة الذهبية المعروضة في المتحف العراقي والتي عثر عليها في المقبرة الملكية في أور ويرتقي زمنها إلى عصر سلالة أور الأولى قبل 3400 سنة . والكنارة هي أكثر الآلة موسيقيى اشتهرت بها حضارة وادي الرافدين .
وقد ثبت قيام سكان بلاد الرافدين بابتكار الكثير من الآلات الموسيقية الوترية منها والإيقاعية والهوائية قبل أقوام الحضارات والأقطار الأخرى . كما قدموا أيضا ًانجازات موسيقية أخرى لها أهمية على الصعيد العام لتاريخ الموسيقى في العالم .

الموسيقى و الحضارة :
لقد كان الموسيقيون يشكلون فئة حرفية هامة في بلاد مابين النهرين , حتى أن بعضهم أضحوا موظفين ذوي مناصب رفيعة في البلاط . وقبل أعوام قدمت الدكتورة دشين ـ غليمن من جامعة لييج في بلجيكا بحثا ًبعنوان : ( النظرية الموسيقية تبدأ من سومر , اكتشاف سلم موسيقي بابلي ) أوردت فيه الدليل على وجود نظام موسيقي في بلاد السومريين التي عرفت فيما بعد باسم بلاد بابل وهو أول سلم دياتونيكي في تاريخ الموسيقى , ولعلة كان وفقا ًلنظام الدوزنة أيضا ً..
كما اهتم الأشوريين كثيرا ًبالموسيقى أكثر من غيرهم من الأقوام والشعوب التي استوطنت وادي الرافدين وطوروا جميع الآلات الموسيقية , وكذلك تطور الغناء عندهم واتخذ جوانب متعددة من التعبير ..
كما قام الأشوريين بتخليد انتصاراتهم على مسلات وللوحات أثرية وكان للفرق الموسيقية دورا ًبارزا إلى جانب مشاهد الحروب والجنود . وهناك بعض الشواهد على ذلك :
فقد كان الملك الأشوري شمشي ادد الأول المعاصر للملك البابلي حمورابي , قد بعث برسالة إلى احد عمالة في الأقاليم يطلب فيها منه تجنيد ثلاثة مغنين ومنهم المغني المعروف آنذاك ( سن ـ يقيشام ) لمرافقة الحملة العسكرية الأشورية لكي يساهم في المعركة بتقديم ألاغاني الحماسية وإثارة حماس المحاربين الأشوريين , حيث كان الفنان العراقي هو الأخر شأنه شأن جيشه يسجل البطولات بالصورة والكلمة والنغم
في قطعة فنية واحدة . أن أقدم شاهد اثري يصور لنا على الرخام استعمال الأغنية والموسيقى في الحرب قد وجد في نينوى وهو عبارة عن منحوتة جداريه ارتفاعها ( متر واثنين وستين سنتمر ) تعود لزمن الملك اشوربانيبال وقد نقلت في حينه إلى متحف اللوفر بباريس . لقد قسم النحات الأشوري هذه المنحوتة الرخامية إلى عدة أفاريز ونحت فيها مشاهد كثيرة تصور تسلسل مراحل معركة حربية خاضها الجيش الأشوري . وكان من ضمن التفاصيل المنحوتة موضوع استعمال الأغنية والموسيقى في الحرب . حيث كانت تصور المنحوتة معركة قائمة مع العدو وتقف فرقة موسيقية عسكرية مؤلفة من أربعة موسيقيين يقومون بتقديم الأغاني والموسيقى كتشجيع للجنود .
ويلاحظ من المنحوتة أن الآلات الموسيقية المستعملة في اللوحة كانت الآلات الإيقاعية الجلدية الممثلة في الدف الكبير والآلات وترية مثل الكنارة والآلات إيقاعية صوتية ممثلة في الكوس والصنج المعدني .
وكان وجود الآلات الوترية في الفرقة العسكرية الأشورية يشير إلى استعمال الغناء في المعركة لان هذه الآلات الوترية هي آلات لحنية وصوتها ليس عاليا ًولا مرعبا ًكما أنة لا يدخل الخوف والفزع في صفوف جيش العدو وخيوله ..
كما كانت هناك أشبة بفرقة الإنشاد أو الفرقة الملكية للموسيقى في قصور الملوك الأشوريين وكانت تشمل الرجال على الأغلب ، أما الفرقة الموسيقية العسكرية فكانت تشمل عازفين من الرجال والنساء .
وهناك ألواح أخرى عثر عليها كانت تصور انتصارات الملوك الأشوريين كانتصار أشور بانيبال و انتصار سرجون الثاني على أعدائهم تصور العازفين على القيثارة والناي والضاربون على الرباب وضاربي الطبول . هكذا اهتم الأشوريين كثيرا ًفي الموسيقى واستخدموها في قصورهم لعزف أعذب الألحان في الطرب والسهرات أو في المراسيم الرسمية أو في الفرق العسكرية باعتبار الموسيقى محفزة في الحروب وتساهم من رفع معنويات الجند في نظرهم . ولم يكن السومريين بمعزل عن اهتمامهم بالموسيقى فهم الذين اخترعوا القيثارة والآلات أخرى . وكذلك الاكديين والبابليين لكن يبدو أن الأشوريين كانوا أكثر اهتماما ًبها ..
أن موضوع الموسيقى والغناء في العراق القديم لم يلقى للأسف اهتمام واضح من قبل مؤرخينا وباحثينا فلم نجد في مؤلفاتهم وكتبهم أي ذكر لموضوع الموسيقى على الرغم من أهميته بالنسبة للعراقيين القدماء وحبهم لها في الوقت الذي كانت جزء من معتقداتهم الدينية وحياتهم اليومية .
وأكثر من اشتغل في البحث والكتابة عن الموسيقى في العراق القديم هو العالم الاثاري في الآلات الموسيقية الدكتور صبحي أنور رشيد وأغنى الكتبة العراقية بعدة كتب في هذا المجال والتي ترجمت إلى أكثر من اثني عشر لغة عالمية . وقد تمكنت من اقتناء البعض من هذه الكتب الثمينة والثرية في مادتها القيمة واعتمدناها كمصادر لهذا البحث , في الوقت الذي تفتقر المكتبة العراقية إلى مؤلفات وكتب تختص بموضوع الموسيقى ، وان وجدت فهي من النوادر وهذا من المؤسف حقا ً..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر :
صبحي أنور رشيد
1 ـ  تاريخ الآلات الموسيقية / المؤسسة التجارية للطباعة والنشر بيروت 1970 .
2 ـ  الموسيقى , حضارة العراق ج4 / دار الحرية للطباعة بغداد 1985 .
3 ـ  دور بلاد مابين النهرين في صناعة الآلات الموسيقية / مجلة أفاق عربية العدد 9 لعام 1984 .
4 ـ  الحضارة الموسيقية لبلاد مابين النهرين / مجلة أفاق عربية العدد 3 لعام 1982 .
5 ـ  الدكتور الأب سهيل قاشا / عراق الأوائل حضارة وادي الرافدين / العارف للمطبوعات بيروت
2010 .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة