القصّة القصيرة جدّاً بين الواقع الفنّي وهيمنة التنظير

فن وثقافه (:::)
محمود أسد – حلب – سوريا (:::)
لاشك أن ولادة أي جنس أدبي عرضة للمداولة والألسنة والمناقشة فهو يستدعي المؤيدين والمعارضين ، ويهيئ المناخ للجدل والحوار . وهذا مناخ صحيٌّ ، فيه الكثير من العطاء والإغناء إن توّفرت الموضوعية والنقد البنّاء.
ينطبق هذا الكلام على القصة القصيرة جدّاً وملتقياتها . فما أن يحدّد موعد الملتقى وأسماء المشاركين والمساهمين حتَّى تنبري دور الإعلام والمنابر الثقافية ي الحديث عن جنس أدبيٍّ كثر مريدوه وكتّابه الى جانب قسم عظيم من المتحفظين عليه والمعارضين .
في البداية أقول إن فكرة الملتقى جميلة ومبعث تقدير لجهود أفرادٍ يتفانون في تقديم ما يفيد ويحرِّك المشهد الثقافي الحافلَ بالأخذ والعطاء والتناقض . فلا ننكر عليهم النوايا الحسنة والمساعي المبذولة في وسط المعمعة ومتناقضاتها . هذه نقطة لصالح الملتقى لما فيها من صبر وثبات وتحدٍ رغم كل ما يقال في الملتقيات السابقة.  في الملتقى الثالث والأخير كنتُ مشاركاً في اليوم الرابع . وحضرت من حلب دون امتعاض مع زملاء تحمّلوا المشقة والمصروف وجاؤوا بمحض إرادتهم يدفعهم الحبُّ  ولكن المفاجأة كانت بعدم وجود إعلان واحد على جدران وممرات المركز الروسي الذي تفضّل مشكوراً باستضافة المهرجان وأضيف على ذلك عدم وجود شخص واحد يرحب بنا أو يبادلنا السلام بل كان التقديم لنا أكثر من جاف . وما أقوله لا يخص إنساناً محدداً في الذهن . ولكن أنقل الواقع وإحساسي هذه نقطة أراها جديرة بالتوضيح والصراحة ليستفاد منها في الملتقيات القادمة هناك كثرة بالمشاركين التي جاءت على حساب الوقت والإلقاء وجاء على حساب النقاش وتحديداً ملتقى اليوم الرابع الذي سلقت فيه الحوارات وكان فيه الكثير مما يقال وخاصة بعد أن ألقى ناقد الجلسة أحكامه التعسفيّة التي ألغت كلَّ النصوص تقريباً وصَبَّ عليها آراءه التنظيرية من علٍ بعيداً عن كلِّ جملة نقدية والحضور يدركون ذلك .
في الصحافة كثرت المقالات و المقابلات والتحليل لهذا الجنس ن فهناك من يعتبره جديداً وآخره يعتبره متجدداً ، له بذوره وجذوره . وهناك من يتفاءل له وآخر يتشاءم لما آل إليه أمره وبين موضوعي متابع يقول رأيه الناضج الواضح وبين منظِّرٍ مُتعالٍ سلَّط قلمه الإعلاميَّ وسلطتَهُ الوظيفيَّة في مجال الثقافة و الإعلام فراح يلغي ، ويسلخ الجلودَ ، ويقصَّ الأجنحة دون اعتماد على مخزون معرفيٍّ أو إبداعيٍّ لهذا الجنس . فهناك محاولة إثارة زوبعة أراها ليست لصالح هذا الجنس الأدبي فالإبداع الجيِّد القادر فوق كلِّ هذه المهاترات والأقلام الارتجالية والتأويلات الحلزونية تلك التي تمارس على الملأ بعيداً عن الموضوعية وكأننا في مهرجان استعراض العضلات وليِّ الذراع .
ماذا تقول وأنت تسمع لشاعر لم يكتب دراسة نقدية في عمره باستثناء بعض الزوايا والخواطر وقد أوجدته الظروف ليكون دارساً وهو الذي قرأ النصوص لأكثر مرة كما ذكر . ولكنه لم يكتب ولم يلفظ جملة نقدية تحليلية منصفة أو واعية بل غطى ذلك بالاستعلاء والإلغاء والاصطياد الرخيص على حساب النصوص التي  لا تخلو من الجيد ومن الوسط و الضعيف.
راح يمارس سلطة المعلم في الصف . هناك جملة ركيكة وهناك خطأ نحوي ، وهناك مقالة صحفية وهو الذي أخطأ نحوياً لأكثر من مرة . لست ممن يتصيَّد ولست ضدَّ الإشارة الى الأخطاء إذا كانت مستفحلة وتمسُّ الذوق واللغة ز بل أبارك من يتبَّرع في كشف ذلك . ولكن النقد أكبرُ من ذلك وأعمق بكثير .
هذه الملتقيات أراها جميلة وجيِّدة لأنها تفرز الحسن من الضعيف على كلِّ المستويات الإبداعية والنقدية ولكن ساءها بعض الاستعلاء المفتعل على المبدعين المشاركين والتنظير المحنّط عليهم بعيداً عن روح النص . قد أرهقتها المقاسات والمعايير المختلفة وقد تجاهلت آراء الحضور والجمهور الذي أراه الحكمَ الحقيقيَّ . فنحن بحاجة لأحكام تأتي مدروسة وبروية وموضوعية . طالما أنَّ النصوص أرسلت للقراءة والاختيار ولماذا لا تكون الدراسة لصالح الجنس الإبداعي وليس لصالح الأشخاص الذين تعرَّضوا لمواقف محرجة .
هل تكليف الأشخاص في عملية النقد جاء إرضاءً لخاطر الأشخاص أم جاء تكتيكاً وتوريطاً لمن قبلوا هذا الوضع وهم الذين أبدوا وجهات نظرهم سابقاً ؟ ويقيني أنَّ الملتقيات لا تقبل و لا تحتمل مثل هذه المجاملات أو الخدع أو ما شابه ذلك فالأدب بكلِّ الأحوال أسمى من ذلك وأنقى . القصة القصيرة جدّا سمِّها ما شئت ولكن لا تستطيع أن تقيِّدها بأهوائك وحساباتك فهناك من يقول : إنها جنسٌ مازال في طور التجريب والنمو والإثبات . فهل نقبل أن توضع المقاييس والعجلات في وجهها بلا وعي ودراية . وهي التي لم تصل حسبَ زعم بعضهم الى درجة الكمال والنضج.
أرى أن القصة تسير كغيرها من الفنون الأدبية . تتعثَّر خطواتها أحياناً ولكن في النهاية ستجد من يعطيها حقَّها النقدي السليم الصادق .
فقد وجدت من خلال المقابلات التي سمعتها أو قرأتها مساومات وبعداً عن الحقيقة . فهناك من ألغى حقَّ كتّاب حقيقين لها وفي الصف الأول ومن بداياتها . وهناك من رفع شأن كتّاب لم يعترفوا بها سابقاً وسخروا ممن صنَّفهم عجبي لمثل هذه القضايا.
الإبداع فوق السلطة بأنواعها . فكيف إذا كانت السلطة آتية من أدعياء القلم والثقافة ؟ إن النوايا الحسنة تحتاج لسريرة حسنة وخطوات مدروسة واعية . وأرى أن القصة القصيرة جداً بحاجة لهذه الوصفة وبحاجة لغَرْبَلَةْ ونَخْل أدعياء نقدها ومن ثم كتابها . بعد أن تطاول عليها الأعمى والبصير ، حالها كحال قصيدة النثر سابقاً .
إنها مولودٌ والمولود بحاجة لرعاية مدروسة ، وتحتاج لرعاة واعين يتحّملون المسؤولية لا شرطة فكر وقلم يعوِّضون نقصهم بإلغاء الإبداع والمبدعين.

 

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة