الخليفة يغدو رجلا

التصنيف : القصة (:::)

قصة : وليد رباح نيوجرسي (:::)

في عصر من عصور الخلفاء غير الراشدين، كثرت في بغداد المفاسد، فالعسس يجوبون أطراف الديار ويجمعون الناس وهم يتطوحون سكرا إلى سجون الدولة.. ومواخير الدعارة قد غدت علامات مميزة في أزقة بغداد القديمة.. الحرائر يقبعن في بيوتهن خائفات مذعورات كلما طرقت أبوابهن.. الربا غدا ديدن التجار فلا يباع شيء ولا يشترى الا عملة بعملة.. الولدان والغلمان والخمر والميسر أصبحت جزءا من حياة الناس فلا تعيش الا به.. فكثر بذلك الصراع والخلاف والقتل والخطف والسرقات و (العوانس) وغدا الإنسان الملتزم بدينه كأنما هو قابض على جمرة تكويه ولا يستطيع البوح حتى لا يتهم بإزعاج نوم الانكشارية.. عم الفساد وفسد العباد حتى خاف أساطين الدولة ان تباد وان تمسي اثرا بعد عين.. وكان الخليفة رجلا ضعيفا تحكمه زوجاته اللواتي قدمن عبر البحار ولا يفقهن في الدين الا مثل فقه شيوخ هذا الزمان بصناعة القنبلة النووية.. ولم يكن في ذلك الزمان سنة وشيعة وأكرادا وتركمان وعبدة للشيطان ومللا أخرى.. فاحتار الخليفة في أمره.. فسجون الدولة لم تعد تتسع للفاسدين والمفسدين.. جمع الخاصة في الدولة واستشارهم في الأمر فاقترح احدهم بناء سجون جديده.. وقال آخر بل نهدم السجون ونستبدلها بالخوازيق.. فمن اتهم بما ينافي الشرع خوزقناه.. وثالث قال بالاستعانة بالجنود الانكشاريه.. وهم جيش عملوا بامرة قوادهم من غير العرب فكانوا يعزلون الحاكم ان لم يرضهم.. مرة يسممونه وأخرى يخوزقونه وثالثة يعدمونه على الملأ.. ورابع كان عاقلا فاقترح ان يعطى الناس بعض الحرية في القول والعمل.. أما الأخير فاقترح ان يستشير أهل العلم بالأمر فانفرجت أسارير الخليفة ووافق على هذا الاقتراح.. وفي ركن قصي من ارض السواد كان هناك عالم دين يتعبد في خص من القش بعيدا عن العيون.. يضع كتبه القديمة الملطخة بالحبر الزعفراني الى جانب مصلاته وقد غدت اوراقها صفراء في بعضها وفي البعض الاخر شبه ممزقة.. جاء اليه حرس الخليفة واقتادوه الى مجلسه فجزع الرجل واخذت اوصاله ترتعد خوفا ورعبا.. عرض عليه الامر فقال العابد للخليفه.. اعطني الامان يا مولاي..فاني اخاف على رقبتي من ان تتدحرج فوق سلالم القصر وساحاته.. قال له الخليفة تحدث فاني اعطيتك الامان.. قال العابد : أبغي شهودا على هذا الامر فلا آمن شر الغدر والغيله.. قال الخليفة حاشيتي هم الشهود.. قال العابد : اكتب لي صكا بذلك يا مولاي.. فأمر الملك بدواة وقرطاس وكتب له صكا بالامان.. قال العابد : هل يأمن الخليفة على نفسه حتى يؤمنني على حياتي ؟ قال الخليفة بعد ان وضع يده على سيفه : يكون ان شاء الله.. قال العابد بعد ان نظر الى وجوه الجمع : اريد ان اكون على كرسي الخلافة لشهرين قادمين.. فان رأيت يا مولاي بعدها فاسدا او مفسدا فاقطع رأسي امام العامة.. جزع الخاصة وهاجوا وماجوا وعلت اصواتهم لغوا.. واقترح احدهم ان يقطع رأس العابد في التو واللحظة.. وصاح صاحب الشرطة ان يأتوه بالسيف والنطع.. وقال آخر بسلخ جلده وحشوه بالقش وتعليق كل مزقة من لحمه على ابواب سور بغداد السبعة.. وتعدد اللغو حتى خال الجمع انهم في حمام قطعت مياهه.. اما الخليفة فقد صرخ فيهم : اخرجوا واتركوني مع الرجل ساعة من زمان.. خرج الجمع يقدمون رجلا ويؤخرون اخرى الا واحدا بدا وكأنه ذو رتبة عالية في جيش الخليفة.. فصدره عامر بالنياشين والاوسمة.. وجبته الحريرية التي يلمع فوقها طوق من الجلد يعلوها سيف بتار بدا وكأنه يقطر دما من غمده.. قال له الخليفة : لم لا تخرج يا رجل.. قال القائد : اخاف ان يغتالك هذا الدعي يا مولاي..فربما عمل مع جهات اجنبية لا تريد لك الخير.. اني هنا لحمايتك.. قال العابد : دعه يا مولاي.. ثم همس في اذن الخليفه : من هذا الرجل ؟ قال له الخليفة هامسا.. انه نائب قائد جيش الانكشاريه.. وهو هنا كي يتجسس على ما اقول وافعل وليس لحمايتي كما يدعي.. قال العابد : دعه يا مولاي فانه لن يسمع ما نتحدث به..

دار الحديث بينهما همسا شفة لاذن بحيث لا يسمع القائد.. ثم قال الخليفة لقائده.. ابق هنا لدقائق حتى نعود.. ذهبا إلى ركن تحجبه الستائر ثم عادا بعد لأي وقد استبدل الخليفة ملابسه بملابس العابد.. ووضع العابد تاج الخلافة فوق رأسه.. وعندما رآهما القائد آتيان نحوه ذهل وتلعثم وانبهر.. فقال له الخليفة الجديد : اسمع يا هذا.. ان قائد الانكشارية رجل فاسد.. وقد وصل الى سمعي انه مرتش يظلم الناس ويقتلهم بالشبهه.. لذا فاني توسمت فيك الخير وامرت بتعيينك قائدا للانكشارية.. اريد رأس قائدك بعد ساعة من الان.. قال القائد.. سمعا وطاعة يا مولاي.. وفي غضون نصف ساعة كان رأس قائد الانكشارية امام الخليفة الجديد يخز الرأس بعصا خيزرانية كانت في يده.. ثم ان الخليفة الجديد كتب صكا بخط يده بتعيين القائد متصرفا بامور الانكشارية.. وزاد رتبته وساما آخر.. كان الخاصة لا يعلمون من الامر شيئا فقال الخليفة او من يلبس تاج الحكم.. اسمع ايها القائد.. في الردهة المجاورة من القصر خاصة الخليفة (المخلوع).. هم فاسدون ايضا وذوو رأي فاسد.. خذ معك بعض الجنود وهات لي رؤوسهم جميعا.. قال القائد : امرك يا مولاي.. وعاد القائد برؤوسهم جميعا بعد ساعة.. قال الخليفة (العابد) لقائد جيش الانكشارية الجديد همسا.. اسمع يا هذا.. اني هنا رغما عني ولا طمع لي في الخلافة.. لذا عندما يستتب الامن سوف اتنازل لك عن الخلافة فتصبح انت الخليفه.. فقط اريد ان تعينني مستشارا لك.. فأنت تعلم ان الخليفة الحالي رجل ضعيف لا يقوى على مقارعة الخطوب.. والا لما عينني خليفة مكانه.. انت القوي الذي يأمر فيطاع.. وانت الذي يمكن ان تدين لك العامة بالطاعة.. فقط افعل ما آمرك به.. قال القائد : امر مولاي الخليفه !! قال الخليفة الجديد.. أريدك ان تعس الليلة مع بعض حرسك وتأتيني بعشرة من السكارى.. ومثلهم من الداعرين.. ونفس العدد من التجار الجشعين.. واريدك ان تنتقي عشرة من الابرياء ممن يسيرون في الشوارع ليلا دون تهمة محددة.. احضرهم الى هذا المجلس بعد صلاة الفجر.. وتم ذلك في نفس الليله.. اذيع في الناس بعد صلاة الفجر ان الخليفة قد أمر بقطع رؤوس اربعين ممن يعكرون الامن في البلد.. بعضهم سكارى والبعض الاخر يعمل في الدعارة وبعض ثالث من التجار وعشرة من الابرياء الذين لم يرفعوا اصواتهم عند الخليفة ليحدثوه عن فساد المجتمع.. وفي الساحة العامة للمدينة.. تطايرت الرؤوس مثلما يطير رف العصافير بحثا عن الغذاء.. وفي غضون ذلك انتشرت الشائعات مثل النار في الهشيم.. قال بعضهم ان الخليفة قد اعدم مئات ممن يخالفون اوامر الشرع.. وقال البعض الاخر أن من قطعت رؤوسهم يعملون جواسيس للعدو الذي يغير على حدود الدولة.. قال رجل يسير عجلا الى بيته بل هم من السكارى.. وقال آخر بل من الداعرين.. وقال ثالث بل هم التجار ممن فسدوا وافسدوا.. أما نساء القصر فقد قمن بطرد العاملين على خدمتهن خشية اتهامهن بالعلاقات الاثمة..

وزعت الرؤوس على الابواب السبعة لسور المدينة. وكتب على كل رأس تهمته.. وفي اليوم التالي جال الخليفة الجديد مع القديم ازقة المدينة.. فرأى الكثير من الخمارات قد اغلقت ابوابها.. وبيوت الدعارة قد نقصت الى نصف العدد.. واغلق بعض التجار متاجرهم.. وتقلص مرور الناس في الطرقات حتى غدت شبه خاليه.. بعد اسبوع قام المتصرف بامور الانكشارية باحضار عشرات آخر.. تم اعدامهم بنفس الطريقه.. وفي غضون الايام القادمة.. لم يبق في بغداد سكير يقاد الى السجن.. ورحلت الداعرات الى امكنة اخرى بعيده فلاحقهن العسس.. وامتلأت المحلات بالمواد التموينية وغدا الناس لا يتاجرون بالعملات والربا.. أكثر من هذا هرب بعض الوزراء وبعض من رجال الدين والقضاة في ظلام الليل ولم يعثر لهم احد على أثر.. في غضون الايام التي تلت علمت نساء القصر ان خليفة آخر يأمر فيطاع.. فحاولن التقرب منه غير انه عزف عنهن.. وأمر من ساعته بتنظيف القصر من الشبان المرد ( من لا ينبت الشعر في وجوههم ) وأمر بقطع رؤوس الساقين ممن كانوا يقومون على تقديم الخمر للحاشية.. اما راقصات القصر فقد حولهن الى تلميذات ليؤهلهن كداعيات للدين.. وبدلا من سماع الموسيقى التي كانت تذهب مع الريح الى خارج القصر اخذ الناس يسمعون الايات القرآنية وسجالات اهل الادب والعلم والفضيلة.. في ليلة عس الخليفة القديم يرافقه الجديد وكان قد مضى بعض الوقت على ما جرى.. فاذا الاحوال قد تغيرت في بغداد.. امتلآت المساجد بالمصلين.. وعاد مهرجان المربد السنوي الى العمل بعد ان تعطل سنوات.. امتلأت شوارع بغداد بالطلبة الذاهبين الايبين الى دور العلم.. جهد الناس لوضع اسس لمستشفيات تعالج الناس بالمجان.. والخلاصة ان بغداد اصبحت خلية نحل تعمل ليلا ونهارا لخدمة التغيير الجديد.. هرع العديد من رجال الدين الى القصر لتقديم الولاء والطاعة للخليفة الجديد.. فطلب اليهم قاضيا عادلا يعين ككبير للقضاة فتقدم اثنان للوظيفه.. فأمر الخليفة الجديد بقطع رأسيهما.. وعندما طلب ان يتقدم من يجد في نفسه ثقة لم يتقدم أحد.. فقام الخليفة بتعيين واحد من الجمع فأمن جمع رجال الدين على حسن اختيار الخليفه. جلس الخليفة العابد الى نفسه بعض الوقت وقال لنفسه : اصبحت بغداد مختلفة.. فان صلحت بغداد صلحت ارض السواد كلها.. غدا الانكشارية يعملون بامرة قائدهم الجديد.. والقائد الجديد يعمل بامرتي.. قائد الشرطة والعسس القديم قطعت رأسه لانه فاسد ومفسد.. وقد عينت نائبه فاصبح العوبة في يدي.. أما ما قد يأتي هذه الليلة فهو القول الفصل..

جلس ( الخليفتان ) في الليل واستدعى الخليفة العابد رئيس الشرطة والمتصرف بالانكشارية وقال لهما.. قد قررت ارسال بعثة تأديبية للعدو الذي يغير على الثغور.. وقررت ارسال احدكما على رأس القوة.. فمن سيذهب منكما ؟ قال الاثنان معا.. أنا يا مولاي.. قال الخليفه.. انه أمر محير.. فكلاكما رجل قوي وسمعتكما باسم الله ما شاء الله جيدة وطيبه.. اريدكما ان تقتتلا امامنا حتى الموت.. فمن عاش فهو قائد الحمله.. ومن مات دفنت جثته باحترام وتقدير..

سحب كل منهما سيفه وطعن الاخر.. وعندما تمددا سويا على البساط ونزفت دماءهما قال الخليفة العابد للخليفة غير الراشد.. لقد انتهت مهمتي يا مولاي.. ها قد مضى شهر على وجودي في هذا القصر.. ولقد رتبت لك الاوضاع كما ترغب.. اريد منك فقط ان تعفيني من مهمتي.. قال الخليفة الاصلي : لكن الوقت لم يأزف بعد.. بقي لك شهر آخر.. قال العابد.. يا مولاي.. الحكم مفسدة.. فلو اني بقيت هنا لشهر آخر فلا اضمن نفسي ان انحرف.. لذا فاني اتركها لك وقم انت بترتيبها كما ينبغي لك كخليفة.. ولا تحد عن الطريق الذي رسمته لك.. ثم قاما من فورهما خلف الستارة واستبدلا ملابسهما فعاد العابد عابدا والخليفة خليفة.. وظل الامر على حسنه حتى جاء هولاكو.. فاذا بغداد خرابا.. واذا فلسطين محتله.. واذا افغانستان امارة تعج بالمارينز.. واذا الملوك نساء والنساء ملكات.. واذا السبع قد تحول الى هر والنمر الى ارنب والقواد الى شريف.. أما ما دون ذلك فقد نبتت في الارض سجون جديدة تتسع لكل هذا الوطن الذي يسمونه عربيا..

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة