وما أدراكَ ما إدراكُ الشاعر

فن وثقافة (:::)
فيصل أكرم – شاعر من السعودية
ليس الضعف والقوّة، ولا الحزن والفرح، ولا التعاسة والسعادة أعني.. إنما (الإدراك) بما تشكله هذه الحالات في تكوين شاعر قد يكون عادياً إذا كانت محصلته من تجاربه مع تلك الحالات عادية، وقد يكون استثنائياً (والاستثنائيّ فقط يستحق صفة الشاعر الحقيقي) حين تكون أقدار حياته كلها استثنائية.. ولو تأملنا مداركنا جيداً، بتمعّن كبير في حواسنا الاعتيادية، سنسلّم بأن تجاربنا هي مداركنا، وإدراك أيّ شيء في الكون يختلف باختلاف تجربة المدرك. وهذا يجعل من الشعر والموسيقى والرسم ثلاث آيات للإدراك الإنساني، لا يمكن الاصطلاح على ماهيّتها أو تقييمها مهما بلغنا من إدراكها؛ لأن هذه الفنون – دون غيرها – استطاعت عبر العصور البشرية أن تحفظ أبعاد الإدراك وتنقلها من ذات إنسانية إلى عموم ناس، كلما أدركوها أدركوا بأن ثمة تجربة إبداعية تدركهم بأبعادها.
التجارب تصنع الذاكرة، كما أن الأحلام تصنع الخيال. وقبل الشروع في الكلام عن الذاكرة والإدراك، أو ذاكرة التجربة الباهظة وتشكيلها للإدراك الشاعر – وهو ما يهمني الآن، بمنأى عن مجانية الخيال! – سأنقل رأياً للشاعر الفرنسي سان جون بيرس (1887 – 1975) وهو الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1960 يقول:
(لا أدري بأي قوة ممكن أن نكتشف الإدراك، إذ أن الإدراك بداية فحسب، وبالتالي يكون في حالة تبدل، ولا يحدث في وقت محدد ويحتل أيَّ فاصلة زمنية. بالإضافة إلى ذلك، كل الملكات الإدراكية التي نعرفها علائقية بالضرورة، وبالتالي جميع ما تفرزه هو علاقات فحسب. غير أن إدراك أية علاقة يكون مشروطاً بإدراكات سابقة. لا يمكن اكتناه أي إدراك ليس مشروطاً بإدراك سابق. إذ، أوّلاً، لا يمكن له أن يوجد لأنه غير قابل للإدراك، وثانياُ، لأن الإدراك يمكن له أن يوجد فقط بالقياس للمدى الذي يكون فيه معروفاً).
في كتابه (خريطة للقراءة الضالة – ترجمة عابد إسماعيل) يعلّق الناقد الأمريكي هارولد بلوم على هذا الكلام، فيقول:
(إذا حاولنا ترجمة استبصارات بيرس إلى مصطلحات أدبية محضة وأبقينا على نظرته للغة كإشكالية – أو القسم الأعظم منها، والقسم الآخر هو الزمن – نستطيع أن نقدم مبدأ أساسياً للنقد التضادي. جميع التأويلات تعتمد على علاقة تضادية بين المعاني، وليس على العلاقة المفترضة بين النص ومعناه، إذا لم يتدخل معنى لـ “القراءة” بين النص وبينك، فإنك تبدأ – رغماً عنك – بجعل النص يقرأ نفسه. تجد نفسك مجبراً على التعامل معه كتأويل لنفسه، ولكن هذا يقودك براغماتياً إلى الكشف عن العلاقة بين معناه ومعنى نصوص أخرى. وبما أن لغة الشاعر هي موقفه وعلاقته بلغة الشعر، فإنك تقيّم موقفه ضمن سياق موقفه من سلفه. هذا التقييم يمثل ذروة لعب الانزياحات، الاستعارات والدفاعات، الصور والطروحات، المشاعر والأفكار، وجميعها تؤلف معركة كل شاعر يحاول أن ينجز انقلاباً يتحول على إثره التأخر إلى قوة وليس إلى ضعف).
وبعد، فأقول: هي مشكلة النقاد في كل زمان ومكان، يأتون إلى التجارب الحقيقية الأصيلة بتنظيرات تأويلية متداولة، فيخرجون مصادر الإدراك عن طبيعتها كمصادر ويحيلونها إلى حالهم في الأخذ والتركيب من أجل بناء يصطف إلى جانب بناء. الشاعر سان جون بيرس، برأيي، قال ما يمكن قوله – إنسانياً – في مسألة (الإدراك)، وهو يقصد خصوصية إدراك الشاعر لكل تجاربه مع الكون؛ بينما الناقد هارولد بلوم فسّر قوله بما لا ينطبق إلا على النقاد من بحث واستنباطات ومقاربات ومناظرات. تلك هي المسافة التي تتسع جيلاً بعد جيل بين الشاعر الحقيقي والنقاد. ربما الشاعر يطرب لبعض كتاباتهم وربما يصدّقها ويؤمن بها ويفاخر بها لأنها تمنحه (قوّة) على مجاراة غيره من شعراء العصور واللغات المختلفة، وهو لم يكن يتقصّد تلك المجاراة أساساً؛ غير أنه بذلك يقع في خطأ المغالطة، إذ هو يغالط نفسه أوّلاً ثم يغالط القرّاء الذين تلقوا إدراكه الصافي شعراً بموافقته على تنظيرات نقاد تسلب منه قوّة ضعفه وتجعلها محاولة لتحويل الضعف إلى قوة.. كما تفعل بفرحه في حزنه وسعادته في تعاسته واطمئنانه في قلقه.. كل ذلك بمنأى عن استيعاب النقاد لفارق بسيط هو أنهم ليسوا بشعراء. غير أن كثرة تنظيراتهم وتحليلاتهم ودراساتهم في ماهيّة الشعر والشاعر ومحاولة إيجاد نقاط للاصطلاح عليها تكشف وتقنن وتقولب التماهي الإعجازي بين الشاعر وعصره.. الشاعر ولغته.. الشاعر وتجربته الخاصة.. الخاصة جداً؛ هي الفاعلة إيجاباً في نمو حركة النقد وتضاؤل حركة الشعر سلباً. ومن أجل ذلك أقول مراراً: الناقد يضرّ بالشاعر دائماً، حتى وإن أحال ضعفه الأزليّ إلى قوّة مستحدثة، وحزنه العميق إلى فرح سطحيّ، وتعاسته المقدّرة إلى سعادة مبتذلة؛ ذلك لأنه ببساطة: يغالط فيه موهبة الإدراك!
أما الفنون الأخرى – كالموسيقى والرسم تحديداً، وربما الرقص أيضاً! – فلا ضرر عليها من تنظيرات ومقاربات أيّ ناقد يستخدم لغة الكتابة والكلام في نقد وتأويل ما هو ليس بكتابة ولا كلام. لذلك يبقى ضرر الناقد منصباً على الشاعر وحده، لأنه يراوده ويراوغه ومن ثم يغالطه – عن جهل ودهاء – بحروف الأبجدية المحدودة بالتطابق في التركيب والانسياق المشاع، بينما يتمادى بها التباينُ في تشكيل المعاني الناجمة عن خصوصية الإدراك لدى ذاتٍ أهّلتها الموهبةُ وهيّأتها التجاربُ للإبداع.
ـــــــــــــــــــــــــ
[email protected]
الرياض

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة