Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Reddit

مصر الكنانة

فن وثقافة (:::)
د. محمد الحريري (:::)
تُسمى مصر عند أهلها ” أم الدنيا ” ، وورد في الأثــر الشريف عنها ،  ” مصر كنانة الله في أرضـه ” ….
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذا الأثـر  : هذا مأثور لكن ما أعرف إسناده . ( أحاديث القصاص|87) .
ويقول بدر الدين الزركشي رحمه الله ، في التذكرة( 191) : لم أجدْهُ .
وقال السخاوي رحمه الله في المقاصد الحسنة (609) : لم أره بهذا اللفظ ، وأنكره السيوطي في الدرر\17 وقال الكرمي مثله .
وعدّه الألباني من المعاصرين في الضعيفة ( رقم 888 ) .
والكنانة ( من الجذر الثلاثي : ك ن ن ) هي الجعبة الصغيرة من الجلد لحفظ النبل والسهام ، فكأن هذا الأثر يشبِّه مصرَ بكنانة السهام التي يصيب الله تعالى بها الطغاة والظالمين والمتجبرين ، فيرميهم بأهلها الذين هم جند الله ، ولذلك جاء في بعض الكتب تكملة الأثر السابق بقولهم : ( ما طلبها عدو إلا أهلكه الله  تعالى ) .
وأضيف هنا الكنان والكنانة بمعنى الغطاء الساتر ، وكِـنـان : ( اسم علم يطلق على الذكور عند العرب ) .
الجمع : أكِنَّةٌ ، والكنانُ : الغِطاء  .

الكنانُ : كلُّ شيء يقي شيئًا يستره { وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ } سورة الانعام \ 25 : أي جعلنا على قلوبهم أغطية ؛ لئلاّ يفهموا القرآنَ { وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ } سورة فصِّلت \ 5 .
وقد ورد نحو هذا الأثر في بلاد الشام أيضاً :
يقول الملا علي القاري ( الآسرار المرفوعة في الحاديث الموضوعة \319 ) :
وقد ورد لفظ الكنانة في الشام ، أخرجه ابن عساكر عن عون بن عبد الله بن عتبة قال : قرأت فيما أُنـزل الله على بعض الأنبيـــاء أنَّ الله يقـول : ” الشام كنانتي ، فإذا غضبْتُ على قومٍ رميتُهم منها بسهم ” . وقال القاري معلِّقا : الحديث مبناه موضوع ، وإن كان صحيحاً عندنا في معناه .
وورد أيضا الحديث المشهور في اليمن والشام معا : ” بارك الله في شآمنا ويمننا ” ، والمراد به ما على يمين البيت الحرام وما على شماله ،
وقد صح في فضائل مصر حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا ، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا )
قَالَ : فَمَرَّ بِرَبِيعَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَيْ شُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ يَتَنَازَعَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجَ مِنْهَا .
رواه مسلم  في الصحيح ) برقم/2543)
قال النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم ( 16 \ 97 ) : و
. بل ولا يزالون .” قال العلماء : القيراط جزء من أجزاء الدينار والدرهم وغيرهما ، وكان أهل مصر يكثرون من استعماله والتكلم به
وأما الذمة : فهي الحرمة والحق والعهد ، وهي هنا بمعنى الذمام
وأما الرحم : فلكون سيدتنا هاجر أم إسماعيل من مصــر ،
وأما الصهر : فلكون السيدة مارية القبطية ، أم إبراهيم منهم ، ( ونقصد إبراهيم بن سيدنا محمد عليهما السلام ، وقد مات رضيعا ) .
وقال المناوي رحمه الله في شرح الحديث السالف ( فيض القدير 1 \523 – 524 ) :
أي : اطلبوا الوصية من أنفسكم بإتيان أهلها خيراً ، أو معناه : اقبلوا وصيتي فيهم ، يقال أوصيته فاستوصى أي قبل الوصية ، يعني : إذا استوليتم عليهم ، وتمكنتم منهم ، فأحسنوا إليهم ، وقابلوهم بالعفو عما تنكرون ، ولا يحمِلَـنَّـكم سوءُ أفعالهم وقبح أقوالهم على الإساءة إليهم ، فالخطاب للولاة من الأمراء والقضاة الذين يباشرون وظائفهم بمصر .
ونقول : ( فإن لهم ذمة ) ذماماً وعهدا وأماناً من جهة إبراهيم بن المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فإن أمه مارية منهم ، وهم أخواله ، والعرب تقول : ابن بنت القوم منهم  ..
و( رَحِـمـاً ) بفتح فكسر : قرابة ، لأن السيدة هاجر أم إسماعيل منهم  ، عليها وعليه السلام .
وقد جاء في كتاب (مصر في القرآن الكريم) أن مصر تعني البلد المتمدّن والمتحضر عموما ، قال :
جاءت كلمة ( مصر ) في القرآن الكريم في خمسة مواضع هي
” وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتا ” \ يونس87 ”
و ” وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ..” \ يوسف21 ”
و” وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ “\ يوسف99  .
و” وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ..” \ 51 الزخرف .
وفي قوله تعالي في قصة موسـى عليه السلام قال : ” اهْبِطُوا مِصْرًا..” \ سورة البقرة 61 .

وواضح أن كلمة ” مصر” قد وردت في سياق قصتي يوسف وموسى إلا أن الأمر الذي يستدعي إيضاحا هو قوله تعالي علي لسان موسي لقومه . ” اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ..” الآية 61 من سورة البقرة . ( وردت ” مصراً” منونة واسم العلم لا ينوَّن ، بل التنوين للنكرة ) !
فكلمة ” مصر” هنا لا تدل علي مصر الوطن وإنما تعني المدينة المتحضرة أي مدينة متحضرة في أي مكان . ودليلنا أن كلمة ” مصر” في الآية جاءت مفعولاً به منصوباً وهي منونة ” مصرا ” أي ليست ممنوعة من الصرف كما أوردا آنفاً ، وفي موضع آخر يقول تعالى علي لسان يوسف ” وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ …” الآية99 من سورة يوسف ،  فجاءت الكلمة هنا ” مصر ” تدل على الوطن المعروف والمسمى حاليا بجمهورية مصر العربية ، وهي مفعول به أيضا ومنصوب ولكن بدون تنوين لأنها ممنوعة من الصرف حيث تدل علي( مصر) الوطن المشهور .
وهذه التفرقة اللغوية الدقيقة بين كلمة ” مصر” في الآيتين توضح لنا أن كلمة “مصر” لها معنيان :
الأول معني الوطن الذي يعيش فيه المصريون ،
وهذا هو المعني الذي ورد في القرآن الكريم ، ممنوعا من الصرف أي بدون تنوين ، وذلك في أربعة مواضع  .
الثاني معني المدينة المتحضرة ، والتاريخ يشهد بحضارة مصر وعراقتها من أقدم العصور .
وفي القاموس في معاني كلمة مصر : ” مصَّـرُوا المكانَ تَمْصيراً جعلوه مصرا فتمصر ” ومصر أي المدينة التي تتميز عما حولها من بوادي. ونفهم ذلك من قولهم عن عمر بن الخطاب أنه الذي ” مصر الأمصار ” أي ” أنشأ الأمصار” أو أنه بعث العمال أو الولاة علي “الأمصار” أي الولايات . وقد أطلقوا علي الكوفة والبصرة لقب “المصران” مثني ” مصر” . وقد بدأ التمدن في العالم ببناء المدن في مصر لذا نحتت اللغة العربية كلمة مصر” لتدل بها علي قيام الدولة أو المدينة المتحضرة التي تحيط بها البوادي .
وفي قصة يوسف قوله لإخوته وهو في سلطانه في مصر ” وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ….” سورة يوسف 100\ ، إذ كان ما شرق مصر في ذلك الوقت رعويا بدويا ، فمتنّ عليهم بإخراجهم من البدو إلى مصر المتمدنـة .
و موسـى عليه السلام حين قال لقومه : “اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ” البقرة\61 ، تفيد أي مدينة ذات حضارة وحياة مدنية ( غير بدوية ) ولا تدل على جمهورية مصر على وجه الخصوص  . وختاما أقدم  إلى مصر هذه الأبيات  هديّة مني عربون محبة ووفــاء :
مصر التي في خاطري ملءُ فمـي = = = وأريـجُ أفكاري ، ولـمـع ُ الأنْـجُــمِ
مصر الكنانةُ والحضارة تزدهــي = = = في كلِّ شـبرٍ مِنْ ثـراك ،ومَـعْلَـــــمِ
أنا إنْ هذيْتُ بحبِّـهــــا لي حـجّــةٌ = = = فالنيلُ والتاريـخُ يسـري في دَمـي
خـوفو ، أبو الهولِ العتيدُ وسنبلٌ = = = والكرنك ُ الزاهي نقوشُ لمعصَمي
ولقد نهلتُ من الميــاهِ زلالهـــــا = = = لم تـرْتـوِ إلا بـنـيـلـكِ أعْـظـمـــــي
وعـلـلْـتُ بعد النهل ماء ســلافةٍ  = = = لكنَّ تحنــاني لِـنَـهْـــرٍ مُـلْـهـمــي
أكرِمْ به من نهـر خـيـرٍ ، ذِكْـــرُهُ = = =  قد جاء يُتْـلى في الكتاب المحكـم
يا مصـرُ يا بلداً كنانة أرضِـهـــا = = = أصهار ُ بيت محمّدٍ مع “بـرهـــم ”
أوصى الحبيبُ بأهلهــا خيراً وما= = = فَـرَكَ الكنانــةَ غيرُ بـاغٍ أســـخَـمِ
هي أمُّ ما في الكونِ من علمٍ، لها = = = في الخافـقَـيْـن تلألــؤَ المحـتَكِــمِ
ونسـاءُ مِصْـرَ فُـقْـنَ علماً وارفـاً = = = والأزهـر المعطـاء فخرُ المسـلِم

هُـنَّ امـتـدادٌ في عـلوم نفـيـســةٍ = = = شهدتْ بذلك ( زينباتُ مُقَطَّـــم ِ)

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة