رحيل المناضل ( ابو زيد ) درة النضال الفلسطيني

التصنيف : فلسطين (:::)
بقلم : بكر السباتين * (:::)
فقدت القضية الفلسطينية أحد كبار قادتها.. المناضل يوسف حسن هديب ( أبو زيد) الذي وافته المنية على أثر صراع دام أربع سنوات مع المرض العضال  في عمان بتاريخ 23 ديسمبر 2014 .
ويعتبر الراحل الكبير من القادة الرواد الكبار في العمل الوطني والنضال الفلسطيني منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية وتداعيات النضال في كافة الصعد حتى الرمق الأخير.

ولد أبو زيد من رحم المعاناة الفلسطينية منذ باكورة اغتصاب فلسطين، عام 1948 حينما سقطت ببراثن العصابات الصهيونية (الأرغون وشتيرن) بتغطية لوجستية من قبل حكومة الانتداب البريطاني.
وينتمي أبو زيد لقرية الدوايمة التي تم احتلالها عام النكبة بعد قيام العصابات الصهيونية الغاشمة بتطهيرها عرقياً ومحاولة إبادة أهلها في مجرة بشعة كبيرة، راح ضحيتها المئات، بعد مقاومة شعبية استمرت حتى بعد لجوء أهل القرية إلى المنافي، ليستقر بهم الحال مع بقية الشعب الفلسطيني المضطهد في مخيمات الشتات، ومنها  أريحا، حيث بدأت الثورة تتبرعم في رؤوس الفتيان والشباب والمثقفين التي ضجت فيها الأسئلة المبهمة، وتحولت طاقات الشباب إلى همم تصاعدت وتائرها باتجاه التحرر من نير الاحتلال البغيض، الذي أخذ يتمدد مدفوعاً بغطرسته؛  ليحصل على مكتسبات جديدة بعد هدنة عام 48 ،حينما كبلت إرادة القتال لدى الجيوش العربية.

كان المخاض عسيراً في ظروف التشرد والإحساس بالذل والعار الناجمين عن الغبن الذي تعرض له اللاجئ الفلسطيني في سياق النكبة حينما سلبت منه أرضه وانتهكت عنوة في وضح النهار وعلى رؤوس الأشهاد.. والتي تمثل بالنسبة له عنوان وجوده كإنسان؛ لكن صرخة ذلك الوليد (أبو زيد) التي أطلقها أثناء خروجه إلى الحياة ما لبثت تدوي وتكيد العدى!! إذ ولد المناضل الفقيد في أريحا أثناء تداعيات النكبة عام ثمانية وأربعين، كان ذلك في باكورة قيام المخيمات التي انتشرت فيها الخيام المثبتة بالأوتاد؛ على أمل العودة المظفرة إلى الديار السليبة، فترعرع المناضل في ظروف مخاض المقاومة التي ضجت في عمقها أسئلة تتعلق بحق العودة والمقاومة حتى التحرير..  ليتصدى لها بالإجابة فتيان حملوا على عواتقهم الهم الفلسطيني، وقد انفتحوا على ذاكرة تضج بالمآسي، وتحفل بمفردات الظلم وقسوة المحتل، ومنهم (أبو زيد) الذي كان يتمتع منذ صغره بالقدرة على التأثير وهو يشرح لأقرانه كيفية مقاومة المحتل بالانضمام إلى صفوف الثورة الفلسطينية التي تفجرت في منتصف القرن المنصرم وخاصة بعد عام النكسة 1967م، التي أتى فيها العدو الصهيوني على ما تبقى من فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة )؛ ليلتحق -على أثر ذلك-  بحركة التحرير الفلسطينية ( فتح)، عام ( 1968) بعد أن أنهى دراسته الثانوية، حيث عمل في قطاع الجولان السوري المحتل، فأبدى قدرة فذة على مقارعة العدو المغتصب، تجلت في تمتعه بطاقة وحيوية لافتتين سواء كان ذلك في إدارة الكوادر والمجاميع أثناء العمليات أو بتلقي التعليمات خلف متاريس القتال؛ لذلك اكتسب ثقة قادته في الميدان، فحل خياراً أمثلاً بالنسبة لهم؛ حينما انتقلت منظمة التحرير الفلسطينية إلى الساحة اللبنانية مروراً بأحداث أيلول في الأردن، ورفعت بشأنه التقارير التي زكته كي يتقدم الصفوف لقيادة القتال على محك الحدود بين لبنان وفلسطين، وعين حينئذْ قائداً للمليشيا في المنطقة الجنوبية من بيروت التي كانت يتمثل ثقلها الفلسطيني في المخيمات كصبرا وشاتيلا، إلى جوار الزخم اللبناني الشيعي الذي كان مهيئاً لمقارعة الكيان الإسرائيلي المتربص بلبنان طمعا في الليطاني.
و(أبو زيد) كان من أولئك القادة التوفيقيين الذين يحسنون القيادة في ظل الاختلافات الأيدلوجية والطائفية مثلما كانت عليه الساحة  اللبنانية الفسيفسائية، التي قادت فيها منظمة التحرير الفلسطينية، القواتِ المشتركة، التي كانت تضم إلى جانب الفصائل الفلسطينية، اليسارَ اللبناني كحركتي أمل والتقدمي الاشتراكي اللبناني. ثم انتقل (أبو زيد) للعمل في طرابلس شمال لبنان، وعاد بعد ذلك ليتبوأ منصب  أمين سر المنطقة الغربية وقائداً لقوات المليشيا هناك بموجي التقارير التي تشهد على كفاءته القيادية وحكمته في إدارة الشؤون المتعلقة بالكوادر والمجاميع عند المفاصل وفي الأزمات، بإجماع رفاقه في النضال، إذْ تعززت خبراته القيادية من خلال اجتيازه عدة دورات عسكرية، منها دورة الكوادر العسكرية في الجزائر ومن ثم دورة قادة كتائب في الاتحاد السوفيتي سابقاً، وكذلك دورات إدارية وأمنية وشرطية عديدة.

في عام 1981م شارك في قيادة المليشيات الفلسطينية والوطنية اللبنانية تحت مظلة القوات الفلسطينية اللبنانية المشتركة؛ في التصدي الأسطوري المشهود للقوات الإسرائيلية خلال محاولتها الفاشلة الأولى لاجتياح الأراضي اللبنانية،  وعلى أثر الصمود الفلسطيني الأسطوري؛  طلبت “إسرائيل” رسمياً وقف إطلاق النار بوساطة المبعوث الأمريكي فيليب حبيب.

لكن الجيس الإسرائيلي أعاد الكرة من جديد عام 1982، واجتاح بقواته الضخمة قلعة الشقيف والجنوب اللبناني وصولاً إلى مشارف بيروت. كانت المتاريس تقاوم حول المدينة المنكوبة..والقوات الفلسطينية اللبنانية المشتركة تنتظر التعليمات من قائدها العام الشهيد ياسر عرفات.. و( أبو زيد) يتفقد كأحد أهم القادة الميدانيين للمليشيات، المتاريس المقامة في مداخل مدينة بيروت المحاصرة، حيث تصدى مع إخوانه المقاتلين للهجمة العسكرية الإسرائيلية الشرسة وصمد معهم مدة 88 يوماً ذاقوا خلالها حلاوة الموت من أجل الكرامة والدفاع عن أرض لبنان التي ارتوت بالدم الفلسطيني واللبناني في إطار معركة الدفاع عن لبنان كخطوة للأمام نحو تحرير فلسطين.

وأدرك (أبو زيد) بأن المؤامرة على القضية الفلسطينية أشد وطيساً مما كان يعتقد وخاصة بعد حصول مذبحة صبرا وشتيلا التي راح ضحيتها الآلاف، واتهم فيها اليمين اللبناني وتحديدا (إلي حبيقة) في إطار خطة إسرائيلية إجرامية مبيتة ضد الشعب الفلسطيني من أجل حرب إبادة قذرة خلافاً لكل الأعراف الإنسانية والقوانين الدولية؛  فشارك ( أبو زيد) في معارك الدفاع المستميت عن الثورة الفلسطينية وعن القرار الوطني المستقل في البقاع حينما دخلت الثورة الفلسطينية مأزق السطوة السورية على الملف الفلسطيني. في هذه الأثناء كان ( أبو زيد) يغادر بيروت في إطار صفقة رعاها الوسيط الأمريكي فيليب حبيب لوقف إطلاق النار بين الفلسطينيين المحاصرين في بيروت والقوات الإسرائيلية الغازية وذلك في أوغسطس 1982 تحت رعاية الأمم المتحدة والتي قضت بخروج المقاومة الفلسطينية إلى قبرص ومن ثم تونس على أن توفر الحماية لمخيمات الفلسطينيين التي أمست مكشوفة أمام  الهمجية الإسرائيلية وحلفائها في لبنان الجريح والنتيجة كانت ذبح الفلسطينيين في مخيماتهم المنتهكة.

عمل ( أبو زيد) في الساحة الأردنية كمسئول للإدارة المالية لفترة من الزمن عام 1984 – 1985م في هذه الأثناء كانت حرب المخيمات في لبنان مستعرة حيث انقلب فيها شركاء الأمس مثل حركة أمل على مخيمات الفلسطينيين جنوب بيروت! ما يعني أن الساحة اللبنانية باتت محروقة الأرض بالنسبة للفلسطينيين.. وباتت منغلقة في وجه البندقية الفلسطينية في إطار التآمر على خيار الكفاح المسلح باللجوء إلى خيارات بديلة أشغلت وقت السياسيين في الإعداد لها وفق المستجدات التي رزح فيها القرار الفلسطيني لضغوطات دولية لا تحتمل؛وكان على القيادة الفلسطينية إعادة هيكلة الوجود الفلسطيني السياسي في الأردن، على اعتباره الحاضن لأكبر عدد من اللاجئين الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الأردنية، ويشاركون بفاعلية في التنمية الأردنية المستدامة، إضافة، لخصوصية علاقة الأردن بالضفة الغربية حتى بعد فك الارتباط الإداري والقانوني بينهما؛ وكان (أبو زيد) ينسق في ترتيب المقاومة الفلسطينية في القطاع الغربي المتمثل بالضفة الغربية، تحت قيادة، الشهيد خليل الوزير ( أبو جهاد)، حتى انفجار انتفاضة الحجارة ميدانياً عام 1986م .

وكان من نتائج هذه الانتفاضة إنهاك الكيان الإسرائيلي اقتصادياً وعسكرياً، والتسبب بحرج عالمي اضر بعلاقاته السياسية مع دول العالم، مما اضطره للقبول بالتفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية، والتي كانت بدورها في أمس الحاجة لأي ذريعة من اجل العودة إلى الأراضي الفلسطينية والتخلص من الضغوط الاقتصادية والسياسية والعجز العسكري الذي أصبحت فيه؛ بسبب بعدها عن الوطن، وقطع أغلب الدول العربية لمصادر تمويلها. وكان (أبو زيد) على محك الأزمة المالية الخانقة التي تعرضت لها منظمة التحرير كمسئول للإدارة المالية في الساحة الأردنية في زمن الذروة حتى عام 1986م، فأبرمت اتفاقية (أوسلو) عام 1993م التي نجم عنها إقامة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، كجزء من المستحقات الفلسطينية في طريق الحل النهائي (الذي كما يبدو أقفلت عليه الأبواب إلى الأبد).

عاد (أبو زيد) إلى أرض الوطن بعد اتفاق اوسلو  وتحديداً في شهر نوفمبر عام 1994م حيث عين في جهاز الشرطة الفلسطينية؛ لذلك وضع على محك النضال من جديد حينما دافع عن المنتفضين الفلسطينيين بروح المسؤولية وبعقلية الأب الحاني عام 2000م حينما دنست أقدام شارون أرض المسجد الأقصى الطاهرة.. فانطلقت الانتفاضة الشعبية العارمة (انتفاضة الأقصى).. وشهد (أبو زيد) ما جرى وفق تداعياتها المزرية! مدافعاً عن حقوق الفلسطينيين  في إطار معركة القائد العام الذي أحبه (أبو زيد) طوال حياته، الشهيد الرمز( عرفات) الذي حوصر حينذاك في المقاطعة بعد اجتياح مخيم جنين! ومحاصرة بعض رجال المقاومة في كنيسة المهد؛ ثم التداعيات التي تلت كل ذلك باغتيال الشهيد ياسر عرفات من قبل المخابرات الإسرائيلية بالسم وبتواطؤ بعض العملاء.
ولكن ما كان يقض مضجع الراحل أبو زيد دائماً، هو الاستيطان الإسرائيلي وابتلاع الأرض الفلسطينية خلافاً لاتفاقية أوسلو، إضافة للخلاف الفلسطيني الداخلي الذي أضر بالقضية الفلسطينية.

هذا هو المناضل اللواء أبو زيد الذي عمل بعد عودته إلى الضفة الغربية نائباً لمدير شرطة محافظة الخليل ومن ثم عين مديراً عاماً لشرطة محافظة بيت لحم، وبعدها نقل وعين مديراً عاماً لشرطة الضواحي (القدس) حتى تاريخ إحالته للتقاعد العام بتاريخ 9/يناير/2008م.

لقد ترجل الفارس عن جواده الأصيل.. لكن الذاكرة الفلسطينية حافلة بأمجاده.. إذْ سيندرج في قائمة النضال والشرف من أجل الحقوق الفلسطينية.. في قافلة الأبطال الصناديد الذين بذلوا حياتهم رخيصة من أجل فلسطين الأبية التي بات ينتهكها القريب قبل الغريب.

__________________________________________________

*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة