ميسون أسدي تحمّل توت الأرض همومها الذاتيّة والجمعية (1)

اصدارات ونقد (:::)
بقلم : محمد هيبي – فلسطين المحتله (:::)
لا يُولد الإنسان كاتبا بالفطرة، ولكنّه بالفطرة يولد محبّا للحياة وعاشقا للحرية. لذلك، فور خروجه إلى هذا العالم، يصرخ صرخته الأولى رفضا للقيد واحتفاء بالحرية. والكتابة بشكل عام، هي وسيلة من وسائل التعبير عن الحرية. فما بالك عندما لا يبقى للإنسان غيرها؟! الكاتبة ميسون أسدي، بدأت مشوارها الأدبي بكتابة القصة القصيرة، لجأت إلى كتابة الرواية، لأنّها على ما يبدو من حيث المضمون، تريد للصرخة أن تكون مدوية بحيث تُسمع من بهم صمم، أمّا من حيث الشكل، يظهر أنّها أدركت أيضا أنّ قضايا مجتمع الأقلية العربية في إسرائيل، فيها من التعقيد أكثر من أن تتسع له قصة أو مجموعة قصص قصيرة. كما يظهر أنّها أدركت أنّ الرواية هي الجنس الأدبي الوحيد، الذي يلائم ذلك التعقيد. ورغم ذلك، وكما يظهر من روايتها، أرى أنّ الانتقال جاء مبكّرا، إن لم يكن متسرّعا، إذ لا أرى فرقا ملموسا بين ما قدّمته الأسدي في قصصها القصيرة، وما تقدّمه في روايتها، سوى حجم الدفقة أو الدفقات التي حاولت الكاتبة التحرّر منها مرة واحدة. فقد ظلّت الكاتبة تفتقر إلى حذق الصنعة الذي تعاني منه حتى في كثير من قصصها القصيرة التي لم تنضج بعدُ من حيث الشكل الفنّي بما فيه الكفاية. من هنا، جاءت الرواية حافلة بالسّقطات البنائية واللغوية بحيث لا يشفع للكاتبة كون “مثلث توت الأرض” هي عملها الروائي الأول.
النقد الأدبي مهمته أن يُعالج النص الأدبي ويبرز ما قدّمه الكاتب في نصّه سلبا أو إيجابا. ولذا، جدير بالذكر هنا أنّ النقد والتحليل هو للنص وشخصياته وأحداثه وليس للكاتب، ولكنّ الكاتب يُحاكَم من خلال معالجة نصّه ونقده وتحليله، أي في إطاره وليس بمعزل عنه: أين أبدع، وأين تعثّر إبداعه؟ لأنّ النص الروائي الذي كتبته ونشرته ميسون أسدي، كغيره من النصوص، أصبح بالنسبة لها نصّا مغلقا لا تملك له تغييرا بعدما طرحته بين أيدي القراء الذين بالنسبة لهم يظلّ النصّ مفتوحا إلى ما شاء الله. رواية “مثلث توت الأرض”، رغم ما فيها من أخطاء أسلوبية ولغوية، جاءت تعبيرا مضطربا، صادقا في كثير من جوانبه، فيه إبداع لواقع مضطرب، تبدو الحياة في ظاهره بسيطة بساطة أسلوب الكاتبة، ولكن في باطنه، تعتمل وتتضارب صراعات وتناقضات تفرض على السطح أقنعة مزيّفة، لامس النص الكثير منها وأسقطه.
الشكل الفنّي واللغة
يبدو أنّ المخزون المتراكم لدى الكاتبة تفجّر قبل نضوج قدرتها على بناء حبكة روائية متينة. لذا، جاءت أحداث الرواية في أكثر من موضع، تفتقر للترابط السببي والزمني. الرواية عادة تطرح أسئلة وليس مطلوبا منها أن تُقدّم أجوبة. لذلك، لا ينتقص من “مثلث توت الأرض” أن يظلّ سؤالها مفتوحا: ما الذي دفع بالبطلة إلى تلك الحالة النفسية التي وقعت فيها: هل هي الوراثة؟ فالبطلة تُؤكّد في أكثر من موقع أنّ معظم أفراد عائلتها مرّوا بحالات مشابهة؟ هل هو مقتل ابنة عمّها الذي يُحيل إلى ظلم المرأة في المجتمع الذكوري وسهولة ممارسته وتقبّله لقمعها؟ هل هو الحرمان العاطفي وعدم الزواج؟ هل هي السياسة العنصرية وممارسات الظلم والقمع التي تُمارسها السلطة في إسرائيل بحقّ الإنسان العربي؟ أم أنّ السبب هو كل ذلك مجتمعا؟
أمّا لغة الرواية، فقد جاءت مباشِرة تُعاني من الضعف والترهّل والتقعّر في أكثر من موضع، بحيث لم تُضف الكثير لجمالية الرواية. من المعروف أنّ الموضوع الواحد يمكن أن يطرقه عدد كبير من الكتّاب، فما الذي يبقى للتميّز؟ إنّه بلا شكّ أسلوب البناء، وكذلك اللغة، لغة الكاتب التي هي المادة الخام لذلك البناء.
السرد وتعدّد الأصوات
العنوان، “مثلث توت الأرض”، كعتبة أولى للسرد، عبارة موفّقة فيها الكثير من الإثارة والتشويق، يدفعان باتجاه النص لمعرفة الرابط الذي توحي به لغة الإضافة التي تربط بين مفردات العبارة الثلاثية للعنوان. لفظة “مثلث” تُحيل في ظاهرها إلى منطقة “المثلث”، ولكنّها في عمقها توحي بالتعقيد، فهي إشارة إلى ما في مشكلة البطلة من تعقيد اجتماعي واقتصادي وسياسي، سواء كان ذلك على المستوى الشخصي أو على مستوى المرأة العربية عامة أو مستوى الأقلية العربية في إسرائيل. بينما لفظة “توت” توحي بالشخصي والاجتماعي والاقتصادي: الشخصي يحيل إلى البطلة خاصة والمرأة عامة، فحمرة “توت الأرض” وتماثلها مع حمرة شفتي المرأة، فيها تعبير صارخ عن الأنوثة التي تحيل إلى الشهوة الجنسية، وكثرة حديث البطلة عن علاقاتها الجنسية تشهد بذلك. والاجتماعي يحيل إلى مصدر الرزق كرابط اجتماعي بين أفراد العائلة، أو الاقتصاد كرابط اجتماعي بين أفراد الشعب، والاقتصادي يحيل إلى الزراعة التي ما زالت تشكّل مصدر رزق أساسي في حياة الأقلية العربية في إسرائيل رغم كل تحوّلاتها، بما في ذلك اغتصاب حكومات إسرائيل للأرض. ولفظة “الأرض” تحيل إلى الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، الخاص والعام. الأرض هي الوطن، وهي الهوية والانتماء، وهي مصدر الرزق، وهي المتنازع عليها مع السلطة. تمسّك العربي بها ودفاعه عنها هو دفاع عن الهوية والوجود. العنوان، “مثلث توت الأرض”، قريب لفظا من “مثلث يوم الأرض”، (القرى الثلاث في الجليل: سخنين وعرابة ودير حنا، التي قدّمت في يوم الأرض 1976، الشهداء الذين حرّروا بدمائهم أرض الملّ، أو ما يُعرف بالمنطقة 9). هذا القرب يشي بأنّ الاختيار لم يكن عشوائيا، وإنّما أملاه وعي سياسي واجتماعي لظروف الأقلية العربية ومشاكلها. و”مثلث توت الأرض”، المثلث الجغرافي والديمغرافي العربي في إسرائيل، منطقة “المثلث” التي اشتهرت بزراعة “توت الأرض”، هي أحد أضلاعه، فهي رابط جغرافي بين الجليل والنقب تُشكّل معهما المثلث الديمغرافي العربي الكبير في إسرائيل: الجليل والمثلث والنقب، أي المناطق أو التجمّعات السكانية الثلاث التي يقطنها العرب في إسرائيل، وما زالوا يحافظون فيها على ملكيّتهم الخاصة لجزء من أراضيهم.
اتخذت الكاتبة من تقديم قضيتها للقضاء ضد المجتمع، حاملا للسرد. لم تذكر تقديم القضية ضد دولة إسرائيل، كما فعل المعيد في نهاية الرواية. التصريح بتقديم القضية للقضاء في بداية الرواية وعدم القيام بذلك حتى نهايتها، يشي بأنّ الكاتبة أرادت التعبير عن حاجتنا لإدراك الظلم الذي نُلحقه بأنفسنا، ومقاضاة أنفسنا، أي مقاضاة المجتمع العربي لنفسه أولا. وثانيا، مقاضاة من يُلحِق بنا الظلم، الذي نسكت عنه نتيجة ظلمنا لأنفسنا، أي مقاضاة دولة إسرائيل كما صرّح المعيد بذلك في نهاية الرواية (ص 211).
قسمت الكاتبة روايتها إلى أوراق شبيهة بليالي “ألف ليلة وليلة”، وألحقت بها ملاحظات “المعيد” الذي يلعب دور “شهرزاد” كما سأبيّن لاحقا. كانت أحيانا تُلحق ملاحظات المعيد وتعليقاته في بداية الورقة التالية بدل أن تلحِقها في نهاية الورقة السابقة التي تعود إليها الملاحظات والتعليقات. بالإضافة إلى ذلك هناك الكثير مما يشي باختلال المبنى والتقسيم، خاصة في نهاية الرواية. الورقتان الأخيرتان لم تكونا ضمن الملف. هذا ما يُفهم من الحوار بين “رجاء” والمعيد الذي طلب مقابلتها ليستوضح أمورا لم يفهمها من أوراقها، أو لم تكن مكتوبة فيها. يقول: “أريد أن ألتقي بك فهناك بعض النقاط غير المفهومة” (ص 199). والمفروض أنّ “رجاء” قدّمت له قضية كاملة متكاملة، لأنّها، كما يظهر، كانت تستشعر نهايتها على نحو ما. يُؤكّد ذلك قولها: “عندما تنتهي من قراءة أوراقي فسأكون قد دلفت إلى عالم الظلام” (ص 211)، ودخولها الغيبوبة، كما جاء على لسان الراوي العليم في الصفحتيْن الأخيرتين من الرواية.
“رجاء”، أثناء لقائها بالمعيد، وضّحت له بعض الأمور حول الأمراض النفسية التي يُعاني منها أفراد عائلتها، ما يُؤكّد أنّ كل ما سردته في أوراقها حتى الآن لم يكن كافيا، بدليل أنّه “لم يعقب على ما قالته (في اللقاء) فهذا ما أراد سماعه، وهو غير مدوّن بأوراقها!!!” (ص 207). في اللقاء نفسه، تقصّ عليه حكايتي أختيها: “نهلة” (ص 202)، و”عواطف” (ص 207)، في ورقتين منفصلتين تحملان الرقم (50) و(51)، لم تبرزهما كما اعتادت إبراز الخط في السرد خارج أوراقها المقدّمة للمعيد، فتظهر القصّتان وكأنهما جزء من الملف الذي قدّمته للمعيد في بداية الرواية. وهما، كما ذكرت سابقا، ليستا كذلك، ما يدلّ على أنّ الملف المقدّم للمعيد كان ناقصا. بعد اللقاء يعود المعيد إلى متابعة الأوراق من “حيث توقّف بالأمس متأمّلا أن يجد شيئا يُؤكّد ما سمعه من رجاء ولم تكتبه بعد (أو لم يقرأه بعد)” (ص 208). هذا الكلام يتناقض مع ما سبق أن ذكره المعيد، “هذا ما أراد سماعه، وهو غير مدوّن بأوراقها!!!” (ص 207)، ويُؤكّد أيضا أنّ الأوراق لم تنتهِ، وإلّا فلماذا يطلب المعيد لقاء “رجاء”؟ قد يكون ما أراد معرفته، فيما لم يقرأه بعد! المنطق يقول أنّ المعيد كان يجب أن يُنهي قراءة الملفّ قبل طلب اللقاء أثناء قراءته للورقة رقم (49)، التي من المفروض أنها كانت الأخيرة في الملف المقدّم له. وعندما يعود إلى تلك الورقة، يقرأ فيها حكاية بعنوان “قصورهم هي قبورهم”، لم تحمل رقما، مع أنّها تستحقّ ذلك، فموضوعها بعيد عن موضوع الورقة التي تضمّنتها. وبعد الانتهاء منها “سجّل المعيد ملاحظته … وانتقل إلى الورقة التالية” (ص 209)، ولم تكن هناك ورقة جديدة، وإنّما جزء من الورقة (49)، يحمل العنوان “لا بيت لي!”، ولا يحمل رقما كورقة، مع أنّه جدير بذلك أيضا. يبدو أنّ الكاتبة، في مرحلة من مراحل الكتابة، غاب عن وعيها الفرق بين أوراق الرواية وصفحات الملفّ. بالإضافة إلى ذلك، تعترف الكاتبة، على لسان بطلتها، بوجود أوراق يُمكن إهمالها. تقول في رسالة للمعيد: “يُمكنك إلقاء بعض الوريقات التي لا تهمّك، ثم الانتقال إلى لبّ الموضوع، وهو سقوطي في الهاوية وبلا رحمة” (ص 67). هذه الأوراق التي لا تخدم موضوع الرواية أو قضية بطلتها، لم تزد عن كونها حشوا أصاب الرواية بالترهّل الذي أرهق المعيد والقارئ. في الأوراق الأخيرة أيضا، هناك تداخل غير منطقي في الزمن، سأبيّنه لاحقا.
ومما ينتقص من الرواية شكلا ومضمونا أيضا، أنّ البطلة قدّمت للمعيد ملفا ناقصا لا يصلح لتقديم قضية للقضاء، وذلك باعتراف البطلة أنّ لديها وثائق رسمية تخدم الملف لم تقدّمها للمعيد. تقول للمعيد: “أمّا بالنسبة للوثائق الرسمية المتعلقة بما ستقرأه في الملف فسأجلبها فيما بعد إذا دخلنا في القضية أمام القضاء” (ص 19). هذا الكلام يتضارب ويتناقض مع ما قالته “رجاء” في الورقة (49) التي من المفروض أن تكون الورقة الأخيرة: “عندما تنتهي من قراءة أوراقي فسأكون قد دلفت إلى عالم الظلام” (ص 211). هل يُقدّم للقضاء ملف بدون وثائق رسمية؟ وكيف سيحصل المعيد على تلك الوثائق الرسمية وصاحبة الملف أصبحت في عالم الظلام؟ وأكثر من ذلك: ما هي تلك الوثائق؟ لماذا لم تورد الكاتبة تلك الوثائق، كلها أو بعضها، في أوراق البطلة؟ ألم تحرم بذلك روايتها من جانب توثيقي قد يرفع من أسهمها شكلا ومضمونا، خاصة إذا أحسنت الربط بين الوثيقة والشكل الفني؟ أم أنّ تقديم الملف للقضاء كان مجرد واجهة أو ذريعة أو خدعة أو خدعة فنيّة لتشويق المعيد والقارئ لضمان قراءتهما للأوراق والرواية؟
يتولّى سرد أحداث الرواية راوٍ عليم (كليّ المعرفة)، ولكنّه لا يستأثر بالسرد. فهو يُفسح المجال للمعيد لقراءة الأوراق وإبداء ملاحظاته حولها. ويُتيح للبطلة أن تسرد، بضمير المتكلّم، أوراقها التي هي لبّ الرواية، تضعها البطلة بين يدي المعيد، لتطلعنا بشكل مباشر على معاناتها. وتترك للقارئ مهمّة استخلاص الأسباب الحقيقية لتلك المعاناة.
ربما استطاع الراوي العليم أن يُشكّل حلقة وصل بين القارئ والكاتبة من جهة، وبين القارئ والنص من جهة أخرى، ولكنه عجز عن أن يقدّم لنا رؤية الكاتبة أو أيديولوجيتها، إلّا ما نستشفه من الصفحتين الأخيرتين، وهو أنّ المجتمع العربي في إسرائيل، ودولة إسرائيل كذلك، يحقنان المرأة والإنسان العربي عامة، وكذلك الأقلية العربية، بحُقن تشوّش تفكيرهم السليم وتُدخلهما في غيبوبة مقصودة تعمل على إلّا يُفيقان منها.
تعدّد الأصوات، وإن كان يعبّر عن حرية وديمقراطية تُؤمن بهما الكاتبة، إلّا أنّها لم تنجح في صقل شخصياتها، خاصة تلك التي تتولّى السرد، بشكل يتناغم مع الأهداف التي خُلقت لها. فالراوي العليم لم يزد عن كونه ساردا أو مُفتَتِحا لسرد لم نستطع استخلاص علاقته به إلّا من خلال توقّعنا أنّه يُمثّل صوت الكاتبة، ولكنّ صوت هذه الأخيرة نجد صداه أكثر في صوت البطلة، ما يدفعني للاعتقاد أنّ الأصوات الثلاثة هي صوت واحد، يتداخل وينفصل عند الحاجة. ودور الراوي العليم فيه لا يزيد عن افتتاح السرد وإغلاقه. أما شخصية المعيد كسارد لأوراق البطلة ومعلّق عليها، فقد ظلّت سلبية قتلها التردّد في القراءة وصعوبة اتخاذ موقف يكون له تأثيره بعد القراءة، خاصة وقد عبّر عن عجزه سلفا عندما قال لـ “رجاء”: “مع أنني متأكّد من الآن (قبل قراءة الأوراق) بأنّ النصيحة (التي سيقدّمها لها بعد قراءة الأوراق) ستكون بالتنازل عن القضية” (ص 19). كما أنّه يجب الأخذ بعين الاعتبار أنّ البطلة هي السارد الحقيقي للأوراق، ولذلك جاءت لغتها مضطربة اضطراب نفسيتها، نتيجة وقوعها في تلك الحالة من الهلوسة والاكتئاب. ولكنّ اضطراب لغة الرواية ككل هو نتيجة اضطراب لغة الكاتبة.
لجأت الكاتبة إلى اٍسلوب “ألف ليلة وليلة”، لأنّها ترى أنّ حياتنا، والقصص التي تتناسل منها، لا تختلف بكثرتها وغرابتها وسرعة تناسلها، عن قصص “ألف ليلة وليلة”. بعض الأوراق لا يربطها بالأوراق الأخرى إلّا شخصية البطلة، وشخصية المعيد كقارئ ومعلّق عليها. المعيد يأخذ في الرواية موقع “شهرزاد”. لقد جعلت الكاتبة من “شهرزاد” حكاياتها ذَكَرا، رجلا وليس امرأة. المعيد يسرد قصص “رجاء” من خلال قراءته لأوراقها كما تسرد “شهرزاد” حكايات الليالي. على ما يبدو، الأمر نابع من لاوعي الكاتبة التي تريد للرجل أن يرى معاناتها الحقيقية من زاويتها هي. وليس عبثا جعلته متردّدا، كإشارة إلى تردّد المجتمع الذكوري في التعامل مع قضية المرأة والكشف عن أسبابها، لأنّه يعرف أنّه هو السبب. وتردّده نابع من كونه يعرف أنّ الاهتمام سيضعه في مواجهة اجتماعية وسياسية يرفضها أو يتهرّب منها، لأنّه عاجز عن تحمّل تبعاتها. ولذلك فهو لا يفعل إلّا ما دُفع لفعله دفعا.
الدمج بين أسلوب “ألف ليلة وليلة” وبين الأسلوب الصحفي، فيه شيء من الجدّة والتميّز. الأول أعطى للرواية بعضا من متعة السرد وروح المفاجأة، والثاني أعطى السرد حركته الدرامية السريعة. من هنا يبدو واضحا تأثّر الكاتبة، من جهة بحكايات “ألف ليلة وليلة” ومن جهة أخرى بعملها الصحفي. ولكن، الأسلوب الصحفي، الذي أعطى للأحداث حركتها الدراميّة التي تُمسك بالقارئ، سلب الكاتبة وبطلة روايتها القدرة على الحفر في أعماق الذات والبوح الذي يرجوه القارئ. فقد مرّت الكاتبة مرورا سطحيا سريعا، وبلغة صحفية مباشرة ورديئة غالبا، على القصص أو الأحداث التي لم نفهم الهدف من سرد بعضها. مثلا، تشبيه “رجاء” لأختها “سهام” بالخروف في الورقة (4)، أو قعود أختها “تمام” على الصاج وحرق قفاها في الورقة (12). وقد حملت كل قصة منهما عنوان الورقة رغم سرد كل منهما ضمن ورقة تضمّ قصصا أو أخبارا كثيرة، يصلح كل منها لحمل العنوان.
لم تستثمر الكاتبة “الراوي العليم” بشكل يتلاءم مع حاجة الرواية إليه. فهو من حيث السرد، كما أسلفت، لم يزد على افتتاح السرد وتقديم القليل الذي لم تتضمنه الأوراق، إلى جانب تقديم شخصية المعيد وعلاقته بـ “رجاء”. لا شكّ أنّه ساهم إلى حدّ ما في إبعاد شبهة السيرة الذاتية، حيث تخلّلت الرواية إشارات كثيرة تقرّبها منها، وهي لا تخدم مضمونها كما سأبيّن لاحقا.
من تلك الإشارات:
تقسيم الرواية إلى أوراق عددها بعدد سني عمر الكاتبة.
بطلة الرواية، “رجاء المصري”، ولدت في العام نفسه الذي ولدت فيه الكاتبة، 1963.
. البطلة “رجاء”، هي “رجاء المصري”، و”ميسون أسدي” في الحقيقة هي “ميسون المصري” أيضا، إذا أخذنا بعين الاعتبار اسم عائلة زوجها.
مما تقدّم، أخلص إلى القول بأنّ تقسيم الرواية إلى أوراق عددها بعدد سني عمر الكاتبة، وكذلك التقرّب من الشكل السيري، لم يكن فعلا منطقيا، بل قصديا لا دافع له إلّا نرجسية الكاتبة، إذ لم يكن من الضروري أن تكون البطلة بعمر مطابق لعمر الكاتبة، كما أنّ انتماء البطلة لعائلة المصري، التي هي عائلة زوج الكاتبة، لم يكن ضروريا أيضا. هناك الكثير مما يُمكن قوله حول نرجسية الكاتبة، وهناك الكثير من العبارات التي يشي أسلوبها أو مفرداتها بذلك. سأتحدّث لاحقا عن أثر النرجسية في شخصية البطلة وسير الأحداث.
التقيّد بذلك التقسيم شوّش ترتيب الأوراق وترقيمها. عدد الأوراق في الرواية، (51 ورقة)، كان من الممكن اختصاره. كثير من الأوراق كان يُمكن دمجها في ورقة واحدة، وأجزاء من بعض الأوراق كان ممكنا جعلها أوراقا مستقلّة. كما أنّه وباعتراف البطلة، كما أسلفت، هناك أوراق غير مهمّة. توظيف التقسيم واستخدام هذا الكمّ الكبير من الأوراق نابع من ارتباط الكاتبة اللاوعي بالقصة القصيرة وخوفها من الرواية كعمل فنّي، ما أدّى إلى عجزها عن تقسيم روايتها إلى فصول قليلة يتشعّب فيها الحديث، خافت الكاتبة أن تفقد فيها السيطرة عليه وعلى الترابط السببي أو الزمني للأحداث. وهناك أيضا ما هو أهمّ من التقسيم وخوف الكاتبة من دمج الأوراق والربط بين أحداثها، وهو أنّ الكاتبة غطّت بهذا التقسيم على عجزها عن استخدام تقنيات بنائية أخرى مثل تقنيات تيار الوعي، كالمونولوج الداخلي والاسترجاع، التي تساعد على البوح، من خلال الحفر في طبقات اللاشعور. إذا اعتبرنا قراءة المعيد للأوراق استرجاعا، فهو لا يفيد بشيء، لأنّه لا يحفر في لاشعور البطلة، كما حدث ذلك قليلا، كمناجاة البطلة للموت في الورقة (43): تقول “أيها الموت أين أنت؟ تعال، تعال، خذني وأرحني من همومي. أو صرختها في نهاية الرواية: “أبتاه … أنقذ ابنتك من هؤلاء الملاعين، لا أريد هذه الحقن القاتلة؛ إنّها تعشّش في دمي وتحرقني … أريد العودة إلى بيت والدي” (ص 211-212). الكاتبة، وإن كانت بطلة روايتها جريئة في سرد الأحداث ودائمة التحديق إلى نفسها، إلّا أنّها أبقتها قليلة البوح بمكنونات صدرها، فلم يُؤتِ تحديقها النتائج المتوخاة منه. ويبقى ما قدّمتْه استعراضا لحالة نفسية من خلال ملفّ كملف المريض، وليس غوصا في طبقات اللاشعور. فالبطلة نفسها حاولت التعرّف على حالتها، من خارج ذاتها، من المعلومات التي قدمها لها الطبّ حول المرض في الورقة (26)، وليس من خلال الغوص في أعماق ذاتها، فظلّ سردها يفتقر إلى الحفر والبوح، خاصة وهي تطرح بالأساس قضية نفسية هي نتاج لواقع مأزوم، سواء كان شخصيا أو جمعيّا.
في مقال قرأته مؤخّرا للأستاذ إبراهيم طه عن “الأدب المجهري”، (ملحق الاتحاد: 19/09/2014)، يذكر فيها “التحديق” في النقد النسوي، كمرادف للتبئير. ولم أكن اصطدمت بمصطلح “التحديق” بهذا المعنى من قبل، وعند الرجوع إلى المصادر وجدت أنّ له أكثر من دلالة، أهمّها اثنتان ترتبطان بالأدب وعلم النفس، وهما التبئير وتحديق المرأة في نفسها خاصة في حين يحدّق فيها الآخر، الرجل عادة ولكن ليس بالضرورة. وعند الرجوع إلى “مثلث توت الأرض”، وجدت الدلالتين تتجليان في الرواية التي تنتمي، شاءت الكاتبة أم أبت، إلى الأدب النسوي: أولا بمعنى التبئير في السرد، حيث نرى أنّ البطلة في أوراقها، تُسلّط الضوء على نفسها جاعلة منها بؤرة السرد. وثانيا بمعنى التحديق في علم النفس، أي نظر المرأة المركّز إلى نفسها، فالبطلة، تظهر دائمة التحديق إلى نفسها، وإلى واقعها الاجتماعي أيضا، ليس بسبب تحديق الرجل أو غيره فيها، وإنمّا بسبب الحرمان الذي كانت تعاني منه كامرأة على المستوى الشخصي وكرمز للمرأة وللأقلية العربية على المستوى العام، الاجتماعي والسياسي. من خلال تحديق البطلة في نفسها كانت تُحاول الكشف عمّا فيها وفيما حولها من الأسباب التي اسلمتها إلى تلك الحالة النفسية شديدة الاضطراب والتعقيد. وهو في رأيي، ردّ فعل للحرمان وانعدام تحديق الآخر فيها، وهو سبب كافٍ لجنون المرأة أو فقدانها لتوازنها. والكاتبة نفسها تعترف على لسان المعيد أنّ “هذه المرأة رجاء المصري ينقصها الحب في جميع نواحي حياتها” (ص 120). هذا الأمر يشي بأنّ ادعاءاتها المتكرّرة أنّها “مرغوبة مطلوبة”، تفيد المعنى مقلوبا، أو أنّ ذلك ككل علاقاتها بالرجال هو تعبير عن المنشود وليس الموجود، وأنّ تلك الحالة التي صوّرتها من الحرية ورغد العيش، لا تشذّ عن الإطار نفسه.
أمّا نهاية الرواية، فلو تركتها الكاتبة فريسة لغيبوبة البطلة وكلام الممرضين لكان الخطأ قاتلا، على مستوى الشكل والمضمون، ولكنّها أنقذت الرواية ونهايتها معا، وعلى المستوييْن، عندما استدركتها بعبارتها الأخيرة “ولم تنتهِ القصة بعد …”، وقد عكس إدراك الكاتبة لأهمية النهاية، النقاط الثلاث التي أنهت بها العبارة، والتي لا تبيّن فقط أنّ القصة لم تنته وحسب، بل أنّ نهايتها ظلّت مفتوحة على آفاق قد لا تكون لجيل الكاتبة، وإنّما هي آفاق أجيال ستأتي. فالورقة الأخيرة التي دوّنها العميد تُؤكّد حتمية التمرّد والثورة، عاجلا أم آجلا، على المجتمع الظالم والسلطة المستبدّة. يقول المعيد: “الورقة الأخيرة: ملف رجاء المصري ضدّ المجتمع العربي أولا وضدّ دولة إسرائيل ثانيا” (ص 211).
الزمان والمكان
تبدأ الرواية بتوجّه “رجاء”، بطلة الرواية، وهي في الخمسينات من عمرها، للقاء المعيد في كلية المحاماة لتسلّمه ملفّا فيه أوراق تحكي قصتها، طالبة منه، بعد قراءتها، تقديم قضية للقضاء ضدّ المجتمع. تقول: “توجّهت رجاء وهي امرأة عزباء في عقدها الخمسين (خطأ في اللغة، تقصد في عقدها الخامس) إلى المعيد في كلية المحاماة وطلبت منه استشارة قانونية” (ص 16). وتنتهي الرواية لحظة دخول “رجاء” في غيبوبة في الصفحة الأخيرة من الرواية. هذا الزمن الموضوعي الذي اعتمدته الكاتبة في الرواية، وهو فترة قصيرة لم تُحدّد بالضبط، ولكنّها لا تتعدّى حاجة المعيد لقراءة ملف “رجاء”، لا يكفي لدخول البطلة في تلك الحالة النفسية والغيبوبة التي تنبّأت بها في الورقة الأخيرة، خاصة وأنّها قابلت المعيد أثناء قراءته تلك الورقة، وكانت في حالة نفسية مريحة نسبيا تسمح بذلك اللقاء، في حين أنّ الورقة (49) تبيّن أن البطلة كانت على عجلة من أمرها، لأنّها تشعر بقرب نهايتها، إذ تقول: “عندما تنتهي من قراءة أوراقي فسأكون قد دلفت إلى عالم الظلام” (ص 211).
أمّا الزمن النفسي فنستشفّه من قراءة المعيد لملف “رجاء”، ويمتد امتداد أوراقها التي كتبتها كتقرير صحفي أو وثيقة تخدم ملفّ قضيتها، وليس كاسترجاع نفسي يحفر في طبقات اللاشعور ويُطهّر النفس من معاناتها. تأكيد ذلك أنّ المعيد هو الذي يقوم بقراءة الأوراق الجاهزة، التي لا تقدّمها لنا الكاتبة كاسترجاع تقوم به “رجاء” نفسها، أو مونولوج داخلي يعتمل في نفسها في لحظة نفسية راهنة. أوراق الرواية، أو أوراق “رجاء”، هي مجموعة قصص تختارها من حياتها، لا تتسلسل أفقيا، وإنمّا ترتّبها ترتيبا تراه مقنعا يُلائم ملفّ قضيتها التي تعتزم تقديمها للقضاء. من خلال تلك القصص أو الأوراق، تتناول الكاتبة فترة زمنية تمتدّ من عام 1963، عام ولادة البطلة، حتى يوم كتابة الملفّ في عقدها الخامس. ولهذا، قسمت الكاتبة روايتها إلى (51) ورقة تقابل عدد سني عمر الكاتبة نفسها، لأنّها هي أيضا ولدت في العام نفسه. وهو في نظري، سبب ليس مقنعا لذلك التقسيم.
الزمن النفسي الذي اختارته الكاتبة هو زمن عربي إسرائيلي، تفصله خمسة عشر عاما عن النكبة (1948)، يفترض فيه أن تخرج الأقلية العربية من همّ النكبة ومخلفاتها، لتبدأ حياة جديدة تندمج فيها بالحياة في “واحة الديمقراطية” وتسبح في “بحيرة الحليب والعسل”، وتنعم برغد العيش الذي يفتقده الفلسطيني الذي شُرّد خارج وطنه، إلّا أنّ بطلة الرواية، والكاتبة من ورائها، وجدت أنّ النكبة تستمرّ وتفرّخ، ويستمرّ علقمها يكوي حلق الإنسان العربي في إسرائيل بشكل عام، وبشكل خاص أولئك الذي لم يتخلَّوا عن كرامتهم الشخصية والوطنية وانتمائهم الذي يتمثّل بحبهم لأرضهم وشعبهم ولغتهم. وهنا، يتحول الزمن العربي في إسرائيل إلى زمن مزيّف بشكل مزدوج، إذ يحمل في ظاهره النعيم وفي باطنه الجحيم. أمّا بالنسبة للكاتبة وبطلة روايتها، فهو زمن مزيّف ومزدوج مرتين، إذ أنّ المجتمع العربي لم يتغيّر من حيث تعامله مع المرأة، ما جعل البطلة تعاني ظلم المجتمع لها كامرأة، وتعاني كذلك ظلم السلطة لها كإنسان عربي شاء له قدره أن يبقى في وطنه.
يبرز ضعف الكاتبة في التعامل مع الزمن الروائي في أكثر من موضع. ولكنّه يبرز بشكل جليّ في الأوراق الأخيرة. الورقة (49)، امتدّت قراءتها إلى ما بعد الورقتين: (50) و(51)، بسبب توقف المعيد عن القراءة ولقائه بـ “رجاء”. في هذه الورقة، (49)، تقول “رجاء”: “عندما تنتهي من قراءة أوراقي فسأكون قد دلفت إلى عالم الظلام” (ص 211). الورقتان: (50) و(51)، لم تكونا داخل الملفّ، فقد سمعهما المعيد من رجاء أثناء لقائه بها. قلت سابقا أنّ تقديمها الأوراق للمعيد يشي بأنّ البطلة كانت تستشعر نهايتها، ولكنّها في العبارة المذكورة، تحدّدها. ماذا لو أتمّ المعيد قراءة الورقة (49) قبل اللقاء؟ من أين كنّا سنحصل على الورقتين: (50) و(51)، وهما على جانب من الأهميّة كما صوّرهما المعيد؟ وإذا سلمنا بأنّ التقديم أو التأخير هو جزء من أسلوب السرد، فيجب على الكاتب أن يكون منطقيا في ذلك، لأنّ وضع “رجاء” النفسي أثناء لقائها بالمعيد وسردها للورقتين، (50) و(51)، لم يكن سيئا، ولم تكن قد عادت إلى المستشفى أو إلى الـ “عنبر رقم ستة” (ص 211) الذي يحيل إليه، بينما وضعها النفسي، كما وصفه الراوي العليم في الصفحة الأخيرة من الرواية، وتحديدا في الورقة (49)، كان على الأقلّ، من الصعوبة بحيث يدلّ على أنّها كانت تعاني أزمة حادّة لا بدّ أنّها استمرّت لأيام إن لم يكن لأسابيع؟!. لذلك، كيف يُمكن أن نفهم مقابلتها للمعيد قبل الورقتين، (50) و(51)، بينما من المفروض أن تكون قد دخلت في الغيبوبة قبل نهاية الورقة (49)؟ ودليل ذلك ما ذكرته سابقا، قولها: “عندما تنتهي من قراءة أوراقي فسأكون قد دلفت إلى عالم الظلام” (ص 211). قد لا يلتفت القارئ العاديّ إلى مثل تلك الهفوة التي تخلخل التطوّر الزمني للأحداث، وتنتقص من جمالية الرواية. من اللافت أنّ بين مكوّنات الرواية المختلفة، سلسلة طويلة من الهفوات.
رغم ما تقدّم، يظلّ الزمن في الرواية مرتبطا ارتباطا وثيقا بالمكان. فالإنسان العربي يعيش حياته محاصرا في مدنه وقراه التي نجت من مخالب النكبة وصُنّاعها، والباقية على القليل المتبقّي من الأرض، وإذا خرج من حصاره إلى المدن والمستوطنات اليهودية، فلا بدّ له من إخفاء وجهه تحت قناع آخر رغم كثرة الأقنعة التي يعيش بها في مجتمعه.
لا أعرف تحديدا، ما هو الدافع الحقيقي الذي دفع ميسون أسدي باتجاه “المثلث”، لتختار إحدى مدنه، لتشكّل المكان الذي تدور فيه أحداث الرواية أو تنطلق منه. ولماذا تركت الجليل رغم أنّها تعيش فيه ورغم كونه المنطقة الأكثر شهرة بين المناطق الثلاث الرئيسية التي يعيش فيها العرب. لهذا، لا أعتقد أنّ اختيار مدينة في منطقة “المثلث” مقصود لذاته، خاصة وأنّها لم تذكرها بالاسم، وإنّما لأنّه يُلبّي حاجة الكاتبة إلى اختيار مكان يعكس الرابط الجغرافي والوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للأقلية العربية في إسرائيل، وذلك لوقوع منطقة “المثلث” بين منطقتي “الجليل” و”النقب”. وفي الوقت نفسه، يعكس القرب الجغرافي من الحياة اليهودية في مركز البلاد بما لذلك من تأثير اجتماعي واقتصادي وسياسي على حياة الأقلية العربية. من الممكن لأيّة مدينة أو قرية عربية أن تلعب الدور نفسه، إلّا أنّ زراعة توت الأرض، التي تعكس استغلال السلطة الإسرائيلية الاقتصادي للأيدي العاملة العربية، متمثلة باستغلال شركات التسويق الإسرائيلية لمزارعي توت الأرض، تلك الزراعة كانت وما زالت مستمرّة في منطقة “المثلث” حتى اليوم، ما يشير إلى أنّ الظلم والاستغلال مستمرّان أيضا، بينما زراعة الخيار في الجليل، التي كان من الممكن أن تقوم بالدور نفسه، قد انتهت، لا لأنّ استغلال العرب في الجليل انتهى، بل لأنّ الزراعة تطوّرت وظهر “خيار الدفيئات” الذي يمكن أن تتعامل معه المستوطنات الزراعية اليهودية، لأنّ قطفه أسهل بكثير من قطف الخيار (البلدي) الذي كان العرب يزرعونه. وهذا يعكس سياسة التمييز العنصري واستغلال الأيدي العاملة العربية في الأعمال الشاقّة.
اختيار المكان قريبا من مركز البلاد والحياة اليهودية، يعكس الازدواجية التي يعيشها الإنسان العربي في إسرائيل، ويعكس كذلك التعقيد الاجتماعي والاقتصادي الذي يُؤدّي إلى اضطراب شخصيته وحياته عامة، وإلى تلك الحالة النفسية التي عانت منها البطلة بشكل خاص، علما بأنّ حياتها هي صورة تُمثّل حياة الأقلية العربية. ولهذا، نجد المكان في الرواية يمتدّ أيضا إلى فضاءات أخرى خارج حدود المدينة العربية التي تسكنها البطلة، إلى مدن ومستوطنات إسرائيلية مختلفة، سواء كان ذلك للعمل أو التعليم أو للعلاج في مرافق غير متوفّرة في الوسط العربي. ويمتدّ كذلك إلى خارج البلاد، إلى ألمانيا وجنوب أفريقيا ومصر والأردن وغيرها. من الصعب تفهّم هذا الامتداد إلّا من باب المبالغة والسخرية من صعوبة الحياة والوضع الاقتصادي المزري الذي يعيشه الإنسان العربي في إسرائيل، والذي لا يسمح بتلك الرفاهية والنفقات التي تدّعيها البطلة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يُعبّر عن الاضطراب النفسي الذي تعاني منه البطلة والذي يمنعها من الاستقرار الذي ترغب فيه وتنشده. ينعكس ذلك بوضوح في العلاقات الجنسية وغير الجنسية، (الصداقة مثلا)، مع أول من تصطدم به في أيّ مكان تذهب إليه، تُحبّه ويُحبّها، مثل صداقتها مع “مارتينوس” المثلي الجنس الذي تعرّفت عليه فور نزولها في الفندق في “كيب تاون” جنوب أفريقيا. تقول: “قالت لي صاحبة الفندق: انتظري مارتينوس ليرافقك لأنّ الدنيا ماطرة … وهكذا تعرفتُ عليه ومن يومها أصبحنا صديقين، كل ليلة نشرب النبيذ ونتحدّث” (ص 193). هذا التعدّد المكاني، وعلاقات البطلة الكثيرة والسريعة في الأماكن التي تختلف إليها، يشيان بحرمان البطلة التي لا تهدأ ولا تكفّ عن بحثها عمّا تفتقده، فتتفاقم حالتها لأنّها لا تظفر بما يُنهي حرمانها ويُهيئ لها الهدوء والسكينة.

الشخصيات
شخصيات الرواية كثيرة، معظمها عربية تتنوّع تنوّع الحياة الاجتماعية التي تعيشها الأقليّة العربية في إسرائيل، بكل ما فيها من تورّط بمشاكل لا حصر لها، سببها التخلّف المتأصل في المجتمع العربي، أو عسف السلطة التي تحرص، بالقمع والحصار والتمييز العنصري، على دوام التشرذم والتخلّف. لا تظهر الشخصيات بشكل مباشر، يتعرّف عليها القارئ من خلال سرد البطلة لحكايتها. ويجسّد كل منها مرضا من الأمراض الاجتماعية المتفشية في المجتمع العربي في إسرائيل، التي تعكس تخلّفه، أو سياسة السلطة الحريصة على فساده واستمرار تخلّفه وتفسّخه.
في الرواية عدد من الشخصيات اليهودية، أهمّها تلك التي تعكس الوجه الإيجابي للمجتمع الإسرائيلي وعلاقاته الإنسانية الحسنة مع العرب. “ماندي” كانت بمثابة أخت للبطلة، حيث كانت تُقيم أحيانا معها في بيتها (ص 70، 82)، والبروفيسور “أيتسيك” أحبّها وأحبّته رغم كونه مثلي الجنس. وقد اختارت الكاتبة لكليهما الموت: الأولى بالسرطان، والثاني بالأيدز، وذلك تعبيرا عن الأمراض، ليس العضوية فحسب، وإنّما الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تفتك بالمجتمع الإسرائيلي وتشوّه وجهه وتقضي على ما فيه من عناصر طيبة. وقد يكون المرض والموت رمزا للسلطة الحاكمة في إسرائيل التي تحرص على تشويه المجتمع وتشكيله بشكل مصالحها. كما أنّ تلك السلطة، لا تؤمن بالتعايش بين اليهود العرب، بل ترفضه وتعمل على تدمير كل علاقة طيبة بينهما.
تبقى الشخصيتان الأهمّ في الرواية هما شخصيتا “رجاء” البطلة، والمعيد. أهمّ ما في شخصية المعيد هو أنّ الكاتبة، كما ذكرت سابقا، وضعته مكان “شهرزاد”، ولكنّها، للأسف، لم تستطع تطوير شخصيته بحيث يتحمّل ما ترجوه منه من المشاركة والمساهمة في حلّ المشكلة على كافة مستوياتها: الشخصي والاجتماعي والسياسي. هل أرادته إنسانا متعاطفا فقط؟ بالطبع لا، وإلّا لم تكن ثمّة حاجة في وضعه مكان “شهرزاد”. لقد دفعته إلى قراءة أوراقها دفعا، وأرهقته بإسهابها وتكرارها اللذين لا مبرّر لهما، ولم تحظَ بتعاطفه إلّا بعد عدد كبير من الأوراق. ولذلك يبدو أنّ قراءته فرضها تعاطفه الإنساني مع حالة إنسانية وليس اقتناعا بما جاء فيها من مضمون، لأنّ الأهداف التي من أجلها خُلقت شخصية المعيد غير واضحة تماما. هل يكفي اعترافه بأنّ المجرم هو دولة إسرائيل وليس المجتمع العربي فقط؟ وذلك من خلال ما أغلق به قراءته للأوراق والوقوف عند هذا الحدّ: يقول: “الورقة الأخيرة: ملف رجاء المصري ضد المجتمع العربي أولا وضد دولة إسرائيل ثانيا” (ص 211)؟ هل كنّا بحاجة إلى معيد في الجامعة، رجل قانون له خبرة المثقّف المجرب، لكي نصل إلى هذا الاستنتاج، “ضد دولة إسرائيل ثانيا”، الذي لم تذكره الكاتبة أو “رجاء” في لقائها الأول مع المعيد في بداية الرواية؟ لو كان المعيد يهوديا لاختلف الأمر قليلا، ولكن الكاتبة لم تُصرّح بذلك كما سأبيّن لاحقا.
لقد ظلّت شخصية المعيد قاصرة عاجزة عن الفعل فيما تعدّى القراءة والتعاطف. معظم الرجال الذين توسّمت فيهم “رجاء” الخير ماتوا. والموت إشارة إلى العجز. هل أبقت الكاتبة على المعيد نموذجا للرجال الأحياء العارفين العاجزين؟ من الواضح أنّ اختيار “رجاء” ومن ورائها الكاتبة، للمعيد، يشير إلى تحميل المرأة للرجل مسؤولية قضيتها الاجتماعية، وهو بسذاجته، إن لم يكن بـ “غبائه”، يضيف إليها المسؤولية السياسية. هل كان الهدف من شخصية المعيد الاعتراف بالمشكلة والمسؤولية عنها فقط؟ ولكن، ما الفائدة من اعترافه بمعاناة المرأة بعد أن يفقدها، حيث دخول “رجاء” في غيبوبة لا يختلف عن القتل؟ بصيص الأمل الوحيد هنا هو أن يعمل الرجل على خروج المرأة من غيبوبتها، ولكنّ المعيد لم يكن مهيّأ لذلك، فقد كان قراره جاهزا وواضحا منذ البداية: “… إنني متأكّد من الآن بأنّ النصيحة ستكون بالتنازل عن القضية” (ص 19)، ولم نلحظ حتى نهاية الرواية أنّ موقفه تغيّر، إذا استثنينا اعترافه بأن دولة إسرائيل مسؤولة أيضا، ولكن ما دام العجز قائما في التنازل عن القضية ضد المجتمع فهو قائم أيضا في التنازل عنها ضد دولة إسرائيل. تبقى أمامنا شخصية المعيد بإنسانيتها في التعامل مع رجاء، وتعاطفها في قراءة أوراقها، التي، كما ذكرت، قد تكون الهدف المعلن الثاني للبطلة، والممكن التحقيق بعد الفشل في تحقيق الهدف المعلن الأول، تقديم القضية للقضاء.
“رجاء”، هي الشخصية المركزية والبطلة في الرواية، حضورا وفعلا. فهي محور الأحداث ومحرّكها، وفي أوراقها بشكل خاص، كانت هي بؤرة السرد التي تضيق وتتسع حسب نظرة البطلة إلى نفسها وموقفها من أفعالها أو أفعال غيرها. لا يوجد في الرواية حدث مركزي يُمكن اعتباره المحور أو المحرّك الأساسي لتطوّر شخصية البطلة، ولذلك فهي تتطوّر بتأثير الأحداث الكثيرة التي تعيشها، تشارك فيها أو تشهدها. وتطوّرها مرتبط بتطوّر حالتها النفسية والتحوّلات، الإيجابية أحيانا والسلبية غالبا، التي تطرأ عليها. شخصية البطلة تُعبّر عن واقع نفسي واجتماعي واقتصادي وسياسي، فهي، شكلا ومضمونا، تعكس صفات مجتمعها وعصرها الذي تعيش فيه، أو يعيش فيه من تمثّلهم. إنّها شخصية مغتربة عن عصرها ومجتمعها المغترب عن ذاته. وهي مأزومة تعيش عصرا مأزوما في مجتمع مأزوم يعاني عددا غير محتمل من الأمراض والآفات الاجتماعية التي تترك آثارا مضاعفة بسبب تخلّف المجتمع وانجراره وراء قشور العصر وتفاهاته. وهو ما أوقع البطلة في حالة نفسية من الهلوسة والاكتئاب، تفاقمت بسرعة حتى أصبحت مستعصية لا يلوح لها حلّ في الأفق. يُمثّل ذلك غيبوبة البطلة آخر الرواية، نتيجة الحقن التي تُعطى لها قسرا، غيبوبتها التي لا أحد يعلم متى ستفيق منها أو إن كانت ستفيق أصلا. كما أنّ الحالة التي آلت إليها البطلة من الحرمان والوحدة والاغتراب، وما أشار إليه المعيد من حاجتها إلى “الحب في جميع نواحي حياتها” (ص 120)، تشير إلى أنّ المقولة التي كان يتغنّى بها حكّام إسرائيل، “إنّنا نعيش في بحر من الأعداء”، قد انقلبت كليّا، فأصبحت تنطبق على المرأة في المجتمع، أو على الإنسان العربي في إسرائيل أو الأقلية العربية كلها، أو على الشعب الفلسطيني كله وما يُعانيه من احتلال وعزل وفصل عنصري.
تلعب شخصية “رجاء”، البطلة، دور “اللابطل” بامتياز. فهي لم تحقّق شيئا من أهدافها، إذا استثنينا الهدفين المعلنيْن: تقديم قضيتها للقضاء وقراءة المعيد للأوراق. هذان الهدفان لم يتحقّق منهما إلّا الثاني، الذي يصعب النظر إليه كهدف بقدر ما هو تمهيد لتحقيق أهداف لم تُحقّق سواء أعلنت أم لم تُعلن.
نجحت الكاتبة من خلال “رجاء” أن تقدّم لنا شخصية مريضة جمعت في طيّاتها كل أمراض المجتمع العربي وتناقضاته في إسرائيل، إلّا أنّها عجزت عن جعلها شخصية فاعلة في مجال إحداث التغيير المنشود. وبهذا تبدو لي رغبتها في تقديم قضية ضد المجتمع هي مجرد حامل للسرد في الشكل، و”ضريبة كلام” في المضمون، لا تختلف عن غيرها من أمراض المجتمع الذي يقول الكثير ولا يفعل إلّا القليل الذي لا يختلف عن الحقن المهدّئة التي كانت تُحقن بها “رجاء”، والتي سرعان ما يزول مفعولها ولمّا تمنع تفاقم حالتها.
انعكس التجريب لدى الكاتبة في أنّها لم تجعل من شخصية “رجاء” شخصية نمطية، فهي من جهة تحمل فكرا ما، وإن كان، للأسف، انهزاميا في معظم جوانبه. ومن جهة أخرى فقد حمّلتها من الغرابة وأمراض المجتمع وتناقضاته الشيء الكثير، ولكنّها لم تلغِ حساسيتها وإدراكها لهذه الأمراض وتلك التناقضات. فهي شديدة الميل إلى الانطواء أحيانا، وسريعة الاستجابة للآخر أحيانا أخرى. فقد انطوت على نفسها بعد انفصالها عن ميخائيل الذي أحبته (ص 93). وهي تدرك تناقضاتها إذ تقول: “أفقد القدرة على التركيز واتخاذ القرارات، وأشعر بأنني عاجزة قليلة الحيلة تعبة ومجهدة دائما، وأحيانا يكون وضعي عكسيا تماما يصبح عندي ازدياد مفاجئ في النشاط والحيوية والشعور بالقوة والمباهاة بالنفس” (ص 94). إنها الحالة والتناقضات ذاتها التي يعاني منها الإنسان العربي في إسرائيل على المستوى الشخصي، وكذلك تعاني منها الأقلية العربية على المستوى العام في كل مجالات الحياة: الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية والثقافية.
“رجاء” اتخذت قرارها بتقديم قضيتها للقضاء، ولكنّه لم يُنفّذ في الواقع. كذلك الكاتبة، قد تكون أرادت من خلال ذلك، أن تلفت انتباه القارئ إلى القرارات الإيجابية الكثيرة التي اتخذتها، المؤسسة الإسرائيلية بحقّ الأقلية العربية، أو المؤسسات الدولية بحقّ القضية الفلسطينية، ولكنّها لم تُنفّذ حتى الآن. بند عدم التمييز بين المواطنين من حيث الجنس والعرق واللون والدين، في وثيقة استقلال إسرائيل، وكذلك قرارات الأمم المتّحدة، كلها تشهد بذلك.
يتبع ….

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة