بين علوم الدين وعلوم الدنيا

التصنيف : اراء حرة (:::)
بقلم  : جميل السلحوت – فلسطين المحتلة (:::)
مشكلة المتأسلمين الجدد أنّهم لا يفقهون علوم الدّين الصّحيح، مع أنهم يزعمون أنّهم حماته والمدافعون عنه، وعدم فهمهم للدّين الصحيح يدفعهم إلى تكفير من يخالفهم الرأي حتى وإن كان يدافع عن الدّين، وهم بهذا تنطبق عليهم مقولة الامام الشافعي:” ما جادلني عاقل إلا غلبته، وما جادلني جاهل إلا غلبني.” وهم بجهلهم يستعدون الأمم الأخرى على الاسلام وعلى المسلمين، وهم لا يدركون بأنّ الدين الصّحيح لا يتعارض مع العلم الصحيح. والأمثلة على ذلك كثيرة جدّا.
لكن الخطير في تفكيرهم أنّهم لا يميزون بين علوم الدّين، وبين علوم الدنيا التي لا علاقة للدّين وتشريعاته بها، فيزعمون أنّ كلّ العلوم موجودة في القرآن والسّنة، ولا يعتبرون من قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حادثة تلقيح النخيل الشهيرة:”أنتم أدرى بشؤون دنياكم”. ومع أن في القرآن الكريم آيات تدعو الى التفكير والعلم، والأحاديث النبوية حثت على طلب العلم” اطلبوا العلم ولو في الصّين” إلا أنّ طلب العلوم الدّنيوية ليس في واردهم. ومن هنا يأتي سبب تخلّف شعوبنا في مختلف المجالات عن الرّكب الحضاري العالمي. ومعروف أنّ علوم الدّنيا لا علاقة لها بعلوم الدّين، ولا بالحلال وبالحرام الذي نصّت عليه الشريعة، وما علاقة الدّين بالعلوم والابتكارات الحديثة؟ وهل هناك نصوص دينية تحللها أو تحرّمها؟ فمثلا غزو الفضاء، والبحث عن كنوز الأرض وما تحتويه، وتطوير الزراعة وغيرها، ما علاقتها بالدّين؟ أليست هذه علوم دنيوية؟
ومن خلال هذا الخلط غير المبرّر فإن ثقافتنا الموروثة تعتبر “علوم الدّين” هي أساس العلوم، في حين أنّ العالم جميعه يعتبر الرّياضيات أساس العلوم، وعندنا “علماء” يعتبرون الرّياضيات مفسدة وكفرا!
ومن الأمور التي لم تعد عجيبة أن ثقافتنا تعتبر من يرتدي الجبّة ويضع العمامة، ويطلق لحيته ويحفّ شاربه “عالما”! حتى ولو كان أمّيّا أو شبه أمّي. فمن أين أتاه العلم؟ أم أنّ العلوم حبيسة ملابسه ومنظره الخارجيّ. واللافت أن “علماءنا” هؤلاء لا يتحدّثون ولا يخطبون إلا عن النّار العظيمة التي أعدّها الله للكافرين، أو عن الجزء السّفلي للإناث، وكأن لا ثواب للمؤمنين، وأنّ المرأة سبب كل شرور الدّنيا، ويتناسون أنّ أمّهاتهم وبناتهم وشقيقاتهم وزوجاتهم وعمّاتهم وخالاتهم…الخ نساء، أم أنّهنّ مستثنيات من هذه الشّرور؟ فهل حياة الانسان ووجوده على هذه الدّنيا عابر لا أهميّة له؟ أم أن له دورا في تعمير الكون عليه القيام به؟ مع أن الحديث النبوي الشريف يقول: “إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل.” ومما ينسب للامام عليّ كرّم الله وجهه قوله:” “إعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا“. أيّ أنه للحياة متطلبّات وللآخرة متطلبات أخرى، فلماذا يتناسى المتأسلون الجدد متطلبات الحياة الدّنيا؟
إنّ القفز عن متطلّبات الدّنيا بهذا المفاهيم البائسة هي واحدة من أسباب الابتعاد عن علوم الدّنيا، والابتعاد عن مواكبة العلوم الحديثة سبب رئيسي في سلسلة حلقات التخلف والهزائم التي تعيشها شعوبنا. ومن هنا تنبع أهمية اعادة النظر بالمناهج التعليمية، ومن ضمنها مناهج التربية الدّينيّة في مختلف مراحلها، لتحرير العقل العربيّ والاسلامي من الجهل والخرافة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة