صورة التواطؤ العربي في الاعلام الاسرائيلي

التصنيف : اراء حرة (:::)
شوقيه عروق منصور – فلسطين المحتلة(:::)
لو أن وسائل الاعلام الاسرائيلية تستحق الشكر لإغرقناها بوابل من ” التشكرات ” لإنها غالباً ما تتصرف كالطفل الذي يفضح ذويه في حالة قيامهم بعمل مشين  امامه ، لكن وسائل الاعلام المذكورة لا تستحق أي قدر من الثناء ، بالرغم أنها كانت ولا تزال الجهة الوحيدة التي تفضح تواطؤ العديد من الانظمة العربية مع اسرائيل ، بما فيها السلطة الفلسطينية ، هذا المشهد يذكرنا بالمقولة التي كان يرددها ” حسني البرزان ” في مسلسل ” صح النوم ”  مع دريد لحام  ( اذا اردنا أن نعرف ماذا يحدث في ايطاليا ، علينا أن نعرف ماذا يحدث في البرازيل ) ونحن نردد وراءه : اذا اردنا أن نعرف عن تواطؤ العديد من الانظمة العربية مع اسرائيل علينا مراقبة الاعلام الاسرائيلي  الذي يتباهى بفضح التواطؤ وكشف المستور .
هذا الموقف لا يمنح الاعلام الاسرائيلي أية فضيلة ، لأنه كان ولا يزال اعلاماً تحريضياً معادياً ، وان فضحه لدسائس وتواطؤ اصدقاء اسرائيل من بين الانظمة العربية لم يأت خدمة لشعوبها ، هدفه تعزيز الثقة في نفوس الاسرائيليين أولاً ، و للإيقاع بين الانظمة التي تتعاون مع اسرائيل وبين شعوبها  ، ومن اجل زرع اليأس في نفوس المواطنين وتعميق الغربة بينها وبين أنظمتها و أوطانها .
الاعلام الاسرائيلي لا يملك أي شيء من الموضوعية ولا يمثل اية روح للديمقراطية لأنه يقف دائماً الى جانب ممارسات الحكومات الاسرائيلية العدوانية ، كما أنه بعيداً عن الموضوعية في تناول قضايا الجماهير العربية في الداخل الفلسطيني ، فهو يضعها جانباً في خانة الارهاب ومن واجب هذه الجماهير اثبات براءتها ، عندما تقوم اسرائيل باي اعتداء على اية مدينة عربية او قرية في الداخل الفلسطيني او عبر الحدود يتحول غالبية الاعلامين الى جنرالات يساهمون في قيادة وتوجيه العدوان ، وتتحول الصحف والقنوات والاذاعات الى طائرات ودبابات وسفن حربية بهدف المساهمة في عملية التضليل وايجاد المبررات لقتل الفلسطينيين خاصة وتدمير املاكهم.
منذ نشأة هذا الاعلام لم يتوقف يوماً عن تأجيج الصراعات والفتن الطائفية في الداخل الفلسطيني خاصة ، فقد هلل وكبر لنزوات كاهن التجنيد ” نداف ” كما ان هذا الاعلام اعتصم في محراب دسائسه لصب الزيت على النار في مسألة دعم هوس من يحلمون بابتكار قومية جديدة للعرب المسيحين والتي عرفت بالقومية الآرامية .
ان مهمة هذا الاعلام ليس ضرب وتمزيق تسبيح الوحدة الوطنية في الداخل فقط ، انحصرت مهمته أيضاً منذ نشأته في عرقلة مسيرة حركات التحرر العربية وحتى العالمية ، فبالنسبة  الى مواقفة من الثورات العالمية ، فقد وقف ضد الثورة الكوبية والثورة الفيتنامية والثورة الانغولية ، كما وقف الى جانب شاه ايران ضد الثورة التي ازاحته عن الحكم .
اما عربياً فقد حاول هذا الاعلام الوقوف ضد ثورة الجزائر ، كما وقف ضد حكومة سليمان النابلسي في الاردن سنة 1956- 1957 لأنها منعت النظام الاردني الانضمام الى حلف بغداد ، بعد ذلك وقفت وسائل الاعلام هذه الى جانب النظام الهاشمي ذاته عندما قرر التخلص من الاحزاب والحركات التقدمية في تلك الفترة ، خاصة الناصريون والشيوعيون والبعثيون كما دعمت هذا النظام عندما اصطدم مع فصائل الثورة الفلسطينية والذي انتهى بمذابح ايلول الاسود عام 1970 .
من ينسى دور الاعلام الاسرائيلي وتآمره على مصر في عهد الثورة التي قادها جمال عبد الناصر ، كما ساهم هذا الاعلام بالتصدي لثورة الضباط الاحرار التي اطاحت بالنظام الهاشمي في العراق ، من ينسى المذيع ” ابن الريف” العميل المصري الذي كان يفتري على الثورة في مصر ، وزميله المذيع ” ابن الرافدين” الذي كان يحاول زعزعة ثقة الجماهير بكافة حركات التحرر في كل من العراق وسوريا ولبنان ، من ينسى المذيع ” ابو لبن ” احد مرتزقة صوت اسرائيل الناطق بالعربية ومزايداته على منظمة التحرير الفلسطينية ، كما استخدم لمحاربة ووقف مد الحزب الشيوعي بين الجماهير العربية لإتاحة الفرصة للأحزاب الصهيونية لبسط نفوذها في وسط هذه الجماهير.
هذا غيض من فيض من ممارسات الاعلام المذكور ، لكن هناك وجه آخر لهذا الاعلام ، فهو مكلف بين والآخر بكشف جوانب من حالات التواطؤ بين المؤسسة الحاكمة في اسرائيل وبين العديد من الانظمة  العربية ، يشمل هذا التواطؤ بعض الاحزاب والتنظيمات المختلفة وعدد من المثقفين خاصة في لبنان ومصر وشيوخ الخليج ، كل يوم يكشف هذا الاعلام عن التواطؤ بين اسرائيل وبين ما يسمى بالمعارضة السورية ، من جبهة النصر والجيش الحر وغيرها ، كما ان القوات الدولية المرابطة في الجولان اصدرت تقريرا اعترفت من خلاله عن عمق التعاون بين اسرائيل وبين الفصائل الارهابية المذكورة ، وقد نشرت هذا التقرير صحيفة “هآرتس” في نهاية الشهر الماضي ، كما نشرت هذا الخبر كافة الصحف العربية الصادرة في الداخل الفلسطيني باستثناء بعضها خاصة – فصل المقال – لأن هذا الخبر ادانة لها وللقوى السياسية التي تقف وراءها لأنها شاركت في التآمر على سوريا .
حقيقة اننا كنا ننتظر قيام حزب التجمع وسفيرة في قطر بإبداء الندم والاعتذار للجماهير العربية عن دوره المتخاذل ضد سوريا ووقوفه مع واشنطن والقرضاوي في معسكر واحد في دعم العصابات الارهابية التي تتعاون مع اسرائيل ( أشكره) لكن هذا لم يحدث حتى الآن ، ولم يحدث ، لأنه ينطبق عليهم المثل الذي يقول ( اطعم التم تستحي العين ) وتموت المبادىء .
كل يوم يكشف هذا الاعلام عن حالات تواطؤ جديدة ، آخرها موافقه قطر عزمي على مشاركة منتخب اسرائيل في السباحة في اولمبياد اقيم في مدينة الدوحة ، وقد سمح للمنتخب الاسرائيلي برفع العلم حول احواض السباحة التي اقيمت فيها المباريات ، في نفس الوقت كان هناك منتخب اسرائيلي آخر للعبة الشطرنج ضيفا على منتخب قطر للمشاركة في مباريات دولية ، والكشف عن طائرة تابعة لأحدى دول الخليج تركن في احدى زوايا مطار اللد ، جاهزة دائماً للتحليق بين الدولتين ، من مظاهر هذا التواطؤ القائمة حاليا كما ذكرته صحيفة( يسرائيل هيوم ) تطابق كامل بالتنسيق بين اجهزة الامن المصرية مع اجهزة الامن الاسرائيلية لمنع تسريب الاسلحة الى حركات المقاومة في قطاع غزة ، الى جانب شعور اسرائيل بالراحة التامة من الحصار القاتل الذي يفرضه نظام السيسي على الفلسطينيين في قطاع غزة بذريعة محاربة الارهاب ، لقد حول هذا الحصار القطاع بكامله الى “غيتو ” كبير .
لولا الاعلام لما عرفنا الكثير من بنود اتفاق كامب ديفيد لان نظام السادات ونظام مبارك حاولا ابقاءها في الظل ، كذلك فأن هذا الأمر ينطبق على اتفاق اوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية التي فرضت تعتيما على الكثير من بنود هذا الاتفاق وتفاصيلها ، في مقدمتها مسألة التنسيق الأمني الذي يلزم اجهزة الامن الفلسطينية منع أي نشاط عسكري معاد للاحتلال بالإضافة الى واجبها محاصرة الاحتجاجات الشعبية ، لقد بقي هذا التنسيق على حاله حتى في زمن الاعتداءات الاسرائيلية على قطاع غزة ، وبقي على ما هو عليه ولا يزال رغم الاعتداءات المتكررة لقوات الاحتلال وعلوج المستوطنين على المواطنين الفلسطينيين ، وعلى المقدسات الاسلامية في القدس وضواحيها، كانت نتيجة هذه الاعتداءات اغتيال الوزير في الحكومة الفلسطينية الشهيد ” زياد ابو عين ” على اثر هذه الجريمة النكراء ثارت حمية جميع الفلسطينيين ومن ضمنهم وزراء السلطة وكبار قادتها ، وأعلنوا على الملأ بأن ردود الفعل سوف تكون صاعقة وان كل شيء مفتوح ، وان وقف التنسيق الامني سيكون السقف الواطي نسبة الى الاجراءات الأخرى ، لكن حتى اليوم لم يتغير أي شيء .
التغيير الوحيد هو استشهاد وزير فلسطيني ، الكل كان ينتظر قراراً فلسطينياً موازياً لمستوى الحدث لكن هذا الانتظار كان بمثابة غيمة في صيف حار ، لم تطرح سوى التراجع او الصمت ، وقد كان الاعلام الاسرائيلي صريحا وواضحا عندما اعلن على لسان مسؤول امني اسرائيلي  كبير بأن التنسيق الامني لا زال قائماً ، وقد تم اعتقال 40 مطلوباً من حركة حماس في منطقة الخليل بفضل هذا التنسيق ، أضاف هذا المسؤول بأن السلطة قد تراجعت عن نيتها تجميد هذا التنسيق بسبب الضغوط التي تعرضت لها هذه السلطة من امريكا ومصر والاردن والسعودية ، هذا الموقف يعيدنا الى الاجواء والفترات التي كان بها القرار الفلسطيني مصادرا من قبل الانظمة العربية منذ عام 1948 حتى قيام منظمة التحرير الفلسطينية بتحرير هذا القرار وانتزاعه من هيمنة الانظمة العربية ، اليوم كل الدلائل تشير الى ان السلطة عادت وفرطت بهذا القرار ، او بجزء منه على الأقل .
لماذا لا تتعامل هذه السلطة مع الشعب الفلسطيني بشفافية ؟ الكل يعرف بان وقف التنسيق الامني ليس هيناً ، وقف التنسيق يعني شل حركة رجال السلطة وشل حركة الاتصال بين المحافظات الفلسطينية خاصة المناطق الواقعة في منطقة ” ج” ومنطقة ” ب” ، لكن تبقى الاجابة الشافية والوحيدة للرد على وقف هذا التنسيق هي انتفاضة شعبية شاملة تذيق المحتلين المرارة في عيشهم ، الانتفاضة هي القوة الوحيدة التي تفقد التنسيق الامني قيمته في خدمة المصالح الاسرائيلية .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة