وميـــــض

التصنيف : القصة (:::)
أحمد بلكاسم (:::)
استيقظت وميض استيقاظ المقبل على الحياة، استحمت، توضأت، تطهرت من كل رجس ودنس، وتلفعت بالبياض، وقامت فصلت، ابتهلت تضرعت،سبحت وذكرت ربها حتى اغرورقت مقلتاها، وتدحرجت على الخد الأسيل، بلورات الرضا.ثم تجردت من بياضها، فسربلت وأرخت شعرها الفاحم على متنها،وجلست أمام المرآة تحمد الذي أحسن خلقها، كما أحسن خلقها.الذي في أحسن صورة ما شاء ركبها،تزينت وأمعنت في التجمل والتجمل، حتى بدت كلوحة فنان مبدع،  أفنى  أنامله في  إبداعها.لبست لباس بنات العصر، وتلت “والعصر إن الإنسان لفي خسر”.تمنطقت بحزام لا يشبه حزام بنات العصر،وحشت حقيبتها أغراضا لا تشبه أغراض بنات العصر،تأبطتها تماما كما تفعل بنات العصر.نزلت إلى الشارع ،ملأته فتنة وغنجا كما تفعل بنات العصر .تفرستها وافترستها عيون جائعة، نهمة، شرهة ،من خصلات شعرها الهفهافة حتى أخمص قدميها،عيون قردة وخنازير كانت تكتسح الرصيف ،والحانات ومحطات الحافلات.استفزها أريج عطرها الأنثوي الفواح، وإيقاع خطوها الرنان، وترنح قدها المياس. انساق وراءها أحد القردة الضالة ، في سعي محموم لمرافقتها،عله يقضي منها وطرا، لقد استبدت به غلمته الهائجة، فدنا منها وقال:
– كود إفنين هاو آريو؟
فردت بلسان يقطر سحرا حلالا ، وسما رعافا :
– أيام فاين تانكس.
– هيا اركبي، سيارتي، إنها فاخرة، والرحلة عبرها ممتعة.
– بالتأكيد ستكون الرحلة ممتعة جدا.
– أنا حديث عهد بهذا البلد ،أرض الميعاد،أين تريدين أن نذهب؟
– إلى أي مكان فيه قردة وخنازير،أقصد الناس والحياة.
ضحك مستغربا من اقتراحها وقال بلهفة متلهف: إلى الحديقة الكبيرة إذن. ثم استأنف يحاورها معرفا إياها بماهيته.
– أوكي،أنا وافد من روسيا،وأعمل مهندسا في بناء المستوطنات، و أنت؟
– أنا من أورشليم، فيها ولدت، وفيها أموت، ومنها أبعث حية
– وماذا تعملين في حياتك؟
– أشتغل مروضة قرود، ومربية خنازير.
ضحك حتى بانت تشكيلة أسنانه وأضراسه المنخورة بفعل الفودكا. في الحديقة العمومية الكبيرة ،أخرجت آلة تصوير من حقيبتها التي لا تشبه حقيبة بنات العصر، تلت “والعصر، إن الإنسان لفي خسر،”وقالت للملأ:”ليأخذ لنا أحد صورة هنا”. حبذا هو الفكرة، والتصق بها وسط حشد كبير من القردة والخنازير ، وقالت:”عند الإشارة اضغط على الزر”.
– ليكن؛ وان،  تو، ثري، طق؟!
انبعث وميض خاطف من الآلة، فكان الشرارة التي فجرت الحزام الذي لا يشبه حزام بنات العصر،نسفت الجسد البض، الجسد الذي استحم وتوضأ وتطهر، فصلى، ثم تضرع حتى صار شعاعا يشق برزخ السماء إلى الفردوس الأعلى.
في المساء، كان مذيع النشرة يعد ضحاياه، مكدود الوجه، عابس النظرات، وأشلاء قردة، وخنازير، تغطي عرض الشاشة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة