وحوش الجحيم

التصنيف : الشعر (:::)
آدم دانيال هومه – سدني : استراليا (::::::)
ينهض من بين ركام ذاته معفّرا بغبار البروق
متطهرا من أدران أحزانه
يتقيّل في سرير الشفق
تظلله هالة من ألق الملكوت
وتحت قدميه سندس الغيم
منصهرا في بوتقة أحلامه الزمرّديّة
ينهل من النبع الإلهي المتدفق من أعماق روحه الساطعة
ويسير إلى جوار كلكامش المدجّج بالألوهة
في رحلته الأزلية لسبر أغوار الموت بين نهدي عشتار
قبيل بزوغ الفجر
يتهجى زقزقات العصافير ترتعش تحت زخات غيمة وردية
وعند حلول المساء
ترفرف أطيار البهجة على أغصان قلبه
وينظر إلى صورته تتلألأ على جدار الغيوم
مضمخة بنثار النجوم
ترتعش بين يديه نجمة الصبح
كارتعاش نهد كاعب بين مخالب نبي ينزّ الشبق من مسامات روحه
يركل بقدميه الأزمان والعصور
مثل حصان مجنّح يمتطي صهوة الريح إلى آفاق الغيب
والرمال تحت قدميه تسبّح في أعماق البحر
يستند إلى أريكة القيامة
ويرفل في نومه القدسي
ملبيا نداء ربه قبل فوات الأوان.

عشتار البتول المقدسة
العارفة بسرائر وأسرار الآلهة
مليكة السماء التي وهبها أنكي المبجّل الكهانة المقدسة
وتاج الألوهية
والصولجان العجائبي المبارك
بعد أن تستحم بحليب اليمام
تعرض مفاتنها المتوهجة للشمس
لتكتسب الشمس لونها الأزلي الخلاّب
تغسل جدائلها بعطر الريحان النابت على ضفاف الزاب
تسير حافية القدمين على تراب أرض الفراتين
لتطهّره من رجس الأنبياء والمشعوذين
وتتجلى بالأبهة والكمال والإجلال
تتبارك بسرتها الحمائم وأيائل الجبال
ترمي قلادتها الفيروزية على سرير الأرض
وتمتطي زورق السماء وتمخر بين أسراب النجوم
لتخلد إلى ملكوتها السماوي
وتتألق في الآفاق نجمة الصباح
وتغدق على الكون بهاءها
فيلهج بمدحها أبناء سومر وبابل وآشور
وتهبّ في إثرها عاصفة من رحيق المطر
فتتفتق أكمام الربيع من بين سبات اليباس والجماد
ويتعالى تغريد الطيور لدى انبلاج الفجر
وتزدهر الحقول والمراعي
وتينع السنابل جذلى
وتتكلل الأشجار بالثمار الشهيّة.

وطني أيقونة كل الحضارات
يسّاقط المجد على قدميه ندى
الفرات يمد شرايينه في أعماق الأرض
يهدي الشعراء إلى ينابيع الغيم
ودجلة الرقراق دنان من الخمر
يمنح االأطفال النشوة والفرح
فيتسابقون إلى مراعي الحروف
وينتشون بأريج الشعر والبيان
يسرجون جياد الرياح
يحلقون على متنها إلى الآفاق اللامرئية
ليسبروا أغوار الغيب.

وطني…
منتزه الآلهة وملتقى العشاق والشعراء
واحة الجمال والجلال والبهاء
تقيّأ الجحيم وحوشه الضارية
فشمّروا عن أنيابهم
وبدأوا بتقطيع أوصاله وازدرادوا خيراته
شوّهوا معالمه الحضارية النضرة
واستباحوا مواطن الذكريات المزدانة بالقرنفل والجلّنار
نحروا رفوف الأفراح من عيون الآباء
أذبلوا زنابق البسمات على شفاه الأمهات
ووأدوا أحلام الأطفال وهم ينتظرون هدايا أعياد الميلاد
كفراشات تسطع أرواحها على ثغر الأقحوان قبيل بزوغ الفجر
وساقوا النساء سبايا إلى سوق النخاسة تحت أسوار نينوى
وحاولوا ترويض الشمس لتصبح محظية الخليفة المعتوه
وزينوا العذارى لتساق جواري إلى مخادع جند الله
يشرئب الجنون من عيون الحالمين بالصعود إلى السماء
على سلالم الأوهام
يبحرون في السراب إلى العالم الآخر
تفوح روائح الدم اليانع من زغاريد مجاهدات النكاح الحالمات بفحل
يرفعهن على رأس قضيبه إلى جنان الخلد.

قشعريرة تسري في مخيلتي
وأنا أسمع نشيج وطني في عروقي
كدبيب الأزمنة والعصور تحت ظلال زقّورة أور
وأنا أتأمل تلك الأطلال الحافلة بالشموخ والكبرياء
أتذكر جبروت الجيش الآشوري وهو يتأهب لخوض الحرب
وصخور الجبال تئن تحت وطأة أقدامه
فأذرف دمعة على قبر نبوخذ نصّر
وأسلم زمامي إلى طائر الريح.

قلبي طاعن في الحزن
وروحي مثقلة بالألم
وأنا أرى وطني الزاخر بالسنابل والأغنيات
تطئه أقدام كلاب الصحراء
وتطفئ في جنباته همسات النخيل
وتحطم قيثارة سومر
وتدنّس معبد الإيساكيلا المبجّل
وشيوخ القبائل منهمكون بتقديم التعازي للموتى الذين لا زالوا على قيد الحياة.

يا وطني!…
حين أراك تحتضر في سرير اليأس
تتفتق أكمام براعم الذكريات على أغصان مخيلتي المتكسّرة
وحين أراك مضرّجا بالويلات
وقد حولتك غزوات رسل ابن تيمية إلى بيدر من رماد
أترك وشم خلودي على جسد الأرض
أحمل مناديل الدمع
وأمعن في الشتات… على أمل
أن يصل كلكامش المخلّص قبل فوات الأوان
كما في كل حين
ليمتشق البرق ويتدرع بجلد السماء
ويبيد كل الوحوش الضارة
يعيد عشتار المسبية إلى زهوها
ويعيد بلاد الرافدين إلى مجدها
لتنعم البلابل والزهور والرياح والأنهار بالحرية والأمان.

وطني جنة الفقراء والخالدين
حولته وحوش الجحيم إلى مقبرة
ولكن عشتار المقدسة الآمنة والأمينة
لازال العنقود يستحيل في يدها خمرا
ولازلت أسمع وقع خطوات أنفاسها على عتبة روحي
وأفهم كل ومضة ضوء في عينيها بلا ترجمان.

*****
[email protected]
سدني – استراليا

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة