غزة وحماس :سيناريوهات وخيارات صعبة !

التصنيف : دراسات (:::)
د: ناجي شراب – فلسطين المحتلة (:::)
لم تنجح الحرب الأخيرة فى وضع نهاية لحالة الإنقسام السياسى الفلسطينى ، ولم تنجح حكومة التوافق الوطنى على تجاوز هذه المعضلة التى إنعكست على أدائها فى غزة ، ويبدو أن تشكيلة الحكومة كان مقصودا منها ان لا تمارس دورا كبيرا ، فبقيت حركة حماس وجهازها ألأمنى الوحيد المسيطر فى غزة ، وجهازها الإدارى هو المسيطر والمتحكم فى منافذ الحياة فى غزة. وقراءة سريعة قبل الولوج للسيناريوهات المتوقعة ، ان حركة حماس تعتقد انها من قامت بالحرب، وانها من لها أن تجنى الواقع السياسى الجديد الذى أفرزته هذه الحرب، ولذلك هى تصر على بقاء كينونتها التى قد أنفقت عليها الكثير فى غزة ، وادخلتها فى ثلاثة حروب، ومن ناحية أخرى التفكير فى المصالحة بعيدا عن هذا المدخل قد يكون مصيره الفشل، وهذا فعلا ما حدث بالنسبة لقضايا المعابر ، ودمج الهياكل الوظيفية السابقة فى بنية واحدة متكافئة. غياب المنهاج الوظيفى منذ سنوات الإنقسام ألأولى هو الذى عمق من هذه البنية ، اضف إلى ذلك ان الحفاظ على هذه البنية قد تحكمه عوامل خارجية لها علاقة بالتطورات التى تشهدها المنطقة ، وبالمستقبل السياسى لحركة ألأخوان ، وبالموقف الذى تتخذه بعض الدول ذات العلاقة الداعمة لموقف حماس وبقائها كنموذجا ضروريا لإستمرار حركة ألأخوان. وهذا الذى يفسر لنا حالة الفراغ السياسى  التى تشهدها غزة ، وتفسر لنا التداعيات الخطيرة التى ادت إلى تدهور غير مسبوق فى العلاقة بين حماس وفتح، وخصوصا فى أعقاب التفجيرات التى طالت منازل قيادات للحركة فى غزة ، ومنع إحتفال ذكرى أبو عمار الذى كان مناسبة قويه للدفع بعجلة المصالحة للأمام . ولهذا السبب فإن قرار المنع يكشف عن قوى لا تريد للمصالحة ان تتم ,ومع لحفاظ على كينونة غزة كينونة مستقلة تحكمها حركة حماس. لكن الواق السياسى الفلسطينى يفرض نفسه على خيارات حماس ، فمن ناحية مشكلة الإعمار التى لا يمكن القيام بها بدون حكومة التوافق التى قد إكتسبت شرعية سياسية وإقليمة ودولية وهى المفتاح الذى من خلاله ان تتدفق أموال الإعمار. ومن ناحية أخرى تدهور العلاقات مع مصر وإنشاء منطقة عازلة وغلق ألأنفاق من شانها ان يقيد من خيارات الحركة ،وكل هذا له تداعيات إقتصادية ومالية كبيرة تشكل عبئا على أى حكومة تريد أن تحكم غزة ، بسبب ضيق مصادر الدخل وتناقصها ، لمواجهة بنية إدارية وأمنية وعسكرية فاقت القدرات المتاحة ، وإذا ما اضفنا لذلك تداعيات الإعمار ، وتفشى الفقر والبطالة فهذا يعنى ذهاب قطاع غزة لخيار الإنفجار الذاتى الذى سيشكل تحديا على بقاء حماس وقدرتها وإستمرارها ، وقد يعقد ألأمور لأنه فى هذه الحالة من الخطأ التعامل مع هذه الإحتمالات بالأساليب الأمنية ، أو بزيادة الرسوم والضرائب، كلها خيارات تؤدى لمزيد من التعقيدات ، وفى هذا السياق لا بد من الإشارة إلى بيئة الخيارات المتوقعة التى يمكن لحركة حماس قبل تناولها بالتحليل، وثانيا لا بد من تحديد ألأهداف من وراء الخيارات المتوقعة ، وبالنسبة لأهداف الحركة أمامها هدفان أساسيان متناقضان ، الهدف ألأول هو هدف المصالحة ، فحتى هذه اللحظة تؤكد حركة حماس على خيار المصالحة كخيار إستراتيجى ، وهذا التأكيد تزامن حتى مع الساعات ألأولى لسيطرتها على غزة ، لكن الواقع والممارسة تؤكد عكس ذلك ، وذلك من خلال إنشاء بنية مغايرة تماما لبنية التصالح ، بنية إعتمدت على المعايير الذاتية للحركة ، ولهذا بقيت الحركة محتفظة بكل مسميات السلطة الوطنية ، ولم تجرى عليها أى تغيير.والهدف الثانى وهو هدف اساس الحفاظ على غزة كإنجاز كبير حققته الحركة ، ولا يمكن التنازل عنه، وقد يشكل نواة صلبة على مستوى السياسى للحركة ألأم, والمستقبل السياسى الذى تتطلع إليه الحركة فى مد سيطرتها على كافة الأراضى الفلسطينية . وقد إرتبط بهذان الهدفان ، الوسائل والخيارات التى تتمسك بهم الحركة وأول هذه الخيارات وهو الخيار الأوحد لها خيار المقاومة وتنامى القدرات العسكرية ، وبناء بنية متطورة ، وهذا الخيار يرتبط به خيار التصعيد العسكرى وخيار الحرب فى تحديد علاقتها بإسرائيل وهى المحدد الثانى لخيارات الحركة كما سنرى . وفى الوقت ذاته أبدت مرونة سياسية فيما يتعلق بالخيارات السياسية كالمفاوضات ، والإتفاقات الموقعة بين السلطة وإسرائيل، وفى مفهومها للتسوية والدولة الفلسطينية ،وهنا تبرز آلية الهدنة التى يمكن أن تشكل بديلا لخيار التفاوض.وهذان الهدفان من ألأهداف الغير متجانسه بل والأهداف الطاردة ، وهذا ما يفسر لنا التناقض فى سلوك المصالحة والإنقسام والتارجح بين الهدفين. ويرتبط بالأهداف المحددات أو مايسمى ببيئة الخيارات ، وهنا تبرز العديد من المحددات ، وهى كما ألأهداف محددات متناقضة غير متجانسة ، بل العلاقة بينهما علاقة تصارعية وتنافسية فى كثير من ألأحيان وهو ما ينعكس على القرارات المتناقضة فى التعامل مع المصالحة  . وهذه المحددات بإختصار : المحددات على مستوى الحركة ذاتها ، والتطورات السياسية التى لحقت بها كأحد الفواعل من غيرالدول التي إكتسبت دورا مهما على الصعيد الفلسطينى وألإقليمى وحتى الدولى ، وكان لا بد من الحفاظ عليه ، وهذا يتطلب ويستوجب مرونة وقدرا أكبر من التكيف السياسى من الحركة مع المتغيرات والتحولات السياسية على المستوى الفلسطينى ، والتعامل مع سياسات المحاورألإقليمية ، والرغبة فى الحصول على شرعية دولية وإقليمية , وفى هذا ألإطار قد تبرز الخلافات فى الرؤى والإجتهادات بين الداخل والخارج للحركة ، وبين ألإعتبارات ألأمنية والعسكرية والسياسية ، وهو ما قد ينعكس فى صعوبات القرار الذى يتخذ على مستوى الحركة ، ويحدد مسارات علاقاتها فلسطينيا وإقليميا ودوليا، وهنا لا بد من التاكيد على محدد العلاقة مع حركة ألأخوان المسلمين ، وما لحق بها من تطورات ، وخصوصا علاقة ألأخوان فى مصر ، وما ترتب على هذه العلاقة من إعتبار الحركة إرهابية على المستوى المصرى ، ولا أحد يمكنه ان يتجاهل تداعيات هذا القرارعلى مستقبل حركة حماس بمصر، وتعقيدات هذه العلاقة ، التى وصلت إلى حد التوتر والتأزم وإتهام حركة حماس بأن لها دورا مباشرا بما يجرى فى مصر، ويبقى هذا المحدد عاملا حاسما فى خيارات الحركة ، والتخوف من أن تصل الأمور إلى مستوى إصدار قرار بنفس التهمة ،وإمتداد هذا التأثير على مستوى القرارات التى تصدرها دول عربية مثل الإمارات والسعودية العربية وإعتبار حركة ألأخوان حركة إرهابية . هذا محدد مهم فى تحديد خيارات حماس وأولوياتها ، واهدافها ، وقد يستوجب منها مراجعة قبل فوات ألآوان لأولوياتها وسياستها . ومن المحددات المهمة ايضا المحدد الفلسطينى والعلاقة مع مؤسسات السلطة الفلسطينية كمنظمة التحرير، ومؤسسة الرئاسة والحكومة , وهنا الشرعية الإقليمية والدولية التى تفتقرها حماس ولا تستطيع أن تتجاهلها، ومن ناحية أخرى لا تملك حركة حماس فى هذه المرحلة خيار الإنفصال التام وإعلان غزة إمارة إسلامية ، لأن مثل هذا إعلان يحتاج إلى تغير فى بنود ميثاق الحركة فيما يتعلق بالتعامل مع إسرائيل، وفى إعادة تقويم علاقاتها بمصر، وبالسلطة الفلسطينية ، وفى كيفية التعامل مع الكل الفلسطينى فى غزة ، ناهيك ان هذا المحدد تحكمه أيضا القدرات ألإقتصادية والموارد المتاحة على مستوى غزة وهى شحيحة ، ولا تكفى لقيام حكم مستقل بالكامل ،وللتغلب على ذلك يبدو المطلب بميناء بحرى ومطار جوى ، ولكن هذان ألمطلبان يرتبطان بالتحولات السياسية على مستوى الحركة فى علاقتها بإسرائيل ونزع سلاح المقاومة  .وعليه هذا المحدد الفلسطينى لا يساهم فى الدفع فى إتجاه خيار الإستقلالية الكاملة ، ولذلك حماس فى حاجة لهذا الإطار أو الكينونة السياسية الفلسطينية التى من خلالها ان تحل كثيرا من مشاكلها وتجد حلا لخياراتها. والمحدد الآخر والذى يشكل قيدا على خيارات الحركة العلاقة م مصر، وهنا تأثير المحدد الجغرافى على إعتبار ان غزة لها معبرا وحيدا يربطها بالعالم الخارجى ، وهو معبر رفح ، وتحكم مصر فيه ، ومن هنا فتحديد  طبيعة هذه العلاقة  مهم جدا ، ومنذ سيطرة حماس على غزة ونظام الحكم  فى مصرتعامل مع الواقع الذى فرضه هذا الإنقسام دون الإعتراف به كسلطة شرعية ، وهذا يفسر لنا التوتر المستمر فى العلاقة بين الحركة والنظام فى مصر، إلى أن جاء حكم الأخوان القصير والذى شكل بابا واسعا وإنفتاحا كبيرا لخيارات حماـس وأراحها من كثير من الخيارات ألأخرى ، لكن هذه العلاقة لم تدم طويلا بعد سقوط حكم ألأخوان ، وقيام نظام حكم جديد برئاسة السيسى المدعوم بالمؤسسة السكرية والإرادة الشعبية  بعد إنتخابه رئيسا فى إنتخابت شعبية ، وبعد نجاح الحكم فى فرض وجوده إقليميا ودوليا وتثبيت حكمه فى الداخل، وما تبع ذلك من دخول مصر فى دوامة من العنف تحملت حماس مسؤولية كبيرة ، وإتهامات مباشرة ، ووصلت ذروة هذه العلاقات بغلق معبر رفح ، وإقامة منطقة عازلة على الحدود مع غزة لأول مرة ، وهو ما يعنى أن تفقد غزة مكونا أساسيا ،او معطى إستراتيجى وهو المكون ألأمنى الذى تشكله فى الأمن المصرى ، وفقدان ألأنفاق كركيزة إستراتيجية من إستراتيجيات الحركة. ، هذا المحدد يفرض على الحركة مراجعة كاملة لخياراتها ، وطبيعة علاقاتها مع النظام الحاكم فى مصرن ،هنا الخيارات لا تحتمل الخيارت العدائية ، فهذا لا يصب فى صالح الحركة ، بل يستوجب عليها تصحيح علاقتها ، ومحاولة مراعاة خصوصية حالتها الفلسطينية ، وحالة الإحتلال ألإسرائيلى ، ولا يمكن تصور اى خيار على مستوى غزة دون مراعاة هذه العلاقات، وخصوصا فيما يتعلق بخيار الحرب والتصعيد العسكرى مع إسرائيل.ولا شك أن غلق النفاق، وإنشاء المنطقة العازلة وما يتبعها من إجراءات أخرى كحفر قناة مائية ، مع إستبعد الميناء البحرى والمطار كل هذا يجعل من غزة منطقة منفصلة ومعزولة عن كل عوالمها الخارجية ، ويؤدى لتقليص خيارات الحركة الذاتية ، وأما المحدد العربى وألإقليمى ، فلا يشكل بيئة صالحة إلى حد كبير بالنسية لتوسيع خيارت الحركة ، فعربيا التراجع واضح فى القضية الفلسطينية كقضية لها نفس الأولوية على سياسات أجندات الدول العربية ، وثانيا إنشغال الدول العربية بثورة التحولات العربية وما ترتب عليها من بروز قوى للحركات الإسلامية ، وخصوصا حركة ألأخوان التى حققت مكاسبا سياسية فى بعض الدول العربية كتونس تحديدا، وذهاب بعض الدول العربية كما أشرنا إلى إصدار قرارات بإعتبار حركة ألأخوان المسلمين حركة إرهابية كمصر والإمارت والسعودية العربية ، وما لهذه القرارت من تداعيات مباشرة فى التعامل مع حركة حماس، فحتى على الرغم من صدور قرارا واضحا بالنسبة لحركة حماس بإعتبارها حركة فلسطينية ، وتواجه الإحتلال الإسرائيلى ، فقد يصعب إعتبارها كذلك، لكن المعاملة لن تكون بعيدة ، وهذا يفرض على الحركة مراعاة خصوصيتها الفلسطينية الوطنية ، وثالثا إنشغال الدول العربية بمواجهة الخطر الذى تمثله حركة داعش ، والحركات ألإسلامية ألأخرى العاملة فى عدد من الدول العربية والتى صدر بحقها أيضا قرارات بإعتبارها إرهابية ، ووجود إمتداد لبعض الحركات فى غزة ، كل هذا سيؤثر على مستقبل الحركة فى غزة ، وفى كيفية التعامل، وقد يفرض عليها قيودا وأعبائا كثيرة ، وتتحدد العلاقة معها بمدى قرب أو بعد حركة حماس من هذه الحركات. أما العلاقات الجيدة والداعمة لبعض الدول العربية كقطر وتونس ففى النهاية مصالح الدول تحكمها معايير تختلف عن المعايير التى تحكم الحركات مثل حماس، ولا يمكن البناء عليها طويلا فى ظل ما يسمى بالحراك العربى ، لكن هذا الدعم قد يشكل منفذا او مخرجا للحركة من دائرة الخيارات المغلقة . وفيما يتعلق بالعلاقة مع الدول الإقليمية كإيران وتركيا ، وعلى الرغم من العلاقة الجيدة والتى تشكل عمقا ، ومخرجا للوضع العربى الضاغط، لكن فى النهاية مواقف هذه الدول تتوقف على حسابات الدور والمكانة التى تسعى لها ، وعللى تحالفاتها الإقليمية والدولية ، ومصالحها العليا,  فلا مجال للمقارنة بين مواقف هذه الدول ومصالحها القومية ، وبين دعمها للحركة ، ففى النهاية السياسة مصالح ، وتتبدل العلاقات بين الدول بأسرع مما يعتقد، وكما يقال فى السياسة دائما:إن ألأمة أو الدول ليس لديها أصدقاء دائميين أو أعداء دائميين فقط مصالح دائمة.ومن هذا المنظور لا يمكن القول ان العلاقة بين حركة حماس وهذه الدول هى علاقات بين دول، او علاقة متكافئة ، بل بقدر تحقيق الحركة لدور فى دعم وتحقيق مصالح هذه الدول بقدر دعمها. وهذا النمط من العلاقات ليس دائما ، بل وقتيا. وإلى جانب ذلك نرى كثير من الدول العربية تذهب لحالات من الفشل والإنهيار وإحتمالات التقسيم كسوريا التى كانت تشكل نموذجا للتحالف مع الحركة ، وينطبق عليها التوصيف السابق، وايضا اليمن . كل هذه التحولات تشكل قيدا على خيارت الحركة فى المدى القصير,ولا يمكن التعامل مع هذه التحولات بحسابات الرهانات أو التوقعات السياسية غير الممكنة ، بمعنى توقع مثلا سقوط انظمة الحكم فى دول معينه، كمصر وعودة حكم ألأخوان، على مثل هذه حسابات يصعب بناء خيارت سليمة ، وهو ما يفرض على الحركة قدرا أكبر من التوافق والتكيف مع هذه التحولات ، بما يحفظ بقائها ، وإستمرارها ، وهذا يتطلب أن تنأى الحركة بنفسها عن هذه التطورات ، وتخرج نفسها من دائرتها ، وهنا يشكل الإطار الوطنى الفلسطينى حاميا وحافظا للحركة ، وهو يتطلب التأكيد على البعد الوطنى الفلسطينى ومراعاة خصوصيتها دون الإعلان الصريح بقطع العلاقة بالحركة ألأم ، بقدر الحفاظ على خصوصية الحالة الفلسطينية .أما المحدد الدولى فلا شك يمكن القول ان حركة حماس قد حققت تقدما وإنجازا ، ونجحت فى قيام علاقات مع دول مهمة مثل روسيا، وفتحت إلى حد ما نافذة علاقات مع دول اوربية ، وحتى مع الولايات المتحدة ، ونجحت فى توظيف الديبلوماسية الشعبية ، ولذا يلاحظ أن حركة حماس قد خرجت رابحة فى الحربين ألأولى والثانية ، لكن الحرب الأخيرة التى خرجت منها حتى اللحظة خاسرة.وهذا المحدد مهم جدا لحركة مثل حركة حماس الساعية للحصول على شرعية دولية ، لكن الدول النافذة على المستوى الدولى ربطت موقفها من الحركة بمدى إعترافها بالمعاهدات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وبنبذها للعنف، وإعترافها بإسرائيل، وحاولت الحركة أن تبدى قدرا من المرونة والتكيف، لكن ليس إلى المستوى الذى يستجيب لمطلب هذه الدول. ومن ناحية أخرى التعامل مع الحركة جاء فى أعقاب فوزها فى الإنتخابات الفلسطينية التى شكلت فرصة كبيرة للحركة فى إكتساب شرعية كاملة من خلال السلطة الفلسطينية ، وهو ما يعنى العودة ثانية للخيار الفلسطينى ، وفى تحديد أبعاد علاقتها بإسرائيل، وخصوصا بعد إنسحاب إسرائيل الأحادى من غزة ، فكانت هناك فرصة لحركة حماس لو نجحت فى تقديم غزة كنموذج حضارى وسياسى ديموقراطى ، ونموذجا إقتصاديا ، تنمويا ، بعيدا عن تحول غزة إلى ثكنة عسكرية ، وعلى أنها نموذج لعلاقات الحرب، وكان هذا يتطلب مراجعة فى خيارات الحركة ، وفى مراجعة لخيار المقاومة فى بعدها العسكرى فقط   ,على إعتبار ان غزة وبكل معطياتها السكانية والجغرافية وطبيعتها الطبوغرافية لا يمكن أن تشكل قاعدة ناجحة للمقاومة المسلحة ، والتى أدخلت حركة حماس فى دائرة خيار الحرب فقط، وهو خيار مكلف كثيرا على مستوى الحركة ، ومستوى غزة ذاتها. وهذا ما لمسناه فى الحرب الأخيرة من تدمير بنية الحياة فى غزة ، وتوقف عملية الإعمار وتشكيل كينونة سياسية فلسطينية تصالحية تمثلت فى حكومة التوافق الوطنى ، والتى لا يمكن القفز عليها فى هذه المرحلة ، وتبقى خيارا قائما ، واما المحدد الأهم فى هذه الخيارات هو المحدد الإسرائيلى الذى يتحكم فى منافذ غزة البرية والبحرية والجوية ، والعلاقة هنا تقوم على العداء المرن ، وعلى الإعتبارت ألأمنية الخاصة بإسرائيل كون غزة تقع فى الدائرة ألأولى لأمن إسرائيل ، واى تطور فى أسلحة المقاومة يصل إلى المدن الإسرائيلية المتاخمة  أو ما يسمى بغلاف غزة ، وهنا إعتمدت إستراتيجية حماس على ركيزتين وهما ألأنفاق ن والصواريخ المطورة ، وهما ما حاولت إسرائيل تقليص تأثيرهما فى الحرب الأخيرة ، لكن تبقى هاتان الركيزتنان محكومتان بالوضع الجغرافى والسكانى لغزة ، وفقدان غزة للعمق الأرضى ، وقدرة إسرائيل على الوصول إلى أى مكان فى غزة ، وقدرتها التدميرية التى قد تصيب القطاع بدرجة عالية من الشلل الحياتى . والعلاقة إما ان تكون علاقة حرب دائمة هو خيا ركارثى كما سنرى ، وإما هدنة دائمة تؤثر فى مضمون خيار المقاومة وتفقدها مصداقيتها،
والسؤال ماذا عن الخيارات والسيناريوهات المتوقعة والممكنة؟ تتأرجح السيناريوهات والخيارات بين أكثر من خيار ، وقد تصنف بأكثر من تصنيف ما بين خيارات متشائمة أو خيارت متفائلة ، أو خيارأت صعبة إرتدادية ، وخيارات عقلانية أو غير عقلانية ،وخيارات مصالحة وخيارت إنقسام، لكن فى ضؤ الأهداف والمحددات يبدو لى أن الخيارات محدودة وليس هناك مجال للمناورة الواسعة ، وأبرز هذه الخيارت :
خيار العودة للحرب من جديد
حيث أن الحرب ألأخيرة لم تنتهى بعد، ومازالت تداعياتها قائمة ، وأهدافها لم تتحقق، والمتمثلة فى رفع الحصارالشامل على قطاع غزة ، والمطالبة بميناء بحرى ومطار جوى تجسيدا لرفع الحصار، وحيث ان المفاوضات قد توقفت بسبب ألأوضاع ألأمنية فى مصر من ناحية ، وفى أعقاب التفجيرات التى إستهدفت قيادات فتح فى غزة ، وما ترتب عليها من عدم إحياء ذكرى الرئيس أبوعمار ، مما عمق من فجوة دم الثقة بين الحركتين ، وإستحالة إجراء المفاوضات مع الجانب الإسرائيلى بدون الوفد الموحد، والتخوف من توجيه إتهام مباشر للحركة فى التفجيرات التى إستهدفت جنودا مصريين، مما يعنى صعوبة إستئناف المفاوضات ، وفى الوقت ذاته لا توجد أى ضمانات لإستمرار التهدئة فى غياب أى إتفاق ، فتبقى إحتمالات هذا الخيار قائمة ، وبدرجة عالية ، إعتقادا من حركة حماس فرض مزيدا من التدخل الخارجى لتلبية المطالب الفلسطينية ، لكن هذا الخيار يدخل فى سياق الخيارات الغير عقلانية لأنه فى النهاية الحرب تحتاج إلى بيئة مساندة داخلية وخارجية ، وهذه البيئة ليست متوفره ، بل تعمل ضد هذا الخيار ، ولذا ففى حال وقوع حرب جديدة قد تكون نتائجها هذه المرة أكبر على مستوى حركة حماس. وتدرك حركة حماس ان إستئناف الحرب من جديد قد لايأتى بنتائج أفضل، بل قد يضعف موقفها ، وقد تذهب إلى حرب برية مكلفة . وتؤدى لمزيد من التدمير للبنية التحتية الهشة ، ويزيد من المعاناة الداخلية ، وقد لا تجد تأييدا خارجيا داعما . و ستكون حربا غير متكافئة لقدرة إسرائيل على تعويض ما خسرته فى الحرب الأخيرة وصعوبة ذلك بالنسبة للحركة بسبب غلق الأنفاق ، وإستمرار سياسات الحصار. وقد تخلق قوى ضغط داخلية رافضة للحرب.
خيار العودة للحكم السابق أو تشكيل إدارة وطنية
وهذا الخيار لا يبدو خيارا واقعيا ، لأنه يعيد ألأمور إلى ما كانت عليه قبل الحرب، وقد يعنى وقف كامل لمشاريع الإعمار فى غزة ، ويزيد من سياسات الحصار المفروضة على غزة ، وخصوصا فى اعقاب تأزم العلاقات مع مصر، وغلق معبر  رفح، وإنشاء المنطقة العزلة ، وهو ما يعنى زيادة الأعباء المالية الخانقة التى واجهتها الحكومة السابقة ، والتى كانت أحد ألأسباب التى دفعت حركة حماس للمصالحة والموافقة على تشكيل حكومة التوافق الوطنى ، ترتيبا لأوراقها وإنتظارا لتحولات سياسية فى المنطقة قد تعمل لصالحها ، هنا عنصر الوقت يلعب دورا مهما فى تحديد هذا الخيار. وما يزيد ألأمور تعقيدا التحديات التى تفرضها حالة الإعمار ، والتى تخرج عن نطاق سيطرة أى حكومة فى غزة ، وفى الوقت ذاته إكتسبت حكومة التوافق شرعية إقليمية ودولية ، وهى العنوان الذى من خلاله سيتم تدفق ألأموال المخصصة للإعمار. اما اى حكومة أخرى أو إدارة وطنية فستفتقد هذه المقومات الضرورية لعمل اى حكومة ، ولذلك هذا الخيار ليس واقعيا ، وبالتالى الحديث عن سحب الثقة من الحكومة ليس إجراءا سليما ، بل الأفضل هو التعامل مع هذه الحكومة من خلال تفعيل دورها ومنحها مزيدا من الصلاحيات والسلطات ، والعمل على توسيع دائرتها بمشاركة أوسع فى وزارتها ، ومن شان هذا الخيار ان يزيح عن الحركة الكثير من المشاكل، بل إن ترك الحكم فى هذه المرحلة قد يكون مفيدا لعملية مراجعة كاملة على مستوى الحركة ،وقد يحفظ عناصر قوتها وتطويرها بعد الحرب، ويعفيها من اى تحديات ومسؤوليات فى حال فشل الإستجابة لمطالب المواطنيين فى غزة ، هذا الخيار مرادفه خيار ترك الحكم بلكامل من خلال درجة من المشاركة الوظيفية،ومن خلال تفعيل مؤسسات السلطة كالسلطة التشريعية ، ومؤسسات منظمة التحرير  ، وهذا ينطبق على المعابر التى من مصلحة الحركة ان تجد حلا لها.
خيار الإنتفاضة الثالثة
ترى حركة حماس أن المجال الحقيقى للمقاومة قد يكون فى الضفة الغربية ألأكثر إلتصاقا وقربا بإسرائيل، والمتداخلة معها أرضا وسكانا. وتدرك أن هذه الإنتفاضة قد تغير من معادلة القوة السائدة بين الحركة والسلطة ، وقد تفضى بإنهيار السلطة وبالتالى خلق واقعا سياسيا جديدا ، يخفف عنها ألأعباء المفروضة عليها فى غزة ، وتنقل بؤرة الإهتمام من غزة إلى قلب هذه الإنتفاضة ، وتعتقد أنه هذا الخيار كفيل بأن يعطى لحماس دورا أكثر تأثيرا وفعالية ، ويكسبها شعبية أكبر تفيدها فى اى إنتخابات قائمة . وهذا وتستفيد الحركة من الإنسداد السياسى فى افق التفاوض، وفى السياسات العنصرية والتهويدية وسياسات التصعيد ، وإنتهاك باحات المسجد الأقصى ، وفرض إسرائيل لقوانين التقاسم الزمنى ، ومحاولة إخراج القدس من سياقها الإسلآمى والفلسطينى والعربى والحضارى ، وتدرك حماس أن القدس كمكون دينى تثير سلوكيات المسلمين وتحشدهم ضد ما تقوم به إسرائيل، لذلك يشكل هذا الخيار احد الخيارت المخرج للحركة فى وقت إنسداد الخيارات ألأخرى . وكما جاء فى أحد تصريحات السيد خالد مشعل حول فعالية هذا الخيار بقوله: أما فى الضفة الغربية فإن غياب المقاومة فيها منذ سنوات ليس تغييرا فى الأصل والمبدأ ، ولكنها الضرورة الملجئة لشعبنا، حيث الضغط ألأمنى الهائل من كل الإتجاهات من القريب والبعيد، بالنسبة لنا فإن تراجع الأدا المقاوم هو إضطراروأمر واقع نسعى لتجاوزه. وتصريح القيادى فى الحركة محمود الزهار أطلقوا النار على رؤوسنا إن لم ننقل تجربة المقاومة للضفة الغربية ، وتصريح القيادى موسى أبو مرزوق نحن على ابواب إنتفاضة حقيقيةلا يمكن إجهاضها. ولعل دواع الحركة من هذا الخيار أنها تعمل على تغيير المعادلة السياسية فى الضفة الغربية لتعزيز وجودها، ، وثانيا أن غزة بواقعها الجغرافى والسكانى لا تشكل قاعدة إنطلاق حقيقية للمقاومة ، حيث أصبحت غزة تشكل عبئا على الحركة بسبب ما يفرضه الحكم والمساحة الصغيرة من مسؤوليات إتجاه اكثر من مليون وسبعمائة الف نسمة  لا يمكن تجاوزه. وبسبب سياسات الحصار وغلق المعابر.وتعتقد حماس أن لها قدرات كبيرة فى الضفة الغربية ، وتستطيع أن تحسم لصالحها ، وأنها قادرة على تحقيق نتائج حاسمة فى الإنتخابات بسببب السياسات ألأمنية الممارسة من قبل السلطة فى الضفة الغربية . فى الوقت الذى تعانى فيه حركة فتح من إنقسامات وخلافات داخلية . وأن من شأن هذا الخيار ان يعيد للحركة حيويتها كفاعل فلسطينى لا يمكن تجاوزه فى أى معادلة سياسية مستقبلية.وهكذا نرى أن هذا هو الخيار المتاح ألآن أمام الحركة ، وعلى الرغم من منطقية الحجج التى تبرر قيام الإنتفاضة كخيار للحركة فى سياق صعوبة أو إستبعاد الخيارات ألأخرى ، لكن هذا الخيار ايضا تقابله كثير من المعوقات التى قد تحد من فعاليته ، فمن ناحية حالة ألإنقسام السياسى الفلسطينى تضعف منه، وحرص السلطة على إحتواء كل مظاهر التوتر الذى قد يؤثر على خياراتها كالذهاب إلى ألأمم المتحدة ، وتنامى الإدراك لدى النخب العربية فى داخل إسرائيل خطورة إمتداد الإنتفاضة على ثبات وصمود وجودهم ا لذين يرون فيه أفضل خيار لنيل الحقوق، وفى الوقت ذاته السياسات التصعيدية التى تمارسها إسرائيل قد تحدد من فعالية هذا الخيار، وإدراك سكان الضفة الغربية أن الوضع لديهم قد لا يشجع على الإنتفاضة ، ناهيك أن إستمرار العمليات الفردية للمقاومة وغياب الرؤية الإستراتيجية أيضا من العوامل التى تحد من فعالية هذا الخيار ، وأن من شأن هذه عمليات قد تضع ألسلطة فى مواجهة مع بعض الحالات مما قد يعقد من الحالة الفلسطينية ويزيدها إنقساما ، وتأزما، لكل هذه ألأسباب قد لاينجح هذا الخيار ويبقى فى إطار ضيق يمكن إحتوائه والتغلب عليه ، وفى حال تراجع هذا الخيار ، وإحتمالات ذلك كبيرة ، ومع صعوبة الخيارين السابقين يبقى أمام الحركة خيار العودة لخيار المصالحة الفلسطينية ، وتصحيح العلاقة ، ومعالجة المشكلات التى تواجه المصالحة ، مما قد يفرض عليها مزيدا من المرونة السياسية والإستجابة لتنفيذ الإتفاقات التى تم التوقيع عليها. وهذا الخيار خيار العودة للحكم الفلسطينى من خلال حكومة التوافق الوطنى ، وتفعيل دورها ، والدخول فى العملية الإنتخابية التى  قد تحقق للحركة نتائجا إيجابيه ، وتضمن لها مشاركة قوية وفاعلة ، هذا الخيار الأكثر عقلانية ، وأما الخيار الثانى الذى يفرض نفسه على الحركة تصويب وتحسين علاقاتها بمصر ، ومن شأن هذا الخيار أن يعيد فتح ملف التفاوض مع إسرائيل لتحقيق الأهداف التى من أجلها ذهبت الحركة للحرب، وفى حال تحقق هذه الأهداف ينتفى خيار العودة للحرب، ويوفر على الحركة أعباءا كبيرة ، وفى الوقت ذاته هذا الخيار يسهل فتح معبر رفح، ويسمح بتحسن ظروف المعيشة فى غزة ، ويفتح آفاقا لعلاقات أفضل ، قد تساهم فى المدى البعيد فى قيام حماس بدورا ما فى علاقات مستقبلية بين الحركة والنظام تساهم فى إحتواء مشكلة العنف ، وبالتالى تساهم حماس ويكون لها دور مهم فى حفظ أمن مصر، هذا السيناريو إحتمالاته واقعية ، ويحقق للحركة كثيرا من ألأهداف المستقبلية فى لعب دورافاعلا سياسيا على مستوى القضية ، وعلى مستوى التطورات السياسية فى المنطقة .
دكتور ناجى صادق شراب
[email protected]

ملاحظة : هذه الدراسة تعبر عن رؤية اكاديمية خاصة .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة