قطاف الوجدان و اعترافات الشاعر “محمود محمدأسد” في ديوانه

التصنيف : اصدارات ونقد (:::)
بقلم : عبد الرزاق معروف – حلب (:::)
اعترافات برسم القلق
سمعناعن أغاني الحبيب المجهول،وقرأنا القصائد عن الحبيب المفقود. ولو توغّلنا في استكناه تلك النفوس المرهفة، وتلمّسْنا آهاتِ عمقها اللاهفة لرأينا أنّها تبحث في بحار شوقٍ وحنين للوجود بل هي الحنينُ إلى معنى حقيقيّ لوجود يلملم تشظّي الشخصيّة المركونة على قفراء البيئة القاهرة والمقهورة لما فيها وما يحيطها من جهالة وفقر وآفات وعقد قاهرة، تدفع الفرد إلى كلّ أشكال التمزّق والضياع وفقدان الاتجاه الصحيح. فتحيط بالإنسان سيول وفيضانات من الأسئلة والفلسفات والمصطلحات والإغراءات والأوهام والأحلام التي تمتزج مع الشقاء رغم ما يتوهّمه من عزاء أوخلاص.
والشعرهو ذلك الغدق الثّريّ بالعفويّة والتلقائيّة، وهوذلك الهتاف المرهف بالإنسانيّة، الأهيف من أجل لقاءأحلى، وعزاء أولى، وحياة أسمى:
حبيبي وبعض العتاب صفاء           أبعد العتاب يطيبُ اللّقاء ؟
أحنّ إليكَ، وقلبي  يبابٌ                فكيفَ أطيرُ وأنتَ الفضاء ؟
إنك لتعجب من معاناة الشاعر محمود محمد أسد والذي يأبى إلاّ أن يتماسك ويتوازن ويصرّ على المضيّ في الدروب التي اختارها عن قناعة، لا يخفيها ديوانه الصادر عن دار الثريّا. تراه يمضي في دروب الخير والجمال والحبّ والوفاء للأهل والأسرة والأصدقاء رغم سوافي تلك الرياح. وهذا اعتراف من الشاعر يُبدي الكثير من وراء الكلمات:
على درب الضّياع نسجْتُ عمري         ولكنْ مزّقوهُ بالدّهاءِ
أجلْ إنّ البكاءَ صديقُ عمري              ودمعي صارعربون الوفاء
تُرى هل هي معاناة حبس الارتواء لقيم الحبّ والسّموّ والوفاء؟  في عالم يضجّ بالمعايير الماديّة، والأقنعة الاستلابيّة  عبر المسيرة البشريّة. إذاً ياويل البلابل من أحابيل النفاق ووحشة الفراق، وانتظار التلاقي:
أسابقُ حزني /   وأرجوهُ كتم أنيني / ولجم بكائي/ فخيرٌ لمن يستبدُّ الأسى/
في منافذهِ أن يعيش/ على الأمنيات./
نرى الكثير ممّا ذكرناه في ديوانه اعترافات باسم القلق. والعنوان مؤشّر لما نستنتجه ونحكم عليه. الديوان يحوي ستّا وعشرين قصيدة موزّعة بين شعر الشطرين وشعر التفعيلة. والقصائد تدوركلّها في فلك الإنسانية وتنهل من رحلة العمر الحافلة بالمنغصّات والباعثة على القلق. وهي رحلة وفيّة بالتزاماتها وواجباتها الخُلقية على قدر كبير من المسؤولية التي تشي بها العناوين والجمل والصور والمشاعر.(ثنائيّة العشق والهجر – أعلنتُ رفضي وعشقي – ابتهال – في منبع الإلهام – الحياةسباق – حنين – حلم – سواي بذكر النساء قتيل – درب الياسمين –ولادة –اعتراف تعسّفي – فصول حزينة – مصارحة ..)
الشاعر محمود محمدأسد مشغول بقلقه للبحث عن الأنقى ، يتوق إلى مجتمع إنسانيّ يعمّه الأمن والتعاون، ويناغمه ويؤازوه الحبّ. صار يشبه الحنين إلى الحبيب المجهول كمعادل لهذا الافتقاد الذي تتّقد فاعليّته في نفس الشاعر المرهفة، فيتمكنُ دورُه في اللاوعي كيلا تغفو الحياة في الدّاخل، بل تشتعل من اجل يقين يستحقّ أن يكون معنى للحياة، وكيلا يدور الشاعر في قفراء الوهم، ولا يقع في تهويمات الضياع فإنّه لجأ بنفسه الفياضة بالشعور والإحساس إلى الله تعالى تائبا، عابداً، مستجدياً الرّحمة والهداية كخلاص فرديّ مثمر في علاقة العبد بربّه، فينكشف له دربُ الخير،ويلامس

قلبُه سرَّ الجمال، فيهدهِد أحزانَه يقينُ الهداية :
حنانيكَ ربّي؛ مصابي عظيمُ            ذنوبي تعجُّ، وروضي عقيمُ
سألْثكَ عفوا، يُطهِّرُ ثوبي           ويرسم درباً ، خطاهُ غيومُ
وجدْتُ اليقين يُدغدغُ قلبي         ففي الكونِ سرٌّ بهيٌّ عظيمُ
في هذا الومض الروحي يأسى الشاعر للآخر الذي مازال عبر التاريخ سلبيّاً،لا يزاول إلاّ البكاء على أطلال الماضي  :
سكبْتُ الأماني قصيدا وشهداً      وما زلتَ تبكي  أمامَ الطّلول
الفضاء الشعري لهذا البيت والموقف يدعوك للحسرة والدهشة على هذه الأمة التي وقف شاعرها الأوّلُ امرؤ القيس فاستوقف واستبكى وبكى، وجرّد لخطابه من نفسه صاحبين كما جرّد شاعرنا محمود أسد من نفسه صاحباً واحداً، وقال ما قاله الأوّل على وتيرة المأساة النفسيّة التاريخيّة التي بدأ تصويرُها امرؤ القيس :
قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ     بسقطِ اللّوى بين الدّخول فحوملِ
فإلى متى الوقوف على أطلال الماضي والنّكوص إلى الوراء؟ متى يتمّ نضجُ الشخصيّة العربية وشفاؤها من هذا البلاء العقيم؟ وخلاصُها الموهوم المتاح وحده  ما زال بالرّسم بالكلمات كما قال نزار قباني، وسكبه محمود أسد بالأماني؟ وفي هذا السّياق تبقى الأنثى بكلّ مكوّناتها في خيال الشعراء البديل الموضوعيّ لآمالهم وآلامهم، وهي المنقذ من رتابة الحياة أو قهرها في مجتمع متخلّف، لا يمارس \لإنسان فيه حرّيّة الإرادة إلاّ في جموح الخيال وخصب السّؤال  في قصيدة (ولادة) يمتدّ السّؤال المحمول على الأمل :
/ وطال انتظاري/ ويمّمْتُ قلبي إليها / صباحاً رجوتُ الإله طويلا/ وعشتُ رهينَ الأماسي / وأعلنتُ آيات عشقي /
ثمّ يتابع متسائلا  في قصيدة تكوين:  أتأتينَ ماءً وخصبا؟/ أتأتينَ خضرةَ عمرٍ/ وشلاّل حبّ / نديّاً وعذبا؟/
هل هي أحلام اليقظة التي أحرقتها أكاذيب البطولة، ثمّ ذرتْها الرّياح في اللّيالي العقيمة. ما الجواب عند الشاعر الذي يحاوطه التساؤل ويلتف حوله القلق ؟ يهرّب الكثير ممّا في داخله بالقليل من العبارات التي أوجدت لها متّسعا رغم ضيق المسافات:
/ضيّقٌ صوتي / سبتْهُ آهة / يوم العراك / فاغتسلنا بالبلاغات السقيمة / والمسافات تناءت / في ليالينا العقيمة /
فهل يئس الشاعر من غده ؟ وهل استبدّ به الحزن؟ وهل انقطع عن الغناء؟  لا..لا..لأنّه كلّما راى طفلة رأى في وجهها وعدا وأملا، فغنّى لها :
لأنّي أراكِ أمامي/ سأبقى أغنّي /وأمضي إليكِ/ ليهرب منّي السراب /لأنّي أبوك / وقلب الكبير دثار/                    الشاعر يرى في عالم الطفولة ملاذا، ويرى فيه الحلم الذي هرب منه، فالطفولة لها قاموسها وصورها وتداعياتها :
تداعبني سليمى بالعيون                     وترميني بآهات الجفون
تضاحكني وقلبي في انكسار               إذا ما جئتُها أزكت حنيني

عسى أن يكون غناء الشاعر محمودأسد مع الشّعراء الذين مازالوا يغنّون جوقة غدٍ إنسانيّ حقيقيّ أحلى
وأغلى وأجدى. وعندئذٍ لا داعي للقلق، ولا داعي لرسوم – ضريبة الحياة – كالعلق، ولا لعالم مزدان في زنزانة بآلاف القضبان ،وهنا مبعث القلق الباعث في الشاعر عوالَمه ومشاعره:
/ على باب سجنك يا سيّدي / قد كفرْتُ، وأحرقتُ عذب الكلام/ كفرتُ بهم، وبكم من زمان /فهاتوا الدّليل لأعلن عشقي / فإنّي أسير الظّلام/ وإنّي ضحيّةُ أهلِ الكلام ../
لغة الرفض التي تلامسك تثير فيك إحساسا خاصّاً، غير أنها لا تزرع فيك اليأس، ولا تسلّمك للحزن فحسب.بل تصنع في داخلك ماكنت تخشى إظهاره والتعبير عنه بينك وبين نفسك . فكيف بين الاخرين؟:
وإنّي لأعجبُ من مستكين       رمتْه اللّيالي بداء المثولْ
ويقنعُ دوماً بكلِّ مُتاحٍ             ويمشي الهوينى لجني الحقول
أيا صاحِبي؛أسرعِ الخطوَ، إنّي     كسرْتُ الجمودَ، كرهتُ الخمولْ
عجبُ الشاعر وصياحه واحتجاجُه ورفضه دلالاتٌ ومؤشّرات وإنذارٌ في موقف “زرقاء اليمامة “قديما، وأمل دنقل وأمثاله حديثا. في المعاناة التي تشكّل مخاضَ القصائد بين المصائد، وذلك وحده المتاح لشعراء العربية في البيئات القهريّة، والأزمنة التاريخيّة التراجيديّة :
/يا صديقي؛  / بدمي أكتبُ بعضا من معاناتي ونزفي / بدمي أرسم  شيئاً من جراحي/ لن أحيِّيك طويلا / حبُّنا قصَّوا فصولَه / ورقُ الدّنيا قليلٌ / فمدادُ الأرض طولُهْ / من أنادي يا شقيقي ؟ /أحرقتنا تسمياتٌ    /واكاذيبُ البطولة. /
والشاعر رغم هذا القلق الذي وزّعه على قصائده، ولم يُخفِه وراء السطور، بل أعلنه في عنوان الديوان والقصائد وفي الإهداء ،وعبّر عنه بشكل مباشر حينا وبشكل غير مباشر مستخدما التصوير والرمز والتاريخ في أكثر الأحيان، وهذا القلق أحاله إلى أن يكون متماسكا ، فظهرتْ جليّاً تربيته ومكوناته الأسرية والاجتماعية. فكان إجلالُه لمعاني الأبوّة التي ارتوى من سلسالها الطاهر، ونشأ في ظلّها الغامر ممّا جعله بارّا بأسرته :
أبتاه ماذا يبوح جناني ؟                ليت عيني تفديك بالأبدان
فأقاسي ممّا تقاسي أمامي              ما تعانيه هدّ كلَّ كياني
كلّما جئتُ الدّار، زادت همومي         فأناجي ربّا عظيمَ الشان
يا إلهي؛ إنّي وحيدٌ لأمّ                   سوف تبقى في حيرةٍ وهوان
أبتاه؛ إنّ الدموعَ سجامٌ                  غير أنّي استعنتُ بالرحمن
الأبيات تختصر الكثير ممّا ذكرناه عن معاناة الشاعر التي أنضجته ودفعته لمواجهة الحياة بكلّ مفاصلها وتشعّباته. واسالُ هنا: أليس حنوٌّ الأبوّة ونضجُ البنوّة حلاّ للإنسانِ؟ في أصلِ البنيان  هناك عُقدٌ لا يعرف المقهورُ كيف تتنفّسُ في كلامه وأعماله ،حيث يبدأ الخلاص الفردي في اللّجوء إلى الله تعالى
رجوتُكَ  ربّي  وكلّي شعورٌ             بذنبي؛ أغثني وأنتَ الرحيم
رجوتكَ ربّي بردّ بلائي      وإنعاش روحي لأنّي سقيم

ويزداد الألم النفسي، وتتفاقم أزمات الرّوح،والبحث عن الهروب من المأزق، يراه  الشاعرمن زاوية
واسعة تشي بالكثير من الانكسار الحادّ في الظاهر. لكنّها مبعث آخر لقراءة الحالة التي تتلبّسه:
أجل إنّي بشوقٍ للبكاء   عساه يُزيحُ بعضاً من عنائي
على دربِ الضّياع نسجتُ عشقي       ولكنْ مزّقوه بالدّهاء
ولماذاهو دربُ الضّياع؟ الجواب في قصيدته ( سواي بذكر النساء قتيل ). إنّه درب الكائنات التي تشيّأت، وتشابهت، وخسرت معنى وجودها الحقيقي. مارست الحياة ولم تنعم بالحياة. إنّه النفاق بأشكاله وراء النساء والمال والسّلطة. وإنّه مَحرقة الطّيّبين ليستدفئ العميان العتاة، فيا لَدموع الشاعر:
إذا صار الأنامُ بلاشعورٍ      وركنُ البيتِ مفقود الصفاء
وجدْتُ الناسَ حولي في انشغالٍ      وغاصوا في الجهالة والجفاء
فمن كلِ الجهات تهجُّ  نارٌ       وتدهكنا الحرائقُ في انتشاء
ومن الصّور الوجدانيّة لهذه الوقائع المأساويّة ( هشيم الرّوح – رقص السّيوف الخامدة – هشّمته الظّنون – ليال عقيمة – داء المثول – الشّيبُ دبّ دبيب لصٍّ مدمن ..)
ونبقى في ميدان هذا الوعي الجريء الذي أطلق فيه الشاعر العنان فاضحا ومعرّيا زيفَ الواقع وعتمات الوميض الخادغ، وقهر الطّغاة – رغم احتراقاته –  فيأسى للفقراء والضّعفاء في حين  لا يملك إلا وهجَ حروفه العزلاء ورؤيتَه العصماء. والتوجّه إلى الله تعالى بالدّعاء. وكأنّما هو ذاك المتاح للشاعر فيما جرت به المقادر من سنين غوابر..ويا للسّخريّة ؛ إذ يمارس النّاسُ أساليبَ الاستلاب والاستبداد ببراقع الخير والوداد وهم أسرى عقد قهريّة خفيّة لنفوس ضائعة هلاميّة، فتتحوّل الشّوارع في تلك النوازع إلى أشباح الجنون :
كفانا سخريات بعد هذا            أرى أنّا عُجنّا بالجنونِ
ويقول في مكان آخر: / لمدينتي /  نزف الحروف الشاردة ,/ ولفارسي / رقص السّيوف الخامدة / صبراً سنحصد علقماً / من حقل نار وافدةْ ./ ذاك النّهارُ يرفًّ / حول حدودنا، /من يُطلِقُ الصّرخات / والطّلقات في وجه الذي / قد عربدا  ؟ /
ونجد أنفسنا أمام الأسئلة الصاخبة والمحيّرة:  فما الحلّ ؟ هل الانجراف مع الطوفان؟ هل نتصدّى؟ هل نقبل بالواقع والتمزّق ؟ هل نهرب من الواقع ونطلب العزلة ؟ أسئلة لا تنتهي . هل حدّدنا المسار، وحفظنا الهوّيّة ؟ هل أحسنّا قراءة الماضي ؟ هل تعمّقنا في فهم ذاتنا؟ هي البوابات التي فتحها الشاعر في خلجات شعره. لم يستطع لملمتَها وطمرَها جانبا. لم يستطع تجاوزها لأنّه يرى الأمور بعقله ووجدانه وإحساسه .  لذلك نراه يبني حالة عشق وصداقة بينه وبين الموت. يخاطبه كأنثى جميلة، وكحبيبة سلبت منه القيادة ،ولكنّه المطمئنّ إلى نهايته، إلى جوار ربّه قبل الأوان. فالموت بهذا الطرح فلسفة واحتجاج ونهوض :
أرحّب بالموتِ كل دقيقةْ        وأعشَقُ أطيافَهُ وشهيقهْ
إلى الموتِ أوقدْتُ كلّ شموعي    وأرسلْتُ آهاتِ قلبي العميقة

             أراه الصّديق يُكحّلُ عمري   وأشكو إليه جفاء الخليقةْ
هذه القصيدة تحمل في حناياها خلجات نفس حزينة ملتاعة مصدومة:
أيا موتُ زُرْ طالَ حرقي ونزفي   وأنتَ الخلاص لنفسٍ غريقةْ
أيا موتُ بينَ الجوانحِ بوحٌ     دفينٌ. أأرجوكَ ألاّ تعوقَه؟
القصيدة وغيرها من القصائد تسلّمك مفاتيح المعنى. ولكنّها لا تترككَ على الحياد دون تفكير ما دمتَ تتذوّق الشعر وتستكشف أغواره. فآهات الشاعر واحتراقاتُه  صدّرها بالإهداء الذي افتتح به الديوان:
( لبوّابات العشقِ والأمل التي طالما خاطبتها، وسلكتُ مسالكها، وما زلتُ في البحث عنها. أحملها بين أجفاني، وأُسكِنها اوردتي وشراييني. لمن يستطيع أن يعيدَني إليها،ويُعيدها إليّ. لمن يسكب حبّه عذباً في صحراء عمرنا المجدبة )
ترى انطلاقة الحبّ والأمل والشوق والانتماء والغضب والإيمان في مزيج من الصخب والاصطفاء في مختلف القصائد:
/ لمدينتي بوح العذارى/ والجوى /ورسائلُ الحبِّ القديم/ لمن هوى / لعشيقتي كلُّ المواويلِ التي / أيقظتُها في خلوتي / عند السّحرْ/ ولها الوميضُ/ ودربُ حبّي للأبد/ لمدينتي أحلامنا / لعشيقتي أشواقُنا/ ولقاتلي غضبُ السّما/
وهنا يأتينا السّؤالُ: ما الحرّيّةُ؟ من الفلاسفة من عرّفَ الحرّيّةَ بالتّلقائيّة لأنّها فاعليّةُ الفطرة الإنسانيّة في مواجهة الواقع والعالم. وتتميّزُ بالبساطة والعفويّة، والإحساس بالمسؤوليّة. وذلك من مظاهر صدق الإحساس، ونظافة الضّمير. والشاعر ذو الطّبع العاطفيّ أو العصبيّ، وذو التّرجيع القريب كيف يمكنُ أن يكون في الواقع المريب ؟ فيا للشاعر الغريب ؛ وياللوعته ؛ ما أشدّها! ويالغربته؛ ماأهدّها! ويا لقصيدته الغنّاء ؛ ما أحدّها! إذا كانت صورة لمعاناة الإنسان، وبوح الوجدان، فيما هو متّصلٌ بصميم التجارب البشريّة، ومكتملٌ بمعايير القيم الإنسانيّة، وقد توشّجت بالبلاغة العربيّة في بيئة قهريّة رغم ما يشوب قصائده من نزق الانفعاليّة لمتلقٍّ افتراضيّ ، تتوقّع له البرهان التبريري. ولجدليّة المثاليّة بين الأنثى المثال والحرّيّة التي لا تُطال. حيث تبقى معاناة حسّ الارتواء لقيم الحبّ والسموّ والوفاء، في عالم يضجّ بالمعايير الماديّة والأقنعة المزيّفة. فالشاعر يوجز الكثير من الغمّ والحزن والقلق بالقليل من العبارات الحافلة بالمخزون الإنساني على مستوى الفرد والآخرين . فياويل البلابل من أحابيل النّفاق، ووحشة الفراق، وانتظار التلاقي :
/أسابق حزني / وأرجوه كتم أنيني /ولجم بكائي /فخيرٌ لمن يستبدُّ الأسى / في منافذه /أن يعيشَ على الأمنيات /
فهل سموُّ آلام الشاعر هو مكافأةُ صبره أمام ألوان معاناته على التماسه لوحدة ذاته؟ وذلك بلجوئه إلى علوّ بالنّبرات وغنائيّاته اللا انهزامية في رومانسيّات سلبيّة، وهو ليس من عبيد الشّعر الذين يتوعّدون قصائدهم إذا اعتلى صوتُها، فيتعهّدونها بألوان الزينةالعصريّة ممّا طرأ على القصيدة العربية في صورها غيرالمنطقيّة باسم التجريبيّة الحداثويّة. وتلك سنَّةٌ سنّها الشاعر ابن الرّومي إذ جعل نهاية كمال القصيدة
في ولادتها الطبيعيّة. هذا وتبقى قصائد هذا الديوان قطاف وجدان يتلمّسُ عالمَ الإنسان في مجتمعٍ ما زال يعاني من شتى عقد القهر والحرمان. نعم ستجد نفسك وحيدا كالشاعر في زحمة لا منطقيّة .
/وحيدا أغرّدُ / أنسج ثوبيَ المُلطَّخَ /أبعثُ فيه النهار / وحيدا أضاحكُ طفلي/ وجدران بيتي / أخطّ إلى الرّيح عشقي /وأسكبُ للشمسِ بوحي / بكلِّ لغات الخليقةْْ / لماذا تريدُ اشتعالي ؟/ لماذا تريد اشتعالي ؟!/

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة