تحليل : رواية العجوز – للدكتور أفنان القاسم

التصنيف: اصدارات ونقد (:::)
بقلم الدكتور دانيال ريج – باريس (:::)
(مستعرب اختصاصي علم الدلالات في جامعة السوربون الجديدة والمدرسة العليا للمعلمين – باريس)
إنه حقًا كتاب مثالي، لأسباب مختلفة، منها أنه يجمع بين الصفات التي تتوفر عادة للآثار الفنية الصحيحة: المشاهد الحادة، الحوافز البسيطة، الشخصيات المتعقدة، الأوصاف الحارة، وكل هذا بحركة عمل واحد في مكان واحد وزمان واحد.
رواية هي؟ بلا شك! بل مأساة! مأساة كلاسيكية لكثافتها، رومانسية لفيض غزارتها، رمزية لشاعريتها… بل هي ملحمة.
كتاب مثالي حقًا لكل ذلك، ولكن عندما ألفظ هذه الكلمات أشعر بأني لا أعبر، حقيقة، عن اللَّذة التي أحسستها عند قراءتي “العجوز”. هذه اللَّذة التي هي، في آن واحد، لَذتان: لَذة داخلية يثيرها التذوق الفني المحض، ولَذة ثانية، ثانوية المستوى، أثارها التذوق العقلاني. نعم! ما أريد أن أقوله: لقد أحسست لَذَّةً ثم تحققتها لا فيما سببها فحسب، لا في أصلها الداخلي لي، أو الخارجي عني: أي المضمون وما أثاره عندي فحسب، بل في آلية هذا المضمون التي كنت أشاهدها في عملها كما لو كنت شيطانًا من شياطين الكاتب… لقد أحسست بهذه اللَّذة كما أحس بنفس اللَّذة كلما أعاين لوحة ممتازة أو أستمع إلى قصيدة أو قطعة موسيقية مثيرة، أحسستها وكأنها تتفتح لإيقاع في أعماقي، أو كأني أناغمها على إيقاعها… وفي الوقت نفسه، كنت أرى نظام القصة الأساسي، وأرى نبض حياتها رؤية الطبيب الراديولوجي صميمَ الأجسام. هذا ما كان يزيدني تلذذًا، وهذا ما أريد الآن أن أعيده.
إنه نص عويص ولا يغمزك، أنت المتوغل في قراءته، لا يغمزك الكاتب بإشارة لفظية أو معنوية حتى يريحك من الضيق – إن لم يكن القلق – الذي يخيم عليك، إذ لا شيء هناك يحدث كما تتوقعه بادئ ذي بدء، فعليك أن تتقدم وحدك، في حيزية ليس فيها أي تساهل، ثم، رويدًا، رويدًا، يصدر من أعماق حساسيتك عالم أسود تتحرك فيه أشباح غامضة، وتحل الأشياء أمكنة ولا كأمكنتها العادية، عالم لا يشغل فيه الحيز أي مكان. كليدوسكوب؟ ( أو صندوق الدنيا، كما قال المازني في روايته الشهيرة ) كليدوسكوب؟ ربما! غير أن كل صورة من الصور التي تتكون أمام عينيك لا تحل محل سابقتها، ولكنها تنطبع فوقها. ربما إذن! غير أن هذه الصور التي أتيح لنا أن نراها، أو على الأصح، أن نستكشفها، ليست كالصور التي تبدو في الأنبوبة، والتي تتكون من مادة متنوعة الأشكال والألوان. هي ذات أشكال، حقًا، ولكن دون أشكال، ذات ألوان، ولكن دون ألوان. “فالأشياء لا تمييز بينها، ولها لون الغابة المحترقة”، وكأنها تتموج في مادة رسب فيها الزمان. هاءنذا أقترب، قليلاً قليلاً، من التعبير عما أحسسته عند بداية قراءتي: فالحيز هنا، أي مجموع أمكنة الرواية، خيالية كانت أو واقعية، الحيز الذي يجب أن نسميه حيزًا والذي يدور فيه مدار الرواية، هو الزمان نفسه.
ما هو الموضوع إذن؟ هناك عجوز تتقدم خطوة خطوة في حدود حيز، و… ولكن هيهات! هاءنذا أزل قبل أن أرفع قدمي! فلأعد! هناك… عجوز… تتقدم… خطوة… خطوة… داخل مادة وكأنها تتكون وراء خطواتها. الزمان؟ إذا ارتسم، طبعًا، الزمان في الحيز ( اللهم إلا إذا كان العكس… ). إن العجوز تخطو خطواتٍ ثلاثًا، فتبعث بخطواتها الثلاث هذه روح الحياة، روح حياة متعثلجة، في حيز مائع.
فلنر الأشياء من قريب:
1 – تنتقل العجوز في حيزية ندركها كحيزية أشبعها الزمان، لسبب أنها انقسمت إلى نقطتين، بينهما علاقة زمانية ستنقلب إلى علاقة حيزية تصل وقتين من الزمان. النقطتان هما: “هنا” أي المكان الذي تكون العجوز فيه الآن، و “هناك” أي المكان الذي كانت فيه منذ لحظة. على أساس هذه البنية الحيزمانية تبتني الرواية.
2 – عندما تلتفت العجوز، فيما هو الآن، أي بعدما كان قبله، نحو مكان كانت فيه، فالواقع أنها تلتفت نحو ما كانت عليه في ما هو قبل الآن، أي قبل ما سيكون بعده. هذه هي، فيما أعتقد، النقطة التي يرتكز عليها الانقلاب: عند التفاتها إلى مكان كانت هي جزءًا منه من حيث لا ترى العجوز نفسها فيه، وبالتالي لا تراه إلا بالنسبة إلى زمانها الداخلي.
3 – من المستحيل على أي كائن حي أو جامد أن يكون هنا وهناك في آن واحد، لذا قدر على العجوز الحضور في حيز يصاحبها أين ما ذهبت، يلاصقها أيًا ما فعلت، وتتعاقب الأمكنة فيه من السابق إلى اللاحق ومن الحالي إلى التالي، تعاقبًا زمانيًا داخليًا لها. إنها، العجوز، لم تعد تكون في المكان السابق، إذ فيه “لا شيء، لم تر شيئًا” إلا ذكرى ما كان منذ زمان، كما ليس لها القدرة على أن تصل إلى المكان التالي، إذ “إنها العجوز”، التي لم يبق لها إلا أيام ( أو ساعات ) معدودة: ” رفعت قدمها من أجل خطوة جديدة، إلا أنها أحست بنفسها منهوكة، كالخيط البالي، يموت الخفق فيها، على وشك الانحلال”، فمستقبلها لا وجود له، إذ أنه سيصدر من الحاضر، وماضيها لم يعد شيئًا واقعيًا إلا في زمانها الداخلي. إن وجودها يشابه وجود التماثيل التي ينصبها الناس، لأنهم بها يخلقون ذكرياتهم على صورة ما كانوا عليه، ويسدون عبث الحقيقة، كما بها يحسبون الزمان السائل نحو ما لا معرفة عنه لأحد، في حدود مكان اعتاده الكل.
أما العجوز فهي، كالتمثال، صورة للحيز الذي تدور فيه أحداث الرواية: “وجهها حفرته الريح والدموع، خريطة ممزقة قطّعتها التجاعيد طولاً وعرضًا، شعرها عشب يابس جف تحت الشمس، وجسدها ما كان إلا غصنًا مكسورًا، معقوفًا.” فالمكان، هنا، محدود، تنتقل فيه – أي تنتقل فيها هي نفسها – في تلال وجهها المحفور، وترتكز على شجرتها اليابسة المكسورة… أما الزمان ماضيًا كان أو مستقبلاً، فهو على صورة المكان: محفور ومكسور ومحبوس لا أمل فيه. غير أن العجوز هي، من جهة أخرى، الشكل العكسي للتمثال: فزمانها الواقعي حالي فوري وكأنه لا زماني، إذ أن حده هو الحين الحاضر بين ما كان وما سيكون، ولأن الحيز الذي تعيش فيه العجوز ذو وجود ثابت خاص في ذكراها: “كنا نعيش سعداء! كنا نبذر الذهب! وبيدها تخيلت نفسها، وهي تداعب محيطًا من القمح المتموج في الظلام”، وليست حدوده حدود ما تراه هي واقعيًا، كيف ونظرها ضعيف حتى أن “الأشياء تبدو لها سوداء، وكلها متشابهة”، وبالتالي إذن يتحدى زمانها الداخلي الحدود الواقعية الحيزية إلى زمان متموج بين هنا وهناك، وبين الماضي والمستقبل، وكأنه مكانها المعتاد المفضل.
الآن، وقد أثبتنا أن الحيز والزمان متقابلان، ولاحظنا آلية التحول من مدلول حيزي إلى مدلول زماني، الآن، يمكننا أن ننظر إلى جزئيات المجالات المعنوية التي لاحت لنا كلياتها، فتتصنف طبقة الحيز، في سياق النص، صنفين: صنف يعيش فيه أشخاصنا حاليًا ونسميه “هنا”، وصنف يعيش فيه الأشخاص من خلال ذكرياتهم أو أحلامهم، أي لا حاليًا، ونسميه “هناك”.
ونجد نفس الصنفين داخل طبقة الزمان: صنف “الآن”، أي الزمان الحالي الذي يعيشه الأشخاص هنا، وصنف “الآنذاك”، أي الزمان غير الحالي الذي لا يعيشه الأشخاص إلا في أمانيهم أو ذكرياتهم، أي هناك. وهكذا نصل إلى بنية الرواية الحيزمانية التي تتمفصل عناصرها حسب ما يلي:

حيز: هنا ضد هناك
زمان: الآن ضد آنذاك
حيز ضد زمان
هنا ضد هناك  ضد  الآن ضد آذاك

1 – رأينا، فيما سبق، أن العجوز تعيش داخل هذه البنية، أو بعبارة أخرى وهي أصح، أن هذه البنية تعيش داخل العجوز، وتفضي إلى المظهر بواسطتها. فلنقل باختصار إن العجوز ظرف البنية الحيزمانية.
2 – البنية تجمع، كما هو معروف، بين طرفين تصلهما علاقتان، علاقة التضاد وعلاقة التواصل.
2 – 1 – إن الحيز والزمان متضادان بالنسبة إلى بعض سمات معنمية (كلمة اشتققناها من “معنى” و “ميم” اللاحقة على وزن الاصطلاحات اللغوية التي يجري استعمالها على أقلام اللغويين والمحللين للآثار الأدبية المعاصرين). لقد صغت هذه الكلمة –وهاءنذا أستسمح الصفائيين العرب منها- لأنه، في علم اللغة، ليس معنم ج معانم Sème كمعنى ج معان Sens، يدل المعنم على أصغر الوحدات المعنوية، وتشاكل منزلته من التحليل المعنوي منزلة صوتم ج صواتم Phonème (بالنسبة إلى صوت ج أصوات Son من التحليل الصواتي Analyse phonologique).
2 – 2 – إن الطبقتين حيز ضد زمان، إذن، متضادتان كما هما في الوقت نفسه، متواصلتان ببعض سمات معنمية أخرى.
3 – هذا فيما يتعلق بالتحليل الصيغي Paradigmatique، أي، عندما نريد أن نرتب معطيات التحليل السياقي Syntagmatique، ونصنفها. أما فيما يخص التحليل السياقي هذا، فقد رأينا، فيما سبق، كيف تعالج الطبقتان على يد المؤلف عند بداية الرواية. ويمكننا إذن أن نضع تقابلية جديدة متعلقة بالأولى وداخلية لها:
هنا   :   الآن   ::   هناك   :   آنذاك
نقرأها: يكون “هنا” بالنسبة إلى “الآن”، كما يكون “هناك” بالنسبة إلى “آنذاك”.
عند هذه النقطة، يجدر بنا أن نباشر بتحليل الصيغ التي لقيناها حتى الآن:
1 – صيغة “هنا الآن”: وهي الحيزمان الأدنى = ما دون السور.
1 – 1 – رؤية أفقية: القرية المحكومة:
– “نظرت إليكم من أعلى، وشاهدتكم في الليل نيام، وفي النهار عبيد.”
– الأرض الجافة، الحقل الميت، العشب اليابس، المحراث المكسور… “هو حقل عجوز الآن كجدتك.”
– العتمة والليل الدامس والبرد: لهذا خيم علينا هذا الليل الطويل”.
1 – 2 – رؤية عمودية: عالم الحاكم:
– القهر والاغتصاب والقتل والاحتلال… “لقد احتلوا القرية، وحرثوا على ظهورنا، جاءت مواسم فيها الخير، لم تكن مواسمنا.”
– الذل والخدمة بلا أجرة: “يحلبك كالبقرة… أحرقنا باطلاً نحن الآتين له بالنار.”
2 – صيغة “هناك آنذاك”: وهي الحيزمان الآخر: ما وراء السور، إما ما قبل بنائه أو ما بعد هدمه.
2 – 1 – رؤية أفقية: العالم قبل:
– “كانت أرضنا خضراء فيها نبع وعيون… حتى انتهت كل المواسم.”
– نفس القرية قبل تسلط الحاكم عليها.
– نفس الدار وفيها الزوج والأطفال.
– نفس الحقل حين كانت تموج فيه السنابل كالبحر.
– الشمس في السماء “شمس الماضي”.
2 – 2 – رؤية عمودية: العالم بعد:
2 – 2 – 1 – العالم الذي سيرجع فيه كل شيء كما كان: “ستعود إلى الحقول ليونة جسدي (العجوز) لما كنت في السادسة عشرة… سنفجر النبع، وسنسقي الشجر، وستورق الأغصان من جديد، وسنموج في عاصفة من الياسمين الأبيض، وسيعود كل شيء كما كان.”
2 – 2 – 2 – العالم الذي ستأتي منه المعجزة: “تقضي نهارها، وهي تبتهل… وهي طوال الوقت تنتظر أن تأتيها معجزة.”
“كنت هناك على جبل قاف… استطعت الصعود حتى القمة… تحديت شيخوختي، وصعدت.”
“أنا أقتل الشيخوخة في هذه الأرض… هكذا أصنع حياتي، من هنا تأتي المعجزة…”
“أنا مشتاقة لسماع أخبارك وأخبار الناس الذين هم هناك ما وراء السور.”

ملاحظات

1 – لقد أتيت بأمثلة عديدة، وقد يراها القارئ أكثر عددًا من اللازم، لأدعم ما قدمته من برهنة، وأبدي أني ما ابتدعت صيغي هذه حسب أحكام مسبقة، وإنما سقت إليها من خلال سياق النص.
2 – يجب أن أبين تمييزًا آخرَ أدخلته في الصيغ بين الرؤية الأفقية والرؤية العمودية.
في صيغة “هنا” تدل الرؤية الأفقية على ما أراه، أنا القارئ، من حياة القرية الخالية وكأنها تنتشر أمامي – فهي الرؤية التي لا يمكنني أن أميز فيها بين ما يتعلق بالحيز وما يتعلق بالزمان – أما الرؤية العمودية، فهي تدل على كل ما تُدْخِلُ فيما أراه أفقيًا بين العجوز ومصيرها، أي كل ما يتعلق بالحاكم الذي هو عنصر هذه الحياة الحالية الواقعية والخيالية منذ أجيال، رغم أنه يظهر كغريب عنها.
في صيغة “هناك” تدل الرؤية الأفقية على ما أراه بخيال العجائز وأحلامهن عندما يعشن حياتهن مرة أخرى. أما الرؤية العمودية، فهي تدل على شيئين: مستقبل ترجع فيه الحياة إلى سيلها العادي، أي مستقبل يكون مجرد رجوع إلى الماضي، وذلك مستحيل كما سنراه. ثم شيء آخر: مستقبل سيبنيه الحفيد الذي هو ليس عنصرًا من الحياة الحالية، ولكن كأنه داخل عليها، عشير لها، رغم أنه هجرها منذ سنين.
3 – مما يلاحظ، أن صيغة “هنا الآن” وصيغة “هناك آنذاك” متناسبتان متعاكستان مثنى مثنى. ويجدر القول أيضًا، إن العجوز هي النقطة المحورية التي يدور حولها هذا التناسب وهذا التعاكس.

دور العجوز

لنا أن نمعن النظر في دور العجوز: إنها إحدى عجائز القرية، هذه القرية التي – يجب أن نلاحظه – لا يوجد فيها إلا (أو يكاد) نساء، وخصوصًا الشيخات منهن، وهي أيضًا تُحيي في ذكرياتها قطعًا من حياتها الماضية، مما يمكننا أن نعتبرها كناية عن القرية، جملةً، في حالتيها الحاضرة والماضية. إنها، من جهة، تنضم إلى الحياة الواقعية التي يعيشها مجتمع العجائز، كما تنضم، من جهة أخرى، إلى حياتها الخيالية التي لها وظيفة خاصة: تعويضية، بالنسبة إلى الأفراد، أمام الشيخوخة والموت، وتعويضية كذلك، بالنسبة إلى المجتمع، أمام القهر والعجز. كهذه العجائز، أو أحسن منهن، تهرب هذه الأم – كدت أقول هذه الأمة – الشقية، العاجزة، المهجورة، المقهورة التي يحكمها حاكم مغتصب، ظالم، مصاص، قاتل، تهرب هذه الأم إلى ماض أكثر اخضرارًا ورطوبة وسخونة ونضورًا. غير أنها أكثر حكمة من أخواتها، لأنها “العاقلة. المجربة. المتبصرة. الأكثر استنارة. لأنها من بينِ كلِّ العجائزِ الأكبرُ عمرًا. وكذلك توقيرًا لما فعلته أو جرؤت على فعله وديدنها الحكمة.” ولأنها أقوى منهن – أو تظهر لهن الأقوى -: لا تقتصر إذن على استحضار ماض ميت، بل تصبو إلى مستقبل زاهر قد يحيا إذا تمت له بعض الشروط. وهي تعرف أن الأشياء لن تعود، حقيقةً، كما كانت، لأن الوقت فاتها.
لقد قلنا إن العجوز كناية عن القرية، وهي في نفس الوقت استعارة. استعارة لضعف أمة وأحلام أمة ضعيفة: لحاضرها الشقي وماضيها العاجز عن أن يحميها، وإن كان مجيدًا، استعارة كذلك للتبشير بمستقبلِ “عاملٍ صابرٍ”.
والآن يجب أن نتساءل كيف يمكنها أن تساعد، وهي العجوز، في إنجاز عالم جديد، عالم “هناك آنذاك”، بحيث لا يكون هذا العالم عالمًا خياليًا، آتيًا من الماضي، راجعًا إلى ما كان عليه، عاجزًا، كعالم الشيخوخة نفسه، على أن يتحدى حدوده الخاصة؟ كيف يمكنها ذلك، وهي يستحيل لها اجتياز السور من هنا إلى هناك، كما يستحيل لأي كائن اجتياز حاجز الحين الحاضر للمرور من الآن إلى المستقبل وإلى الماضي؟
قد يكون الجواب في المحاولات التي أجرتها الابنة لقتل الموت والشيخوخة، ومحاولات الشيخ الذي تحدى شيخوخته وصعد الجبل، فبقتل الموت إذن، تتحرر الحياة من حكم الوقت الذي يمضي. إن الشاعر أفنان القاسم يعثر في كل ذلك على الحل الخرافي الذي أتت به الأديان كلها لحل مشكلة الموت والحياة منذ أوائل الإنسانية، إذ ليس هناك حل إلا بذبح الموت – الموت الكامل التجريدي – بين الجنة والنار كما جاء في الحديث النبوي، وبه يفضي الإنسان إلى منزلة أبدية.
أما العجوز، فهي ليست أكثر من ظرف، أي لا تجتاز بنفسها من هنا إلى هناك، ومن الآن إلى آنذاك، ولكن تُمَكّن القرية، بل الأمة، من الاجتياز، وهي تنجح إذن فيما أخفقت فيه ابنتها التي ظنت أنه يكفيها أن تشنق نفسها لتأتي المعجزة، وطنت أنه يمكنها أن تعيد إلى “هنا” حيز الماضي (الذي أعطى للحاكم كل ما استطاع إعطاءه) وإلى “الآن” أن يعيد “آنذاك” (الذي انتهت فيه كل المواسم)، فأرادت أن “تسقي أرضًا جافة بالجفاف”… إنه “الجنون”!
وفيما يخص العجوز، الحكيمة، تنبأت لحكمتها بأنه ليس “هناك آنذاك” إلا آتيًا من المستقبل، وأن موتها سيكون، حقًا، نصرًا على الموت، ذبحًا له، إذ قال الشيخ: “اذبحي ذبيحة ووزعيها على الفقراء”، ومن أين لها بذبيحة تذبحها؟ إذن، ستكون هي الذبيحة، إذ لا يبقى لديها إلا جسدها تضحي به. وقال لها الشيخ: “اخرجي من ثوبك الأسود، واحرقي كل آثاره”، ومن أين لها بثياب أخرى تكتسيها؟ لقد احتفظت بثوب عرسها الأبيض (الأبيض سيكون أحمر، لون الدم والنار)، ستلبسه آنذاك، وتنتظر أن يؤون لها الآن. هي مستعدة لأن يُحرق لها ثوبها الأسود كناية عن الحياة الماضية، ولأن يُذبح لها جسدها المجدد، استعارة لزفاف عروس شابة، وتضحية لحياة مقبلة ستنبثق من حناياها: “ابتسمت لنفسها وقالت يا له من ملاك رضيّ من سيأتيني! وراحت تحلم باللحظة التي سيأتيها فيها، إنه موت طيب من أجل امرأة طيبة قست عليها الحياة.”
غير أنها عجوز عاجزة “لم تعد ذراعها ملكها”… “أين أيادي الأمس، سواعد الأمس، عضلات الأمس؟ الأمس لم يعد لها، صار للحاكم.”
من اللازم أن تعود أيادي الأمس وسواعده وعضلاته لقتل الحاكم، لقتل الآن؟

دور الحفيد

أريد قبل أن أذهب إلى أبعد، أن ألخص بعض معطيات التحليل التي توصلنا إليها.
من المعروف أن كل رواية هي رواية التحول الذي يقع في بنيتها القصصية الأساسية. إذن، موضوع رواية العجوز هو رواية تحول بنيتها التي عرفناها كعلاقة التضاد الواصلة بين: هنا الآن… ضد …هناك آنذاك. يعني وجودُ هذه العلاقة أن طرفيها موضوعان معًا في نفس الموضع ونفس الوقت (سبق لنا وقلنا إن العجوز هي الظرف الذي يظهر فيه تضاد يؤسس بنية الرواية الحيزمانية: فهي إذن من نوع آخر نسميه طرفًا مركبًا).
وعلى هذا الأساس نقول: إذا أثبتنا أحد الطرفين أثبتنا، بالضرورة، الآخر، وبالعكس، إذا سلبنا أحد الطرفين سلبنا، بالضرورة، الآخر.
لذلك أخفقت ابنة العجوز: لأنها أرادت أن تسلب “هنا الآن” وتثبت “هناك آنذاك” في عملية واحدة ودون وسيط: فسلبت العلاقة كلها، وماتت عبثًا!
المشكلة، بالنسبة إلى دلالة تحويل البنية القصصية، هي أن يثبت أحد الطرفين – أن يسلب الآخر – دون أن تقطع العلاقة بينهما. يفترض ذلك حضور طرف وسيط، هو العامل في التحويل، حتى يمكنه أن:
1 – يسلب الطرف الأول، وهو “هنا الآن”.
2 – يجيز إثبات الطرف الثاني في حقيقته الكاملة، وهو “هناك آنذاك”.
هذا الوسيط هو الحفيد: لقد هجر القرية وأهلها منذ سنين ثم عاش هناك، وراء السور، يتقوى ويتدرب لقتل الحاكم المتسلط هنا، ولبناء عهد جديد: “فهو يستفظع الماضي”، والآن يصيب الهدف: “ربما سأجد، بعد قليل، ما بحثت عنه طويلاً، لتصبح حياتي هناك، وهنا الآن، وخلال الدقائق القادمة، الجواب الحقيقي لهجري لكم.”
لديه، إذن، الميزات كلها التي ستمكنه من عملية التحويل: إنه ليس غريبًا عن “هنا” تمام الغرابة، إنما هو نقيضه في شبابه وقوته وتجربته… كما أنه يشخص حياة أخرى (وآخرة) هي التي توجد وراء السور.

ملاحظات

1 – يلعب الحاكم دورًا معاكسًا لدور الحفيد: لقد احتل القرية، بيد أن الحفيد يريد أن يحررها. لقد بنى السور ليمنع الهجرة من هنا إلى هناك، بيد أن الحفيد هجر القرية، وها هو يرجع إليها. لقد سلب في الماضي كل ما ملكه أهل القرية، وأثبت حال الآن، بيد أن الحفيد يريد أن يفجر العيون ويسقي الشجر ويثبت حال “آنذاك”.
2 – إن الشيخ، الذي نراه كطرف محايد، شخص يأتي من الماضي، ولم يعد جزءًا منه، وينبئ بالمستقبل دون أن يكون بعد جزءًا منه. لقد استطاع في الماضي أن يقتل حارسًا للحاكم، ولكن أدى فعله إلى احتلال القرية حتى اليوم – وقد استطاع أيضًا أن يشعل كومة أعواد (ولكن بقي النهار باردًا)، وكذلك استطاع أن يتحدى شيخوخته، ولكن لم يكن هذا العمل إلا عملاً فرديًا، كما تكون النار التي يحملها معه (في غليونه) نارًا فردية، ليس فيها للآخرين طاقة التنوير ولا التسخين. إنه ينبئ بعهد تسيل فيه الأشياء في سيل جديد، إذ كانت تظهر “فوق رأسه سحابة صغيرة كالقطن لا تلبث أن تَمَّحي”، سحابة صغيرة تنبئ ببوادر “عاصفة” جديدة ستأتي بالحفيد عند آخر الرواية، لذلك، يظهر دور الشيخ كتعاكس لدور العجوز، إذ ستتحول البنية الأساسية فيها (العجوز) من خلالها. أما الشيخ الذي يصاحبه “الماء” و “النار”، فهو خارج البنية، لا قدرة له في التحويل.

عملية السلب

لقد رأينا أن لكل من الحاكم والحفيد دورًا متعاكسًا، ولكن لدى كليهما نفس الأداة لتحقيق دورهما، أي النار، النار في كل ظواهرها اللغوية:
1 – الحقيقية، وهي النار المضطرمة، المتأججة بلهبها وزمجرتها ولونها ووهجها.
2 – البلاغية، مجازًا كانت وهي الموقد والجمر والحطبات والطلقات النارية، أو كناية وهي البندقية أو غليون الشيخ وشمسه (وإن كانت باهتة) ونهاره (وإن كان باردًا) والدفء، أو استعارة وهي دماء الصبا التي تتفجر في عروق العجوز، والشوق الذي يشتعل فيها، وهي الحرب والقوة، الأمل والحرية.
النار، إذن، أداة تميت وتحيي حسبما تكون على يد هذا أو ذاك، وسنرى فيما يلي أن لها نفس الوظيفة في نظامنا التجريدي البنيوي.
إنها، النار، في آلية التحول الدلالي، أداة السلب على يد الحفيد كما كانت على يد الحاكم. لقد أمكن هذا الأخير أن يحرق القرية ويخضعها لسلطانه، لأنه كان له التصرف بالنار، وأمكنه ذلك أن يسلب، لنفسه، النبع الوحيد الذي يوجد هناك، فأصبح صاحب الجنة، “جنة الحاكم” (وليست هذه إلا عكس الجنة المعروفة، إذ تشابه الجحيم أكثر منها الفردوس)، جنة يمتص فيها بقايا اللبن الذي ما زال في القرية. إذن، مكنته النار من أن يصبح بعدها صاحب الماء.
أما الحفيد، فهو منبثق من رطوبة الصباح “… كان الهواء النديّ النقيّ يخترق رئتيّ، قطرات الندى تغمر وجهي، وعطر السوسن يفعم أنفي. وأنا أشق الفضاء، كان لدي انطباع وكأني أدخل في سُمْكِ النداوة والنقاء. قبل الوصول إلى الهدف، يكون جسدي قد نتح، وهمي قد نضح، وأكون خفيفًا كريشة.” كالريشة التي تحملها الريح عندما تهب: “… العاصفة. جاءت بالريح، والريح جاءت بها، ووصل الحفيد مع أول هبيب.” كأنه الحباء النافع الذي يصب ليبعث في الأرض الجافة حياة جديدة، والذي يتنبأ به: ” سنفجر النبع، وسنسقي الشجر، وسنموج في عاصفة من الياسمين الأبيض.”
يظهر الحفيد، إذن، كصاحب الماء، ثم يصبح صاحب النار، مجازيًا في البداية: “سنقتل الحاكم، وسنعطي لكل واحد بندقية لهدم السجون”، ومن ثم حقيقيًا: “حمل بأطراف أصابعه ثياب الجدة السوداء، ورماها في النار. وما هي سوى بضع لحظات حتى شخرت النار، وفي ثكنات الجيش النار نفسها، وقد دقت، بالسخط نفسه، بالشره نفسه. وهذه الصرخات المُرَوَّعَة: النار! النار! الجحيم! ماء! ارشقوا النار بالماء! لَوَّحَ الجنود بالدلاء، ودلاء أخرى، ودلاء أخرى. بلا جدوى. دمرت النار المعسكر.” إذا أردنا أن نلخص رأينا في وظيفة النار كما تظهر في الرواية، قلنا إن لها وظيفة ترمي إلى إضرام المرأة بالحريق، وذلك من ناحيتين:
الأولى، وهي كناية: يشعل الحاكم في الخارج نارًا تحيط بالمرأة، وفي ذات الوقت تثير دخانًا يتغلغل فيها: فتحترق قطع منها، كموسمها وولدها وزوجها، كناية عنها. كما تصبح فيما بعد، أرضها وحياتها جافتين، كناية عنها كذلك، كيف لا وهي ممصوصة اللبن، مسفوحة الدم، مسفوكة الدمع، وكأن حياتها تتبخر رويدًا رويدًا؟ الحق أنها تتقدد، هنا، على يد الحاكم، كلحم الذبيحة.
الثانية، وهي استعارة: يشعل الحفيد داخل العجوز نارًا تسيل فيها ثم تفيض عنها، فتلتهب المرأة، استعارةً، في عروقها ولون ثوبها الجديد، ثم تتأجج في كل مكان، كيف لا ودماء عرسها تتلألأ، هناك، وكأن القطرات الياقوتية التي انفجرت منها على يد الحفيد، أصبحت عيونًا اشتعلت فيها حياة جديدة؟
أما فيما يتعلق بالشيخ الذي هو الوجه المحايد (لصاحب النار)، فيمكننا أن نقول إن ناره نوعان: نار أشعلها كالحاكم، في الخارج، ليبعث، كالحفيد، حياة جديدة في نهار بارد، ونار أشعلها في غليونه، نار انتشرت من الداخل إلى الخارج كنار الحفيد، وظيفتها أن تثير دخانًا كنار الحاكم التي تتغلغل من الخارج إلى الداخل.
هكذا انعكس الدوران، وتمت المرحلة الأولى لمهمة الحفيد، وهي أن يهدم عالم الحاكم ليبني مكانه عالمًا جديدًا.
لقد حقق الحفيد هدم عالم الحاكم بواسطة نار أضرمها في الثوب الأسود الذي يرمز إلى أن العجوز كانت المظلومة المقهورة، والذي هو كناية عن ثكنات الحاكم السوداء، هذه الثكنات التي ترمز إلى أن الحاكم كان الظالم، القاهر، فبالنار هُدمت، كما قد بُنيت بواسطتها.
هذا ما سميناه بالمرحلة السلبية أو العملية السلبية، والتي هي ضرورية، لأنها تعد لوصول المرحلة التالية: الإثبات في قالبنا البنيوي الذي أريد أن أعرضه عرضًا موجزًا، لتكون الأشياء واضحة.
نفذ الطرف الوسيط ( = الحفيد ) عملية السلب، كما سنرى أنه منفذ عملية الإثبات ( ولذلك سميناه وسيطًا ) لأنه:
1 – يدخل في علاقات تناقضية كطرف مناقض لآخر، وهو في روايتنا “هنا الآن”.
نقول فيما يخص العلاقة التناقضية الواصلة بين طرفين، إنها: إذا وضعنا فيها أحد الطرفين، سلبنا الآخر، والعكس.
2 – يدخل في علاقة تضمينية كطرف مضمن لطرف آخر، وهو في الرواية “هناك آنذاك”.
نقول فيما يخص العلاقة التضمينية الواصلة بين طرفين، إنها نتيجة للعملية السابقة، بحيث أننا إذا وضعنا الطرف الذي نفذ عملية السلب لأحد طرفي العلاقة التضاددية الأولى، لأثبتنا بالتالي الطرف الآخر في نفس العلاقة.

الصورة البيانية

م = طرف مركب = معنى أو معنم
مَ = طرف محايد = لا هذا ولا ذاك لا م1 ولا م2
م1م2 = الطرفان المتضادان
م1 َ = م2 َ

ملاحظة:
1 – الهدف إثبات م2 في العلاقة م1——–م2
2 – لذلك من الضروري أن يسلب م1 داخل علاقة أخرى هي م1_________م1 َ
3 – م1 َ…………..م2 بمعنى أن م1 َ يتضمن م2 ويثبت في الآن ذاته م2

عملية الإثبات

بقي للحفيد أن ينجز العملية الثانية من المهمة التي جاء لها من هناك، إنها عملية الإثبات. لما سلب الحاكم العجوز حياتها الزوجية الأمومية بقذف موت دموي على زوجها وأطفالها، لما ألزم عليها حياة سوداء ليلاء تشابه الموت أكثر منها الحياة، فإن الحفيد أثار حياتها العرسية الجديدة في انحنائه فوقها: إنه يثبت عند دفعه النصل في بطنها نسلاً سيتلألأ في كل مكان وسينشد الحياة.
قتل العجوز، إذن، هو قلب الضرورة (لأن الموت لا ينجو منه أحد) إلى اختيار مطلق، إذ ما كان فصلاً جعله وصلاً. إن موت العجوز لموت معطر، موت ملون، موت شاف، وهو في الحقيقة انبعاث. وقتلها، حفلة الزواج لعروس جديدة انفجرت دماء صباها، ماء حياتها، على سريرها المطهر، حين أنفذها حياة الملاك الرضي، حياة الفارس الذي جاء ممتطيًا جناحي الريح، ليخطف عاشقته إلى حيز آخر. ليس هو قاتلاً، ليس هو قاتلاً لأم شقية إنما هو عريس أصبح أبًا… لأمة نقية.

ملاحظة ختامية

علاقة: المؤلف/”العجوز”، كان بإمكاني أن أقول في موضوع هذه العلاقة أشياء كثيرة لولا أني رأيت أن كل ما يتعلق بها:
1 – يرجع إلى ميداني التحليل النفساني والتحليل الاجتماعي اللذين يساعدان على فهم الآثار الأدبية دون أن يكونا، لهذا، من العناصر الأساسية لتحليلها، كما جرى عليه النقد الأدبي التقليدي حتى الآن.
2 – يجب قراءة آثار المؤلف أفنان القاسم، ليباشر، عن طريق علمي، تحليلها النفساني. لقد نشر الكاتب حتى صدور الطبعة الثانية “للعجوز” العديد من الروايات والمسرحيات والقصص منها “الأعشاش المهدومة”، مجموعة تدل على عالم معنوي ثري، قوي.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة