عبقرية العقاد

التصنيف : اصدارات ونقد (:::)
بقلم : حمزة شباب* – الاردن (:::)
لا يخفى على دارسي اللغة و الأدب ما للنقد من دور رئيس في رقي الأدب و الكشف عن التجارب الشعورية للأديب ، فذاك النقد الذي كان عفوياً فطرياً في الجاهلية ارتقى ليأخذ المفاهيم الدينية الجديدة ، ثم ظهرت طائفة من النقاد الذين حملوا على عاتقهم جمع الشعر القديم و الموازنة فيه و إظهار خصائصه كعمرو بن العلاء و الأصمعي ، و طائفة أخرى زادوا على ما فعله الذين من قبلهم بالتوثيق و عقد المقارنات الممنهجة و التمييز بين المعاني الجيدة و الرديئة ، و الألفاظ الجزلة و الضعيفة ، ليسود عصر التدوين النقدي على يد جماعة من النقاد ذوي البصيرة كابن سلام الجمحي و ابن قتيبة و الجاحظ و غيرهم ، و سرعان ما نضج فن النقد من خلال تلك القضايا المولدة كقضية السرقات الشعرية و أثر البديع في الشعر و النثر و دراسات عمود الشعر ، بل بانت الخصومات النقدية بين أعلام الأدب العربي كالموازنة بين أبي تمام و البحتري ، و بين المتنبي و خصومه كما في كتاب ( الوساطة بين المتنبي و خصومه ) للقاضي الجرجاني ، و واصل النقاد دورهم في إحياء الأدب العربي محاولين البناء على ما جاء به السابقون و قد تميزت بحوثهم بالدقة و وضع المقاييس النقدية و الأدوات الإثرائية الناجعة فظهرت لنا بعض الأقلام الذهبية التي ثارت على النصوص و وضعت لها المحددات الواجب توفرها ليكون العمل الأدبي مقبولا ، فقدمت لنا هذه العصور نماذج من النقد لعلها من أنبل الكتب النقدية كدلائل الإعجاز و العمدة .
اعترى النقد – كغيره من العلوم و الفنون – بعض الجمود و الانحسار في الفترات التالية لما قدمنا ، و أخذ يتقلص تدريجياً تبعاً لعوامل قلة الإبداع الأدبي و انفصال البلاغة عن النقد ، ثم تتابعت حركات الإحياء النقدية على يد عدد من النقاد كحسين المرصفي الذي يدعو إلى تطبيق الأفكار النقدية في القرنين الرابع و الخامس الهجريين ، فكانت هذه المحاولات مجدية في ظهور منهج نقدي أدبي يجمع بين الثقافة العربية الإسلامية و الثقافة الغربية ، و بدأت مرحلة التغيير بتظافر جهود عباس العقاد و صديقه المازني ليولد أحد أهم الكتب النقدية الحديثة ألا و هو ( الديوان ) ، لنجد أنفسنا أمام علم مستقل بذاته ، يعمد إلى النظرة الثاقبة في الكشف عن مواطن القوة و الضعف في الأجناس الأدبية ، ليظهر النقد بثوب مستقل له أدواته و وسائله و مقاييسه .

إن نظرة في نشأة العقاد تضعنا في مهب ريح قوية نهلت من ذكائه لتسعر شعلة متوقدة تنير سبيل السائرين نحو الآداب ، لم يكن إلا فتى تخرج في مرحلة الابتدائية ، و اعتمد على ذكائه في تشكيل عبقريته الفريدة حتى أصبح ذا ثقافة موسوعية و رؤية بصيرية نافذة ، فمن عمله بالسكك الحديدية و الوظائف الحكومية أنفق جل ماله على القراءة ، و لم يقف عند حدود الثقافة العربية بل اتجه لدراسة الآداب الإنجليزية ، و كان قد تحصل على تلك اللغة من جراء تواصله مع السياح المتوافدين على مسقط رأسه أسوان ، ثم اعتزل عدة وظائف حكومية لأنه يؤمن أن الموظف رقيق القرن العشرين ، فاتجه للعمل الصحفي ليكون حراً في نقل مبادئه الدعوية للحرية و الاستقلال ، و قد ساعدته ثقافته و سعة إطلاعه على سد فراغ حاصل بالفكر العربي و النقد الادبي .

بدأ العقاد حياته شاعراً ، و أجهد نفسه بالقراءة استجابة لمعاركه الأدبية الطاحنة التي جعلته منهوماً لا يشبع من القراءة و الكتابة ، و سرعان ما أصبح يحمل رؤية كونية في عالم الفكر العالمي ، لينتج المؤلفات التي تتجاوز المئة  في النقد الأدبي والتاريخ والشعر والسياسة ، والإسلاميات والأديان ، و سير أعلام الفكر و الدراسات الأدبية وعلوم اللغة ، والفلسفة و الكتابات العلمية ، أما مقالاته فكثيرة في عددها مختلفة في موضوعها حتى وصفت بأنها ” دراسة قائمة بذاتها في الموضوع الذي يكتب فيه ” ، و من النماذج التي خرج بها علينا كتبه في العبقريات حيث التراث الإسلامي بتاريخه و قيمه الفلسفية و الجمالية ، فكان لا يلبث أن يخرج من معركة حتى يدخل في أخرى كمعاركه مع الرافعي و طه حسين و الزهاوي و شوقي و غيرهم ، و وصلت خصوماته إلى تيارات إسلامية متصاعدة ، و أخص بالذكر جماعة الإخوان المسلمين و التي تحلق حولها الكثير من أفراد الشعب العربي و لا سيما الشباب منهم ، و قد حملت هذه الحركة المفاهيم السياسية بصبغتها الإسلامية ، فأدرك العقاد كغيره من أصحاب الفكر النهضوي الليبرالي أن الناس ما زالوا يحتفظون بالأفكار الإسلامية حتى بعد سقوط الخلافة الإسلامية ، و تشتت جغرافية الدولة العثمانية ، فراح يعيد النظر في مسارب الثقافة الإسلامية و يسبر أغوارها ليعيد بناءها في ضوء فكر جديد ليستعيد الإسلام من المتطرفين المستغلين له ، و لإعادة إحياء الشخصية العربية المسلمة بعد أن تفشى فيها الجهل بفعل سياسات الاستعمار ، فقدم دراساته  و مؤلفاته لفئة الشباب لتصويب أوضاعهم و زيادة وعيهم السياسي و الثقافي تجاه الإبداع و من منظور حضاري .

أظهر العقاد عدة مؤلفات في فترة وجيزة تتمحور حول التراث الأسلامي و بناء الحضارة بأسلوب قصصي وصفي عالمي ، و مضمون نفسي فلسفي ، و من هذه الكتب العبقريات و هي : ( عبقرية محمد ) و ( عبقرية الصديق ) و ( عبقرية عمر ) و ( عبقرية عثمان ) و ( عبقرية علي ) ، و قد حاول العقاد تقديم كتبه بالرؤية التي يراها هو لا كما يراها القارئ ، و قد جمعت عبقرية العقاد في مؤلفاته بين أمرين رئيسيين هما : محاولة ضرب الدعوات الإخوانية التي أخذت تنمو يوماً بعد يوم ، و تصعيد الحملة على التيارات المناهضة للإسلام ، و قدم كتبه آنفة الذكر بفلسفة فكرية بحتة ليلفت الأنظار إليه ، و يستنهض قراء عصره ، و مثال ذلك أنه قدم في ( عبقرية محمد ) نموذجاً في الدفاع عن الرسول الكريم بتقديم البراهين كما هو الحال في مناقشة أسباب تعدد الزوجات في حياته الشخصية و مهارته السياسية في صلح الحديبية ، حتى عد من أهم الكتب المدافعة عن الإسلام لأن صاحبه لم يجعله في دائرة كتب السيرة النبوية التقليدية و إنما ” تقديراً لعبقرية محمد ” كما قال ، و قد رسم صورة نفسية لأبي بكر الصديق و إحداثيات مسألة خلافته للدولة الإسلامية ، و تصوير فكرة السلطة و سيادة القانون كما في ( عبقرية عمر ) و التي تحدث عنها بقوله : (  اذا فهمنا عظيماً واحداً كعمر بن الخطاب ، فقد هدمنا دين القوة الطاغية من أساسه ، لأننا سنفهم رجلاً كان غاية في البأس وغاية في العدل وغاية في الرحمة …) و قد جاء قوله هذا في الرد على أقوال بعض المستشرقين ، و لم يخرج العقاد عن هذا النسق في تصوير شخصية عثمان و ما وصلت إليه الدولة من الديمقراطية في حكمه ، إلا انه أسهب في حادثة اغتياله أكثر من حادثة اغتيال عمر لأنه جاء بأيد مسلمة ملوحاً ببداية الثورات العربية في المجتمع ، و نهج طريقاً آخر في تصوير شخصية علي لأنه وجد نفسه أمام صراع ديني على مستقبل الدولة الإسلامية و التخوف من تشتتها ، فيقول : ( … أما إذا أدركوا نفسية الإمام التي يتطابق عندها المثال والواقع ، وأن همه كان رضا الله لا يبالي بعده بشيء ، لعلم هؤلاء أنهم يقولون عن غير علم و يحكمون على الظواهر من دون إدراك حقائق الأمور ) ، و نجد أن العقاد نجح في نقل التصور العقلاني لجزء هو الأهم في التاريخ الإسلامي ، ليعكس مبادئ الدين وفق نظرة عالمية تكون في جوهرها اتخاذ القدوة الحسنة في هذه النماذج المضيئة .

حاول العقاد بعبقريته الفذة أن يطبق الخصائص الفنية لجماعة الديوان على كثير من كتاباته ، فكتب العبقريات بأسلوبه الفلسفي ليعبر عن أفكاره في تلك الحقبة التاريخية بأسلوب سردي شائق ، و ضمنها شيئاً من التجديد و خاصة في الجمع بين أساليب الكتابة العربية و الإنجليزية ، و قد خص الشخصيات بدراسة نفسية إكراماً للجانب الفكري الذي ارتقى به ليبعد العاطفة عن قلمه خصوصاً و أن المواضيع التي كتب فيها في العبقريات مواضيع دينية يغلب عليها العاطفة ، مستخدماً اللغة العصرية المتعمقة في المعنى ، و لم يعتمد على سعة إطلاعه فقط بل تعدى ذلك إلى تطبيق المقاييس و الأدوات النقدية عند جماعته ، و مع انفراط عقد الجماعة أحس العقاد بالعزلة الأدبية ليقيم هذه السلسلة من العبقريات لكسب ود القارئ العربي و مخاصمة للجماعات الإسلامية التي لاقت رواقاً عظيماً في فئة الشباب ، فجاء بأسلوب غاية في الفلسفة تسوده الرومانسية في جوانب سرده ، لاغياً دور العاطفة في النص الديني ، ليحدث نسقاً فريداً في الكتابة كتلك الحداثية التي نجدها عند أبي تمام ، و يتعمق في النظرة إلى المجال الذي يكتب فيه ، فجاءت كتاباته كثورات حداثية على الموروثات القديمة عنوانها عبقريته رافضاً جوائز الدولة التقديرية لأن العبقرية لا تقدر بثمن .
Hamza shabab
* شاعر و أديب فلسطيني .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة