من أنثولوجيا الشاعر سامي العامري (1): شمس لاهاي

التصنيف : فن وثقافة (:::)
خالد جواد شبيل (:::)
“أطلِقْ طائرَك!” هذه الجملة الأمرية الصغيرة، تحمل حِكمة شرقية عميقة، أطلَقَها شاعرُ الهند طاغور، ولا شك أنه أراد بها أن يتميزَ كلُّ مبدع في مجال اختصاصه الخَلقي عن غيره بعيداً عن التقليد. . وحين فكّرتُ أن أكتب عن سامي العامري كنتُ أتريثُ في كلِّ مرّة وأرجيء الأمرَ معلِلاً النفْس بأسباب شتى؛ والأمرُ في حقيقته أن الكتابة عن العامري مَهَمةٌ ليست هيّنة، ذلك أن هذا الشاعرَ واسعُ الأفق متعدد المواهب، والقصيدة عنده لا تكرر نفسها. هو شاعر وناقد وقاص ومقالي! ورغم فيض منجزه وتنوعه كنتُ في كل مرّة أخشى عليه من النَّمَطية أو من خفوت النفَس الشّعري أو التكرار الذاتي الذي يُضعفُ الخاطرَ الوجداني ويُفقرُ المخيلة الشعرية ويُخفتُ العاطفة، ويشتِّتُ الفكرة، ويَستهلك الذخيرةَ اللغويةّ إلا أن طائرَ العامري ظلّ يحلِّقُ في مّديات عالية، بارعاً في طيرانه بمقدار ما هو مغرَدٌ شجيُّ الصوت فصيحُ الإنشاد..
ثلاث محطات في حياة الشاعر، أكسبته خبرة حياتية ثرّة، لوّنَها الحزنُ والمرارة والسخرية والخيبة و الحنين ولوعة فراق لأناس قريبين منه فارقهم فراقا أبديا، وحبٌ عاطفي وموضوعي فتح له باب السعادة ثم تبخر على حين غرة لتعودَ الخيبةُ والوحشة ويتعمقَ الحنين، كل هذا سيكون جواز مرور لفهم منجزات العامري، ومادام الأمر كذلك فعلامَ نحمل السُّلّمَ عَرضاً؟!
“سامي” ابن الريف، وإن شئـتَ ابن الريف المتحضر ولد في قرية من “أبو غريب” التي طبقت شهرتها الآفاق بسبب سجنها الشهير وما شهده- من بلاوي المحررين- متجاوزاً شهرة كلية الزراعة المرموقة و معاهدها ومعامل الانتاج الحيواني والنباتي و مصانع المواد الغذائية؛؛ واختزنت ذكرياتِ الريف رأسُه الصغيرة وبقيت تختزن المكان والزمان والناس من رحل منهم ومن أقام .. بساتين مثمرة وأرض خضراء تمتد على مرمى البصر ومعاز ذوات أجراس وخراف موسومة ودجاج وراعية رؤوف مترعة بحس إنساني أحبها، وجدة حنون وبقرتها، وأم رؤوم وطيبتها،، انتقل الى بغداد حيث درس ودخل الجامعة –معهد الإدارة- على غير رغبة وحُرِم دون وجه حق من كلية الآداب حين بدا “سامي” فتىً مولعاً بالقراءة النهمة، وتشبع بحب الشعر وبدأ يتعاطاه وأدرك الشاعرُ الشابُ عادلٌ موهبته وشجعه ووجد هو الآخرُ في عادل مُعلّما،، لقد ابتلعتِ الحربُ مع إيران عادلا وشعره وأحلامه، مثلما ابتلعت مئين الألوف من الشباب وأوشك أن يكون “سامي” منهم لولا هربه من الخطوط الأمامية في أشد وطيس لها (عام 1984) في بنجوين الى إيران مشيا على الأرجل في ليلة ليلاء قمراء!
كان العامري محظوظاً فقد أفلت من عيون العسس ونجا من الألغام والضواري، هو في محطته الثانية إذن وفي مخيم شمال طهران والطعام حساء وخبز للمعدة، والكتاب هي غذاء للعقل والروح، وحلم كبير في أن يُفلِت الى الغرب وأن يتنسم الحرية ويكتب شعراً وسيُسمع صوته للآخرين من العراقيين وستتوفر لموهبته الأجواء لتخرج من عقالها كما تشق النبتة تربة الأرض؛ والذي نجا من فم الكريهة بأعجوبة ألا يستطع أن يجتاز المعبر؟ واجتازه بجواز مزوَّر بعد سنة ونصف السنة من الحرمان!
هي ذا بلاد الألمان تستقبله؛ وأكب على تعلم الالمانية وبدأ الشاعر سامي العامري ينشر شعرا ومقالات في الصحف وبدأ يتعرف على وسطه الجديد ويكسب بعض الصديقات ما سرًع من فهمه للمجتمع الألماني وبدأ يتعلم الالمانية ويقرأ فيها ويترجم منها وتعرف على هاينه وغوته وهرمان هسه وبرخت ووسع من ثقافته، كل هذا ونزوع بوهيمي وميل الى الخمر وربما غير الخمر من الدخان والقهوة والكتاب، وخيبة أمل من انغلاق المثقفين العراقيين بدائرة لا ترحب بالوافدين الجدد حتى ولو كانوا اصحاب مواهب من قبيل سامي العامري! فعانى من الوحدة وتنقل بين المدن واستقر في كولونيا أطول فترة حين تعرف على سيدة سيكون لها أثر كبير في صقل تجربته وتوسيع مداركه بما في ذلك اللغة الألمانية وانتج شعرا وقصصا، وبدأ يتألق سامي العامري ولم تدم السعادة فبعد حسن عِشرة (اثنا عشر عاماً) مع ريتا نيبركال التي اختطفها الموت بلا مقدمات، وأطفئت سُرُجُ كولونيا وغدت مظلمة؛ سينتقل الى برلين وسيُهديها رواية ” ربة الشفاء”..لينكفيء على ذاته وليبدأ مرحلة العزلة والميل الى التصوف، فان رحلت ريتا جسداً فمازالت ترافقه روحا .. كل هذا سنلمس تاثيراته في أنثولوجيا الشاعر المبدع سامي العامري، وسنقف عند ملكته الشعرية، وخصائصها في ما نختار من قصائد، و سنتوقف ماوسع الحال معه في المنحى البوهيمي، الصوفي، الحنين، الحزن، مصادر شعريته وتأثراته، وأشياء أخَر ستعنُّ لنا خلال معالجتنا لمنتخبات هذه القصائد؛ ولكن لماذا هذه الأنثولوجيا ؟ ألا تكفي كلمة مجموعة؟ لا، لأن للشاعر مجاميع شعرية وقصصاً ورواية…

منجز العامري
أصدر في القاهرة أربع مجاميع شعرية من مختلف دور النشر، المجموعة الأولى:السكسفون المُجَنّح عام 2004، والأخرى عام 2011، وهي: أستميحك ورداً؛ العالم يحتفل بافتتاح جروحي، اعراض حفاوتي بالزئبق؛؛ حديث الشفاء- رواية؛ النهر الأول قبل الميلاد- قصص….ألفت نظر القاريء الكريم الى الانتباه بين تاريخي صدور المجموعة الأولى 2004، وبين تاريخ الأعمال الأخرى عام 2011، حيث ظل الشاعر يناضل من أجل الطبع حين يكون العامل المادي عائقاً، ولولا مساعدة الأصدقاء لما تم الطبع!!إنها محنة النشر..
“شمس لاهاي” من الشعر السياحي، وهو شعر عريق في أدبنا العربي، كتبت فيه روائع، نذكر على سبيل المثال: قصيد ة ِ” شِعب بوّان” للمتنبي وهي من أعمال شيراز، وشوقي في زحلة “يا جارة الوادي” وفي “دمشق روح وجنات وريحان” وعلي محمود طه المهندس في ” من أين يا كانُ هذه الصور” وفي البندقية “الجندول” والجواهري في لبنان له قصائد وما قيل في بغداد كثير، لبَشارة الخوري، ونزار قباني…
والآن الى قصيدة شمس لاهاي، التي سأقسمها الى أربعة مقاطع بدون تعسف لأنها تتالف من أربع حركات ضمن وحدة الموضوع:
من نافذة قطارْ/ يمتدُ العالمُ مرعىً / تتوزع فيه كقطع الشطرنج الأبقارْ/ ساهمةً لاهيةً / فأنا في الصيفِ / ولكن هولندا بغمائمها / لاتعرف من كل العالم سوى آذار / الكل تجَففَ تحت الشمسِ / عدا هولندا .. / فيها الشمس تشعشعُ لا نوراً / بل أمطارْ / دربٌ رحبٌ / صبحٌ رطبٌ / ولذلك ما أكتبهُ / جبن هولندي لا أشعار!
الشاعر ينظر الى الطبيعة لا بعين الكاميرا الصماء وإنما يرهف الحسُ، ويعمل الجمالُ في خاطره ويختمرُ ليحوله من مشهد مادي الى صور حسًية وجدانية تذكي العاطفة والخيال وتنقله الى ماض بعيد يتسلل الى خاطره من لاوعيه؛ في قرية هجروها وتركوا الجدة وبقرتها، وكم تمنى ابن الخمس سنوات لو جلبوا الجَدة والبقرة والدجاج الى حي المأمون البغدادي الحديث ولا أقل من جدةٍ تحكي حكاياتٍ وبقرةٍ تحكي حليباً وجُبنا و دجاجٍ بيضا.ً الذي أخرجه الشاعر من خاطره صوراً مرسومة بالكلمات، مرعى واسع تنتشر البقرات الجميلات بحرية وأمان ورائحة الارض عبقة بفعل المطر الرذاذ الذي أنعش الجو وقارن بين آذار الهولندي وآذار العراقي ذي ” الزلازل والامطار” والشمس القوية (لعلها شمس الباقلاء)، وختم المقطع بأن ما يصفه من أرض ومطر وأبقار محصلته الجبن الهولندي من الخوْدا وإخوانه .. الموسيقى عالية وينتقل من أجواء الكامل الى المتدارك في ” درب رحب/ صبح رطب)، وتخلص الشاعر بمهارة من الإقواء بالوقوف على روي الراء، إلا في (بل أمطار) حيث لزم أن يكون (بل أمطاراً) وهو إقواء حميد اقتضته الضرورة..

الحركة الثانية:
أنا المقدوني / حيث عبرتُ جميع المحيطاتْ / وغزوت جميع الولاياتْ / واقترنت بألف من الملكاتْ / ودانت لبأسي الحياةْ / لا بجيش / ولكن بجلسة تبَغٍ / وفصيلٍ من العبرات.
هنا توارد الأفكار، انكفاء داخلي فاتر، وجعل الصوت فاتراٍ، كمن غنى بجواب اقتضى بعده القرار، لابأس فالحالة التأملية تذكي المشاعر، والتبغ يهدىء، والشاعر في انتشاء روحي وانسجام مع الذات!

الحركة الثالثة:
فيها الشمسُ تشعشعُ لا نوراً بل أمطارْ/ دربٌ رحبٌ / صبحٌ رَطبٌ / ولذلك .. / ما أكتُبُهُ جبن هولندي لا أشعار / بعد سنين / تتعشين معي / وتُسرّين! / هل هذا حُلُم أم هلوسةٌ من زمن معتاده؟ / يا شكراً لحضوركِ / بشراً في هيأة بِشر / وغناء / وحماماتٍ تهدلُ فوق الغصن / والغصن يفتشُ مثلي / عن لحظات استرخاءٍ / ووسادة!
الشاعر في هذا المقطع يتماهى بين العالم الخارجي والداخي بشكل ملتحم، ابتدأ باسترجاع النبرة العالية بعد الخفوت وجعل أجمل العبارات الشعرية مكررة لجمالها، وهوالتكرار البلاغي الذي يشحذ النفس ويبهج الخاطر، واستعادة الانتشاء واستحضر من أراد أن يستحضر للراحلة ريتا أجمل الذكريات، جاءه الطيف على هيئة بشر وإن كان ملاكا .. والوسادة التي أراد أن يضع رأسها ورأسه وتنزل الدموع لتختلط مع بعضها..ألم يردد قول هاينرش هاينه: ضعي خدكِ الى جانب خدي لتسيل دموعنا معاً. ولي اعتراض يا صديقي سامي على رسمك “هيأه” وصحيحها “هيئة” لأن الياء الساكنه قبل الهمزة تعمل عمل الكسرة، والكسرة أقوى من الفتحة بل أقوى من جميع الحركات..

الحركة الرابعة:
وقالت أحبُكَ أنتا / أيا أول الزارعين بروحي / يا أول الساهرين عليها /أحبك حيث العواطف شتى / ودمائي وهي تفور بحبك /تصنع من نبض شوقي أوسع دلتا / أحبكَ أنتا.
هذا هو مسك الختام ويا لها من عاطفة نبيلة ويا له من همس منساب مع مد التاء، ولا يتحمل السمو هذا تعليق خشية ألا يُفسَد.. يا للراشاقة يالحسن الإبتداء ويا لروعة الكلم وجمال التصوير ورقة العزف..
لقد ابدع الشاعر سامي العامري وأود أن أوجه عناية الشعراء الجدد بل وحتى المتمرسين، كيف تكون العبارة الشعرية قد أنجزت مهمتها من حيث الطول والقصر وفق المعنى واللفظ لا وفق إرادة الشاعرة، هذه القصيدة قالت شاعرها، فهي واحدة من الدرر الفريدة المتقنة معنى ومبنى .. أختتم بتعليق على القصيدة حيث نشرت بموقع النور:
(بعد حذف المقتبس) الشاعر المبدع سامي العامري..ماذا أقول؟ أنت شاعر رائع، كيف استطعت أن تذيب هذه الحسناء هولندا في روحك وتخرج بهذه الأغنية الهولندية- العراقية التي لا نشاز في خلطتها! كيف ضعّفت هذا الفعل (شعشع) وجعلته هامسا؟ العامري يعزف تقسيمات ببراعة (صولو) مصحوبة بصور شعرية متتالية، بل قل هي موسيقى تصويرية ولا تخف! هولندا الحسناء ” سقاها مضاعف الخير العميم” فأنببت عشباً أخضر وروت أبقاراً حسانا – زينة للناظرين – وأعطت جُبناً. رائحة الارض يضوع نشرها وإن غاب الخزامى (التوليب) لماذا أيها العامري الجميل؟ وحقك شممت نشره بين كلماتك الساحرة .. وقالت أحبك أنتا .. أحبك حيث العواطف شتى. واسلموا/خالد

رام كم هنغ 30 سبتمبر 2014
………………
هامش1 المعلومات عن الشاعر سامي العامري استقيتها من الحوارات التي قام بها كل من: الاستاذة الافاضل: عزيزة رحموني؛ والدكتورة فضيلة عرفات محمد، والاستاذ حمودي الكناني..
2 إن كاتب هذه المادة قد قام برحلة بسيارته صيف عام 1992 منطلقا من ستوكهولم الى يوتبوري عابرا البحر الى فريدريكسهامن الدنماركية ثم هامبرغ وبريمن والى هولندا عبر غروننغن حتى غرب فرنسا مونت سانت ميشيل في الاطلسي ورجع الى حيث انطلق عبر طريق آخر وقد طابت هولندا بمتاحفها وزهزرها ومهرجانات الأجبان وطعامها اللذيذ وسوائلها المنعشة الباردة! ولست بشاعر حتى أصفها كما وصفها العامري فابدع…

اقرأ أيضاً
* سوانح في غائية النقد الشامل
* من أنثولوجيا الشاعر سامي العامري (2)
* مُوحِيات “تَرمي يَواقيتَها” للشاعر جمال مصطفى
* في ألقاب الشعراء والأدباء (3): استطرادٌ ودلالات
* التلوث الإشعاعي في العراق للبروفسور د. كاظم المقدادي
 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة