قناة السويس الجديدة بين أحلام مرسي التنموية وأوهام السيسي!!

التصنيف : دراسات (:::)
بقلم : بكر السباتين * (:::)
من يدفع ثمن النتائج!!
لا أصدق الوعود السياسية التي يطلقها القادة أمام شعوبهم دون أن تعزز بأرقام واقعية نافرة لا تخفي شيئاً خلف السطور، غير مقرونة بتبريرات سياسية قد تغطي العيوب. فالأرقام هي سيدة الموقف عند حساب الربح والخسارة وبياناتهما؛ لأنها تحرر فم القضاة عند الفصل بالأمور. كما وتلجم أفواه الفاسدين عند المواجهة. ليس هذا فحسب؛ إذ أن العبور من خلالها إلى النتائج لا يحتمل التفرع في المقاييس والمراوغة في التقييم؛ لأنها كالسيف القاطع حينما تصرح بياناتها بالحقيقة القائمة على وسائل حسابية متفق عليها بعيداً عن لغة التقديرات التي قد تسوِّق الوهمَ على انه حلم وطني جميل.
من هنا سيأخذنا الحديث عن جدوى إنشاء قناة السويس الجديدة، تلك الفكرة المأخوذة عن مشروع تبناه سابقاً الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي وتم رفضه حينذاك من قبل الجيش بذريعة أنه سيفتح الباب أمام الدول الكبرى للسيطرة على البلاد.
ويعتبر مشروع قناة السويس الجديدة الذي يتبناه اليوم الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي الأقل حجماً وكفاءة من مشروع نظيره المعزول لعدم قدرة هيئة القناة اليوم على استقطاب رؤوس الأموال العالمية الضخمة لتحقيقه حسب مخططه الأصلي، خلافاً لما حظي به مشروع قناة مرسي المتكامل تنموياً من دعم رأسمالي عالمي؛ بينما تقتصر فكرة المشروع الحالي فقط على تطوير قناة السويس كممر ملاحي، من خلال إنشاء تفريعة جديدة موازية للقناة الحالية بطول 34 كم وتعميق وتوسيع المجري الملاحي الحالي بطول 72كم،.
إن التكلفة الأولية للمشرع حسب البيانات المنشورة على المواقع المصرية الرسمية فهي على النحو التالي: 4 مليار دولارا ( تم الاكتتاب بها اليوم) فقط لحفر القناة وما يتعلق بها من تسوية مساحية دون استخدام مواد الخرسانة ومستلزماتها للبناء، أما 8.2 دولارا فيتضمنها ستة أنفاق، منها ثلاثة عند بورسعيد والبقية عند الإسماعيلية. كما جاء على لسان رئيس هيئة قناة السويس؛ وذلك من باب التقدير الأولى للاستثمارات المطلوبة لمشروع تنمية محور قناة السويس. والجاري تنفيذها الآن بواسطة رأس المال الذي تم الاكتتاب به من خلال شهادات الاستثمارولتشجيع المواطنين على شراء سندات الاستثمار في المشروع فقد ألغيت الفوائد عليها من الرسوم والضرائب ما جعل الإقبال على الشراء يتجاوز كل الحدود وكأن الحكومة المصرية تستنسخ تجربة الريان الشهيرة التي جلبت الوعود الخاسرة للمواطن المصري بكل فئاته. وهذا التسويق للمشروع يدخل في نطاق الدعاية بينما تخفي بياناته وراءها الكثير من السلبيات كما سيتبين معنا لاحقا. أما ما تم جمعه لصالح مشروع القناة فهو مبلغ زهيد أمام حجم المشروع الأصلي الذي سيكلف لو تم العمل على تنفيذه قريب المائة مليار دولارا وهو ما كان سينجح في عهد مرسي الذي وجد التمويل المناسب له قبل عزله.
لقد تجرع المواطن المصري الفكرة لأسباب ربما لها علاقة بالغريق اليائس الذي يتعلق بقشة.. لأن الفكرة التي سرقت منقوصة الفوائد لأسباب تتعلق بعجز التمويل الإجمالي للمشروع المتكامل؛ قد تشوهت، ما يدعو للتكهن بأن ثمة مستقبل لا ضمانات فيه ينتظر قناة السويس الجديدة.
كنت قبل أيام في سهرة عائلية جمعتني بالاقتصادي المهندس عمر السباتين الذي يهتم بتفاصيل مشروع القناة بحكم عمله، ومن باب الغيرة على مقدرات الوطن العربي، التي يروح معظمها هباءاً منثوراً في مشاريع فاشلة، يتعثر نموها من جراء سياسات تقوم على المصالح الحزبية الضيقة؛ دون رقابة خارجية. فقط! لأجل الخروج من أزماتها الداخلية، بتحييد الشعوب وتعليق آمالهم على الأوهام كما هو دأب ما يجري في مصر.
شب النقاش وانفتحت الأسئلة على بعضها حول المشروع ومدى فائدته في وضعه المنقوص الحالي. وشرع في حساب البيانات التي أخرجناها من المواقع المعنية بالأمر، وكانت النتيجة أن الجدوى الاقتصادية اعتمدت كما يبدو على حقيقتين، أولهما إيرادات القناة الأصلية التي قد تصل إلى 5.7 مليار دولاراً، ومع خصم المصاريف التشغيلية للقناة التي تقدر بمليار دولار سيتحقق صافي الربح وهو 4.7 مليار دولاراً. وثانيهما، الازدحام الذي تشهده القناة في معدل الذروة ما يجعل فترة انتظار عبور كل سفينة شحن مدة ثلاثة أيام. وهو أمر طبيعي ولا يؤدي إلى اعتماد خيارات بديلة كاللجوء إلى الالتفاف حول الرجاء الصالح عبر المحيط الأطلسي فالهندي باتجاه شرق آسيا أو الخليج العربي؛ وهو خيار مكلف جداً من حيث استهلاك السفن والطاقة ويشكل هدراً للوقت قد يصل إلى معدل العشرة أيام خلافا لمنافع قناة السويس الأصلية أوربياً. أي أن القناة الجديدة وجدت فقط لاختصار الزمن! فهل تستطيع إدارة القناة بيع زمن التوفير بإضافة كلفة جديدة على فاتورة المرور!؟ وإن حصل ذلك فلن يغطي هذا الربح (المحتمل)!! كلفة تشغيل التفرع الجديد للقناة الذي سيشارك القناة الأصلية بالربح دون ناتج يغطي التكاليف الإضافية وهي في نظري خسارة، علما بأن المشروع في وضعه الراهن لا يقدم الخدمات اللوجستية التي كانت موجودة في مشروع مرسي التنموي الشامل للقناة، كما سيتبين معنا لاحقاً، الأمر الذي سيخفف من ضغط العبور للقناة الأم وتحويل الجزء الآخر إلى القناة الجديدة، دون استقطاب الجديد من السفن، لمحدودية الحركة البحرية في البحر الأبيض المتوسط؛ لأن زيادة حركة التجارة البحرية الأوربية تعتمد على التنمية في الدول المطلة على المتوسط، مع الوضع بعين الاعتبار أن قناة السويس الأصلية أو الجديدة هي الخيار الأنسب والمعتمد من قبل تلك الدول، فما هو المغزى الاقتصادي من حفر قناة جديدة إذن!؟.
إن الرابح الأول مؤقتا من المشروع هي القيادة السياسية في مصر، ثم رجال الأعمال والشركات، أما أفراد الشعب الذين سيدفعون من مدخراتهم فربما يحققون ربحا هامشيا لفترة، ولكن ماذا عن عائد المشروع على الاستثمار بعد 5-7 سنوات حينما يكتشف المواطن مدى الغبن الذي أصابه! فهل سيعوض من أرباح القناة الأم حتى لا تقع البلاد في أزمة جديدة درءاً من وقوع نظام السيسي في المأزق الذي يهرب منه!؟
علماً بأن فكرة المشروع الأساسية التي تبناها محمد مرسي كانت تقوم على تحويل منطقة القناة برمتها (الأصل والفرع الجديد) إلى منطقة حرة تستقبل البضائع ومن ثم يعاد تصديرها، فتجبي هيئة القناة منها عائدات ضخمة ومضمونة تضاف على رسوم العبور من خلال العمولات على البيع. ناهيك عن إقامة المنشآت الصناعية الضخمة ومستودعات التخزين وأحواض بناء السفن وصيانتها. ونشر المرافق السياحية لتحويل القناة إلى منطقة اقتصادية عالمية كشأن مشروع جبل علي في الإمارات الذي يعد أكبر منطقة حرة في العالم! وكان مقدر للمشروع حينذاك أن ينفذ بمساهمة أجنبية طغى عليها نصيب قطر ما أثار حفيظة الجيش، بينما حوربت الفكرة من قبل الإمارات العربية كون هذا المشروع الحيوي سيهمشها اقتصادياً على اعتبار أن منطقة القناة هي الأنسب لتحقيق هذا المشروع الإقليمي الضخم الأمر الذي قادها لدعم انقلاب السيسي ومباركة خطوات الجيش المصري نحو تعطيل المشروع الأضخم استراتيجياً.
والذي كان معداً ليخلق حوالي 1.5 مليون فرصة عمل ورفع عوائد محور القناة من 5.3 مليار دولار إلي 100 مليار دولار سنويا ” خلال 7 سنوات” فيما خطط له آنذاك ليأخذ مشروع تنمية محور قناة السويس من خلال انتظار السفن كفرصة يجب استغلالها في خدمات النقل البحري، كذلك مساهمات الصناعة في الدخل السنوي للمشروع ب40% أي ما يقرب من 40 مليار دولار سنويا”.
وهي حقائق كشف عنها المفكر الأمريكي “نعوم تشومسكي”-علامات أون لاين- حيث أشار إلى أن هناك عدة أسباب تجعل دولة مثل الإمارات تعادي نظام الرئيس مرسي في مصر، و تدعم الانقلاب ومنها مشروع تطوير إقليم قناة السويس، الذي تبناه الرئيس مرسي، لأنه سيُصبح أكبر كارثة لاقتصاد الإمارات، لأن اقتصادها خدمي وليس إنتاجي، يقوم علي لوجستيات الموانئ البحرية، وموقع قناة السويس هو موقع استراتيجي دولي، أفضل من مدينة دبى المنزوية في مكان داخل الخليج العربي، الذي يمكن غلقه إذا ما نشب صراع مع إيران.
المشروع ما زال في بداياته والحكمة تقتضي بأن لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. لأن السياسة تسوق الأوهام بينما للحسابات الاقتصادية بيانات أخرى تتجاوز الأضاليل فيما على الشعب المغبون دائماً الخيار في الرفض أو القبول.
__________________________________________________
*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/

 

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة