دراسة في عمق التجربة اليمنية

التصنيف : دراسات (:::)
 

بقلم : بكر السباتين * (:::)
الأخطاء الجسيمة التي أدت إلى انهيار المشهد السياسي في اليمن!
وأكثر من سؤال!
من منا لا يحمل الجينات اليمنية الأولى.. ذلك البلد القصي مكانيا، القريب معنوياً.. الذي يمثل الدمغة العربية لشهادة ميلاد كل عربي.. اليمن السعيد.. الذي أدخل عنوة بيد أبنائه قوارير الاختبار للنيل من وحدته التي مثلت عبر التاريخ البوتقة المثالية للوحدة القومية والطائفية.. المشهد اليوم يرصد وعلى المكشوف كل العابثين في مكوناته الفسيفسائية.. وكأنه كتب على ذلك البلد الذي تبرعمت في عمق تاريخه الأصول العربية ليزج به الآن في أزمة وجودية لا فكاك لها إلا بتقسيمه وشرذمة طاقاته.. هذا اليمن الذي كان سعيداً بدا اليوم الأكثر تعاسة وشقاءً.. فمن يقف وراء مصيبته!؟
سنشخص الحالة اليمنية في العمق بالرجوع قليلاً إلى الوراء.
كان من أهم نتائج الربيع العربي الذي فجر الحالة اليمنية هو تنحي الرئيس اليمني علي عبد الله صالح رسميا عن السلطة في يوم 27 فبراير/شباط 2012، بعد 33 عاما من حكم اليمن. ولعل مرحلة حكمة ولدت تداعيات الفوضى في البلاد نتيجة الفساد الذي استشرى إلى درجة غير محتملة ما جعل اليمن لقمة سائغة في أفواه الخصوم المحليين والإقليميين وخاصة جماعة الحراك الجنوبي والحوثيين. فأنيطت مهمة إصلاح البلاد على عاتق الرئيس الجديد حينئذْ عبد ربه منصور هادي الذي قاد المرحلة المتأزمة في اليمن إلى سياقات كارثية بسب انشغاله بتثبيت موقعه القيادي على حساب المصالح العليا لبلاده. فبدلاً من الشروع في فتح أبواب الحوار إلى جانب تقوية الجيش الذي يعتبر ضامناً لكل الحلول المحتملة؛ فقد ترك اليمن عرضة لكل الاحتمالات السيئة بطرد الضباط الكبار من واجهة القيادة، بذريعة ولائهم للرئيس المعزول مقدماً في حينها على خطوة شبيهة بما حصل في العراق بعد إسقاط صدام حسين وذلك بإعادة هيكلة الجيش بما يتناسب وتطلعاته نحو البقاء أكبر مدة ممكنة؛ ما جرَّ البلاد إلى فوضى لا يمكن التحكم بها من قبل جيش مستجد متشرذم قليل الخبرات؛ الأمر الذي فتح المجال لظهور تحالفات يديرها الرئيس المعزول علي عبدالله صالح في الخفاء ( كما يرى مراقبون) مع أعدائه السابقين لأهداف شخصية في إطار الحرب الباردة بين حلفاء الماضي.
وهو ما فتح شهية بعض القوى الإقليمة المجاورة لليمن لتثبيت محدداتها الجيوسياسية على الأرض اليمنية، انطلاقاً من محور الحقوق المهضومة للحيثيين الممثلين بجماعة (أنصار الله الحوثية)؛ ما جلب لتلك الفئة دعماً إيرانياً مفتوحا لا يمكن نفيه إطلاقاً والذي تلاقى مع رغبة كل من السعودية والإمارات العربية في تدمير البنية السياسية لجماعة الأخوان المسلمين القريبة من الرئيس اليمني الحالي، والتي ترتع في حاضنة عشائرية كبرى تتمثل بآل الأحمر ، والمقصود هنا (التجمع الوطني للإصلاح )، إضافة لحساسية دول العالم وخاصة الخليجية من التواجد الميداني المتنامي لجماعة القاعدة المحظورة على أرض الصراع، وهذا كله جاء منسجما مع تطلعات الحراك الجنوبي نحو استعادة ما فقدوه في إطار وحدة اليمن التي انتزعت منهم حضرموت وعدن، وفي المحصلة توافقت كل الظروف والتطلعات الإقليمية لدعم تحركات الحوثيين المتمثلة بجماعة (أنصار الله الحوثية)، سراً أو علانية، على قاعدة نسيان الماضي وخاصة ما يتعلق بالعداء القديم بين هذه الجماعة والسعودية.
وهذا ما تجلى فيما تسرب من أنباء بعد سقوط العاصمة اليمنية صنعاء بيد الحوثيين، نشرتها الجزيرة نت مؤخراً نقلاً عن مصادر أمنية يمنية إنها رصدت اجتماعات لضباط وخبراء في سفارة دولة عربية بصنعاء لتنسيق وترتيب تسليم العاصمة اليمنية للحوثيين، وضرب القوى العسكرية والسياسية المحسوبة على ثورة الشباب. وأضافت أن اجتماعات أخرى عقدت بفندق مجاور للسفارة الإيرانية بصنعاء للغرض ذاته.
جدير بالذكر أن جماعة الحوثي كانت قد كشفت أنها نسقت مع بعض القيادات الرسمية قبل مهاجمة صنعاء. وأشار المتحدث باسمها محمد عبد السلام إلى تنسيق مسبق مع الرئاسة ووزارة الدفاع اليمنيتين, ومع جهات إقليمية ودولية.
كما اتهم رئيس الدائرة السياسية لحزب التجمع اليمني للإصلاح سعيد شمسان وزير الدفاع محمد ناصر أحمد بالتواطؤ مع الحوثيين لإعطائه تعليمات لمعسكرات الجيش بصنعاء بالتوقف عن المقاومة والاستسلام للحوثيين. وطالب شمسان بمحاكمة الوزير لكشف ما حصل فعلا أثناء سقوط العاصمة.
الحلول منذ بداية أزمة الربيع العربي في اليمن كانت ذات أبعاد تقسيمية حولت مشروع الوحدة اليمنية إلى كعكة جعلت تتصارع على المحاصة فيها كل القوى اليمنية. فالجنوبيون كان لا يرضيهم أقل من العودة إلى ما قبل الوحدة اليمنية إبريل( 1990 ). ثم جاء مقترح تقسيم البلاد إلى ستة أقاليم وجد فيه الحيثيون قضماً لحقوقهم في المياه الإقليمية اليمنية على البحر الأحمر أو المحيط الهندي وهو ما زاد من دافعيتهم للتغيير عل حساب ما ترمي إليه بعض الجهان، باتجاه تقسم البلاد أو مطالبة البعض بالحفاظ على وحدة البلاد الإندماجية، أو في إطار الوحدة الفيدرالية التي تجمع بين الأقاليم اليمنية. وهو الخيار التوافقي الذي يقوم على الممازجة بين التقسيم الإقليمي داخل البلاد في إطاره الوحدوي.
من هنا يمكن قراءة الأزمة اليمنية لفهم مصير البلاد وخاصة أن الجيش تهمش تماماً في الصراع متحولاً إلى داعم خفي لتحركات الحوثيين الأخيرة التي وصلت ذروتها إلى السيطرة على العاصمة صنعاء، والتحكم بمحددات السياسة اليمنية الجديدة وفق المتغيرات على الأرض؛ والذي تمخض عنه إتفاق السلم والشراكة الوطنية، وهو إتفاق سياسي يمني وُقع في 21 سبتمبر 2014 لتسوية الأزمة بين الحوثيين والسلطات والمكونات السياسية في اليمن، ورفض الحوثيين التوقيع على الملحق الأمني التابع للإتفاق حينها وتم التوقيع عليه في 27 سبتمبر. ويحوي الملحق الأمني سبعة بنود أهمها تأكيد ضرورة بسط نفوذ الدولة واستعادة أراضيها، وإزالة التوتر السياسي والأمني من صنعاء، بالإضافة إلى تشكيل لجنة مشتركة لوقف جميع أعمال القتال في محافظتي الجوف ومأرب وفق فترة زمنية محددة. واتهم الرئيس هادي في 26 سبتمبر الحوثيين بعدم احترام الإتفاق ودعاهم للانسحاب من صنعاء التي يسيطرون عليها منذ توقيع الإتفاق.
وفي جوهر هذا الاتفاق بناء على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، التي توافقت عليها جميع المكونات اليمنية؛ يمكن فهم بعض المعطيات، التي من خلالها سيتم إرساء أسس بناء دولة يمنية اتحادية ديموقراطية جديدة مبنية على مبادىء سيادة القانون والمواطنة المتساوية واحترام حقوق الإنسان والحكم الرشيد، والتزاماً بوحدة اليمن وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه، واستجابة لمطالب الشعب في التغيير السلمي وإجراء إصلاحات اقتصادية ومالية وإدارية وتحقيق الرفاه الاقتصادي، وخدمة للمصلحة الوطنية العليا، وتجسيداً للشراكة والتوافق في التشخيص والحلول والتنفيذ، والتزاماً باستقرار البلاد وتحقيق مستقبل ديموقراطي واعد ومشرق، ومن أجل الوحدة الوطنية وبناء السلام وتعزيزه.
ويلاحظ في بنود هذا الاتفاق جملة من المعايير الإصلاحية التنموية التي لا تشاب كتطوير الإجراءات التنفيذية لبنود الاتفاق وتفعيل جهاز المتابعة والتفتيش ورصد المخالفات التي من شأنها القفز على ما اتفق عليه. وكان التركيز ينصب على مصلحة المواطن فيما يتعلق بفتح المنافسة والاستيراد والتصدير أمام القطاع الخاص، ودراسة أسعار السلع الأساسية، كذلك ضمان جباية عائدات الضرائب والجمارك، والإصلاح الضريبي والجمركي، فتحصيل المديونية العامة لكافة مؤسسات الدولة، سواء كانت ضريبية أو جمركية أو خدماتية أو غيرها، يشمل ذلك الجميع مع التركيز على فئة كبار الملاك، ناهيك عن إلغاء الازدواج الوظيفي والوظائف الوهمية في جميع مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، والتوظيف في مؤسسات الدولة المدنية عبر وزارة الخدمة المدنية مع مراعاة ما نصت عليه مخرجات مؤتمر الحوار الوطني من معالجات استثنائية، أيضاً تطبيق نظام البصمة في جميع مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، وتخفيف العبء عن كاهل المواطنين جراء قرار الإصلاحات السعرية للمشتقات النفطية، ثم الاستثمار في البنى التحتية، ومحاربة الفساد المالي والإداري، وأخيراً دعم برامج الحماية الاجتماعية.
وهذه المطالبات لا شك ستجلب الدعم الشعبي للوفاق الوطني وربما ستعزز موقف الحوثيين الذين يظهرون المرونة في هذه الإصلاحات كمنقذين للبلاد فيما يثيرون الشكوك حينما يتعلق الأمر برفضهم للشق العسكري والأمني في هذا الاتفاق.
نستطيع القول أن بيانات ما يدور على أرض الواقع تتناقض ما بين قيادة الحوثيين المرنة مع مطالب الشعب اليمني وانتهاجهم مبدأ الرقابة الإستشارية الملازمة لرئيس الجمهورية وحكومته المتفق عليها مقابل سلوكهم المغاير في سعيهم للحصول على أكبر المكتسبات السياسية والعسكرية التي من شأنها ترسيخ وجودهم القيادي في الحالة اليمنية الجديدة. غير منكرين اعتمادهم على دعم بعض قطاعات القوى الوطنية والسفارات الفاعلة في البلاد.
ولعل الضغوطات الحوثية قد أفرزت أول المتطلبات لتنفيذ بنود الاتفاق، وذلك بموافقة جميع القوى الوطنية على رئيس الحكومة المقترح، الذي يتمتع بخبرة تكنوقراطية في مجالات السياسة والإدارة والطاقة، وهو من خارج الأطر الحزبية والجهوية في اليمن. حيث أعلنت وكالة الأنباء الحكومية اليوم في اليمن عن تزكية خالد محفوظ بحاح، من قبل مستشاري القوى السياسية لتشكيل الحكومة الجديدة بموجب اتفاق السلام، الذي تم التوقيع عليه مع الحوثيين.
وإلى الآن والتداعيات المتضاربة في اليمن لا تبشر خيراً في ظل سقوط اليمن في منطقة التجاذبات الإقليمية التي وضعت وحدته على محك التقسيم، والتقزيم للطاقة اليمنية في كل الصعد، بحيث بات بائساً؛ وذلك بيد أبنائه.. فالدعم الإيراني للحوثيين بلغ أشده في أجواء عربية مهياة لذلك بذريعة سد الطريق أمام الزحف الأخواني الذي أصبح في نظرهم قريباً من منطقة اتخاذ القرار ولو في إطاره الإستشاري. فيما يدرك الجميع بأن الحوثيين في غير هذه الظروف المواتية لهم! لن يستطيعوا السيطرة الفعلية الطويلة على البلاد ؛ من هنا دخلت حساباتهم في منطقة المحاصصة والمكتسبات الممكنة..
النتائج مرهونة بالمتغيرات المتسارعة والبقاء للأقوى في المعادلة اليمنية والضحية الكبرى هو اليمن السعيد الذي تحول إلى كائن مريض يستجدي الحياة من خصومه في الداخل والخارج.
__________________________________________________
*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة