جبلواعلى العنت

 

التصنيف: كتابات و مواد دينية
مروة برهان – اسكندرية
قالَ تعالى { يَسْاَلُكَ أهلُ الكتابِ أت تُنَزِّلَ عليهم كتاباً من السماءِ فقد سألوا موسى أكبرَ من ذلك فقالوا أَرِنا الله جهرةً فأخذتهُمُ الصاعقةَ بظُلْمِهِم ثم اتَّخّذُوا العِجْلَ مِن بعدِ ما جاءتْهُمُ البيِّنات فعفَونا عن ذلك و آتَيْنا موسى سُلطاناً مبيناً * و رفعنا فوقَهُمُ الطُّورَ بميثاقِهِم و قلْنا لهمُ اْدْخلوا البابَ سُجَّداً و قلْنا لهم لا تَعْدُوا فى السَّبتِ و أَخْذنا منهم ميثاقاً غليظاً }
الصهاينة على أنواعٍ متعددةٍ و قد قالَ الله { إن الذين يكفرونَ باللهِ و رسولِه } على نَوعٍ من أباطِيلِهِم و هو الإيمانُ ببعضِ الأنبياءِ دون البعضِ و التفرقةِ بين اللهِ و رسولِهِ و فى الآيةِ التى معنا { يَسْاَلُكَ أهلُ الكتاب } تكلمَ اللهُ فيها على نَوعٍ آخرٍ من جهالاتِهِم و ضلالِهِم حيثُ قالوا للرسولِ صلى اللهُ عليه و سلم : إن كنتَ رسولاً من عندِ اللهِ فأتِنا بكتابٍ من عندِ اللهِ جملةً كما جاءَ موسى بالألواحٍ جملةً واحدة , بل إنهم طلبوا من الرسولِ صلى اللهُ عليه و سلم أن يُنَزِّلَ عليهم كتاباً من السماءِ إلى فلانٍ و كتابٍ إلى فلانٍ بأنكَ رسول الله , و تمادوا فى ضلالِهِم و جهلِهِم و طلبوا أن يُنَزِلَ عليهِم كتاباً من السماءِ يعاينونه و يشاهدونه حين ينْزِلَ و إنما اقترحوا ذلك على سبيلِ التَّعَنُّتِ لأن معجزاتَ الرسولِ كانت قد تَقَدَّمَتْ و حَصَلَتْ فعلاً فكان طلبُ الزيادةِ من بابِ التَّعَنُّتْ .
أُسْنِدَ السؤالُ إليهِم أى إلى أهلِ الموجودين فى زمنِ الرسولِ صلى اللهُ عليه و سلم , و إن كان موجوداً فى زمنِ آبائِهِم السابقين فى أيامِ موسى عليه السلام و هم النقباءُ السبعون الذين اختارَهُم موسى عليه السلام ليعتذِروا عن الذين عبدوا العِجْلَ عن قومِهِم لأن هؤلاءَ اليهودُ الموجودين بالمدينةِ زمن الرسولِ صلى اللهُ عليه و سلم كانوا على مذاهبِ اليهودِ السابقين و راضين بسؤالِهِم موسى عليه السلام أن يُرِيَهُمُ اللهَ تعالى جَهرةً فكانوا مُشاكلين لهم فى التَّعَنُّتْ .
و على ذلك يكونُ المقصودُ من الآيةِ بيان ما جبلوا عليه من التَّعَنُّتِ كأنه قيل : إن موسى عليه السلام لَمَّا نزلَ عليه كتابٌ من السماءِ لم يكتفُوا بذلك القدر بل طلبوا منه رؤية اللهِ عزَّ و جلَّ على سبيلِ المعاينةِ و هذا يدلُّ على أن طلبَ يهود المدينةِ زمن الرسولِ صلى اللهُ عليه وسلم لنزولِ الكتابِ عليهِم من السماءِ لمحضِ الإعناد .
قالَ تعالى عنهم ِ فى زمنِ موسى { ثم اتَّخّذُوا العِجْلَ مِن بعدِ ما جاءتْهُمُ البيِّنات } و المعنى بيان كمال جهالاتِهِم و إصرارِهِم عى كفرِهِم فإنهم لم يكتفُوا بعد نزولِ التوراةِ عليهِم بطلبِ الرؤيةِ جهرةً بل ضمُّوا إليه عبادة العِجْلِ و ذلك يدلُّ على مدى تَعَنُّتِهِم و مقدار بعدِهِم عن طلبِ الحقِّ و الدِين . و على هذا يكونُ المرادُ بالبيِّناتِ فى قولِه { مِن بعدِ ما جاءتْهُمُ البيِّنات } أمور منها : –
1 – أنه تعالى جعلَ ما أراهُم من الصاعقةِ التى أهلكتهم بيِّنات فإن الصاعقةَ و إن كانت شيئاً واحداً إلاَّ أنها دالَّة على قدرةِ اللهِ تعالى و على علمِهِ و على صِدْقِ موسى عليه السلام فى دعوَى النبوةِ و الرسالة .
2 – المراد بالبيِّناتِ إنزال الصاعقةِ عليهِم و إحياؤهم بعد مماتِهِم .
3 – أنهم إنما عبدوا العِجْلَ من بعدِ أن شاهدوا معجزات موسى عليه السلام التى كان يُظْهِرُها فى زمانِ فِرعون و هى العصا و اليدُ البيضاءِ و فَلقُ البحرِ من المعجزاتِ القاهرةِ التى يُؤَيِّدُ اللهُ بها أنبياءه و رسله .
ثم قالَ تعالى { فعفَونا عن ذلك } يعنى لم نستأًصِلْ عبدة العِجْلِ {  و آتَيْنا موسى سُلطاناً مبيناً } أى إن قومَ موسى و إن كانوا قد بالغوا فى العنادِ معه لكنا نصرناه و قوَّيناه لِعَظُمَ أمره و ضعف خِصمه , و فى ذلك بشارة للرسولِ صلى اللهُ عليه و سلم على سبيلِ التنبيهِ و الرمزِ بأن هؤلاءَ الكفارُ و إن كانوا يعاندونه فإنه يستولى عليهم و يقهرهم .
قالَ تعالى { و رفعنا فوقَهُمُ الطُّورَ بميثاقِهِم } الطور هو جبلُ الطور الذى كلمَ اللهُ موسى عنده و هو جبلٌ له مكانته حيثُ أقْسمَ اللهُ به فى قولِه { و الطُّور * و كتابٌ مَّسْطور } .
و الميثاقُ هو العهدُ المؤكد ؛ و ذلك حين امتنعَ قوم موسى عليه السلام من الإلتزامِ بأحكامِ التوراةِ , رفعَ اللهُ على رؤوسِهِم جبلاً , فالتزموا و سجدوا  و جعلوا ينظرونَ إلى فوقِ رؤوسِهِم خشيةً أن يسقُطَ عليهِم كما قالَ تعالى فى سورةِ الأعراف { و إذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظُلَّة و ظنُّوا أنه واقِعٌ بهِم خذُوا ما آتيناكُم بقوة } .
{ و قلْنا لهمُ اْدْخلوا البابَ سُجَّداً } أى فخالفوا ما أُمِروا به من القولِ و الفعلٍ فإنهم أُمِروا أن يدخلوا باب بيت المقدس سُجَّداً و هم يقولون حُطَّة أى ” اللهم حُطَّ عنا ذنوبنا ” فى تركنا الجهادِ حتى تُهْنا فى التيه أربعين سنة فدخلوا يزحفونَ و هم يقولونَ حنطة فى شعرة أى إنهم طلبوا الحنطة و الشعير بدلاً من طلبِ حَطِّ الذنوبِ عنهم .
{  و قلْنا لهم لا تَعْدُوا فى السَّبت } أى لا تعتدوا باقتناصِ السمكِ و صيدِهِ فى يومِ السَّبْتِ و طلبَ منهم أن يستريحوا فيه و يقعدوا فى منازِلِهِم و لا يخرجوا للصيدِ واللهُ سيرزقهم فعَصُوا و لم يمَتثِلوا لأمرِاللهِ عزَّو جلَّ فنقضوا عهدَ اللهِ الذى أخذه عليهم فى التوراةِ بأن يعبدوه و لا يعصوه فلذلك سمَّاهُ اللهُ ميثاقاً غليظاً .
لَما أردَ اللهُ اغراق فِرعون و نجاة موسى و مَن معه و كان عددهم اثنى عشر سِبْطاً كل سِبْط خمسونَ ألف أى ستمائة ألف نفس و سارَ موسى و مَن آمنَ به فأتَى البحرُ و أمره الله بضربِ البحرِ بعصاه فانْفلقَ فكان كل فِرْقٍ كالطَّودِ العظيم , أنزلَ اللهُ عليه التوراةَ و كلمه ربه من غيرِ واسطةٍ و أخذَ اللهُ عليهم العهد فيها أن يعبدوه و يؤمنوا برسولِهِ موسى و لكنهم خالفوا أمرَ اللهِ و عبدوا العِجْلَ الذى صنعه لهم السَّامرِىّ و نهاهم عن الصيدِ فى يومِ السَّبْتِ فلم يمتَثِلوا  مع كونِ العهدِ بينهم و بين اللهِ كان عهداً مُوَثَّقاً بأيمانِهِم و مؤكداً بقَسَمِهِم  .

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة