ابن تيمية لا يكفّ عن قيادة المسلمين!

التصنيف : دراسات (:::)
خالد غزال – لبنان (:::)
يشير المفكر الراحل محمد عابد الجابري إلى أن الدين الإسلامي دين فقه بشكل كبير، ويرى أن المدارس الفقهية، سواء منها ما كان منتسباً الى المذهب السني أم الشيعي، أنتجت تراثاً من الفقه غطّى على كل ميادين الحياة، وطال الجوانب المتصلة بالعقيدة وامتد الى ما يتجاوز أهداف الدين ليتحكم بسلوك الناس وممارساتهم اليومية، بما جعل هذا الفقه يهيمن على الدين والدنيا.
على امتداد قرون، تطور هذا الفقه مع الزمن، فتجاوز القضايا المتصلة بالعقيدة، على غرار سجالات علم الكلام المتصلة بالذات الالهية والوحي والنص المقدس، ليمتد الى السلطة، فأسبغ المشروعية على بعضها، كما توسع الفقهاء في انتاج فقه يقع مضمونه في السياسة والحرب والعلاقات مع أبناء المجموعات غير الإسلامية. يتميز الفقيه ابن تيمية بموقع خاص في ميدان الفقهين الديني والسياسي على السواء.
لم يترك أيٌّ من الفقهاء أثراً في الفكر الديني، والسياسي المتصل بالدين، كما ترك ابن تيمية. ولد في العام 1263 للميلاد، أي في ذروة عصر الانحطاط والتقهقر الذي بدأ يشهده العالم الاسلامي وتفكك الأمبراطورية العربية الإسلامية، فكان لهذا التقهقر أثره في فكره وفتاويه، ورأى في اجتهاداته وتشدده في تطبيقها خير وسيلة لمواجهة الأعداء ولاستعادة موقع الإسلام والمسلمين في تلك المرحلة. كان موسوعة في حد ذاته، كتب في العقيدة وفنّد آراء المتكلمين وخصوصا منهم المعتزلة، وجادل في كل صغيرة وكبيرة تتصل بالإسلام، نصاً قرآنياً وأحاديث نبوية، حتى لقِّب بشيخ الاسلام. تأثر بمذهب ابن حنبل الذي يوصف بالتشدد وخصوصاً في الاجتهاد في النص الديني وتأويلاته. طوّر نظرية الجهاد لدى المسلمين وأعطاها أبعاداً دينية ودنيوية، من خلال استحضار آيات الجهاد المنصوص عليها في القرآن. انطلق من الآية القرآنية: “يا ايها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير” (التوبة :73)، ليشدد على مقولات من قبيل “إن غير المؤمن تجب عداوته”، وعلى ضرورة “إهانة غير المسلم وإهانة مقدساته”، وعلى أن “اليهود والنصارى ملعونون هم ودينهم”، وصولاً الى تبني نظرية “دار الاسلام ودار الكفر”، أي عمليا “دار الحرب” لكل من لا ينتمي الى الإسلام، وهي النظرية “الحبيبة” على قلوب التظيمات الجهادية المنتشرة اليوم في العالمين العربي والإسلامي، والداعية الى فرض الإسلام نموذجاً، على العالم اعتناقه وتطبيق شرائعه.
ليس لمقولة “دار الاسلام” أو “دار الكفر” أو الحرب، أثر في القرآن أو السنّة النبوية، بل نشأت في العهد الأموي وقال بها الفقيه احمد بن حنبل.
عاصر الرحالة المعروف ابن بطوطة الفترة الزمنية التي كان يخطب فيها ابن تيمية ويعطي اجتهاداته، فقد ورد في “جريدة العرب” هذا المقطع عن الرجل: “في كتابه الممتع، “تحفة النظار في غرائب الأمصار”، يحكي الرحّالة المغربي ابن بطوطة عن أهم مشاهداته خلال رحلاته التي استغرقت ثلاثين عاماً من الترحال والطواف في مختلف الأقطار والأمصار، من الصين إلى السنغال. ويهمّنا في هذا الباب أن نسرد واقعة طريفة ومعبّرة عاينها أثناء حضوره صلاة الجمعة بجامع دمشق، حيث كان إمام الصلاة حينها شيخ الإسلام ابن تيمية. يعترف الرحّالة المغربي أن الإمام ابن تيمية كان “كبير الشام” و”أهل دمشق يعظّمونه أشدّ التعظيم”، لكنه يضيف متداركاً “إلا أن في عقله شيئاً”. وهي كما لا يخفى صيغة مهذبة للقول بأن في عقل الرجل خللاً ما. لم تكن تلك الملاحظة ملاحظة شيخ من منافسي ابن تيمية حتى نقول إنها مجرّد غيرة وتحامل. لم تكن ملاحظة شخص مقيم في دمشق حتى نقول إنها مجرّد تصفية حسابات، بل كانــت مـــلاحظة رحّــالة منقطع للترحــال وتـــسجيل المـــشاهدات بدقة بالــغة. غير أن الواقعة التي عاينها الرحّالة ابن بطوطة باستغراب لدى حضوره خطبة الإمام ابن تيمية في يوم الجمعة، هي أن شيخ الإسلام بدأ يشرح للناس فيقول: “إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كنزولي هذا”، ونزل درجة من درج المنبر. وبينما هو يشرح على ذلك النحو انبرى إمامٌ مالكي حضر الصلاة محتجاً على الإمام ابن تيمية وسوء توصيفه للذات الإلهية، فقامت قيامة العامة على ذلك الفقيه المالكي وضربه المصلّون بالأيدي والنعال. وقد حدث كل هذا أمام استغراب “الضيف” المغربي. والسؤال، كيف تأتى لابن بطوطة أن يلاحظ على ابن تيمية أن في عقله شيئاً؟ لا إجابة واضحة، لكن لا شكّ في أن ابن بطوطة المشهود له بدقة الملاحظة قد لاحظ في بعض التصرفات ما يثير الشكّ في الصحة النفسية لشيخ الإسلام. فهذا الرجل الذي كفّر الجميع، الفلاسفة، المتصوفة، المتكلمة، الشيعة، النصارى، اليهود، وأخرج الجميع من الملّة، المجسمة، المنزهة، المعطلة، الباطنية، الظاهرية، إلخ، حتى أنه نسي في الأخير أن يكفّر نفسه، قد يكون غير سويّ في كل المقاييس. لا يخامرنا أدنى شك في أن الرحّالة المغربي لم يكن يتصور أنّ ذلك العقل الذي “فيه شيء”، هو العقل الذي سيغزو معظم العالم الإسلامي وضمــنه بلده المغرب”.
بصرف النظر عن ملاحظات ابن بطوطة عن ابن تيمية، ألهم الرجل التنظيمات الدينية ذات الطابع السياسي، وشكّل الأب الروحي للحركات السلفية وعلى الأخص منها الحركة الوهابية التي أسسها محمد بن عبد الوهاب في الحجاز، التي لا تزال تشكل الأسس العقائدية للشريعة في المملكة العربية السعودية. كما أن ابن تيمية هو الأب الملهم لحسن البنّا الذي أسس حركة “الأخوان المسلمين” في مصر في الربع الأول من القرن العشرين، وطوّر فكرها، تشدداً وتزمتاً في ما بعد، كلٌّ من أبي الأعلى المودودي وسيد قطب. غزا فكر ابن تيمية التنظيمات السلفية، فقاد بفكره تنظيم “القاعدة” وجبهة “النصرة”، ويشكل اليوم المرشد الروحي لـ”داعش”، وخصوصا في ما يتصل بالمجموعات غير الإسلامية وكيفية التعاطي معها، بفرض دخولها الى الإسلام وإلا واجهت مصيراً يبدأ بفرض الجزية عليها أو تهجيرها من أرضها وصولاً لإرسالها الى القبور.
يكتسب الحديث عن ابن تيمية أهميته الاستثنائية من كون الرجل يقيم بقوة بين ظهرانينا اليوم، على رغم مضي ثمانية قرون على وفاته بالجسد. فهو يقود المنظومة الفكرية للتيارات السلفية التي شهدت صعودها منذ أكثر من أربعة عقود، وتعيش ذروة هذا الصعود بعد الانتفاضات العربية وانهيار بنى الدولة والمواقع التي تسجلها التيارات السلفية على الأرض في أكثر من بلد عربي، وتفرض بموجبها قوانينها وشريعتها على المسلمين وغير المسلمين، مستلهمةً بذلك فقه ابن تيمية الحاضر أبداً في نظرها. لا شك في أن ابن تيمية كان ابن عصره المليء بالفوضى والحروب ضد المسلمين بعد انهيار الأمبراطورية ودخول العرب والمسلمين في مرحلة الانحطاط، فجاءت أفكاره دفاعاً عن الدين الإسلامي وعن المناطق التي كانت تحكم باسم الدين. كما أنه عاش في ذروة الصراعات اللاهوتية في الإسلام التي وصلت اجتهادات بعض فرقها الى النقاش في الذات الالهية وفي الوحي والقرآن، مما جعله ينحاز الى المدارس المتشددة الرافضة التأويل العقلاني للنص الديني وللشريعة على السواء، بما جعل فتاويه أكثر تشدداً من المدرسة الحنبلية التي كان ينتسب اليها. في هذا المعنى تجب قراءة اجتهادات وفتاوى ابن تيمية، من خلال وضعها في سياقها التاريخي والظروف التي أملتها آنذاك، على رغم ان السجال في تلك الفتاوى وفي مضمونها ومشروعيتها خضع لنقاش فقهاء وعلماء كثيرين.
لكن المسألة الواجب التوقف عندها تتصل بمشروعية القيادة الفكرية الدينية لابن تيمية بعد مرور ثمانية قرون على وفاته. هنا “موضع الفرس” ونقطة النقاش الذي يطال هذه المرة المؤسسات الدينية التي لا تزال تتمسك بمقولات ابن تيمية وغيره من الفقهاء كأنها النص المقدس المفروض التزامه أبد الدهر، كونه صالحاً لكل زمان ومكان. ليس العيب في ما قاله ابن تيمية في زمنه وظروفه، لكن العيب في اعتبار الفقه قد توقف عند الرجل ومعه سائر الفقهاء، سواء أكانوا من السنّة أم الشيعة. ألا يكفي مرور ثمانمئة عام لإنتاج فقه جديد يتناسب مع تطورات العصر ويوائم بين قديم لم يعد له وجود، وجديد يجب أن تجتهد المؤسسات الدينية في إنتاجه؟
لقد فضحت الانتفاضات العربية هذا التجمد عند مقولات فقهية تآكلت مع الزمن، لكنها لا تزال حية في كتب التعليم والإرشاد التابعة للمؤسسات الدينية، بل ويجري فرضها بالقوة في بعض الأماكن. إن هول ممارسات التنظيمات المتطرفة التي أمكنها فرض سيطرتها، بما يرافقها من عنف وقتل وتدمير باسم الدين الإسلامي، قد دفع، بصعوبة، بعض القيمين على المؤسسات الدينية لإطلاق تصريحات منددة بالتصرفات الجارية، نافيةً عنها انتسابها الى الدين الإسلامي، لكن من دون أن تشير الى أن هذا العنف يجد مرجعه في الفكر والفقه اللذين يجري تعليمهما وانتاجهما في البلدان العربية على العموم. تحت ضغط المؤسسة السياسية، صدرت تصريحات من مسؤولين في المؤسسة الدينية في كل من مصر والمملكة العربية السعودية تناولت ممارسات “داعش”. فقد صرح شيخ الأزهر أحمد الطيب بأن عناصر “داعش” “مجرمون يخدمون الصهيونية، ويصدرون صورة شوهاء عن الإسلام، وهم صنائع استعمارية تعمل في خدمة الصهيوينة”، وهو تصريح يستعيد نظرية المؤامرة الخارجية، لكنه في حقيقته يتجاهل كون “داعش” وأخوته أبناء شرعيين لمجتمعاتنا العربية المنهارة ولامتناعها عن الحداثة والتحديث، وأبناء ثقافة مشبعة بفقه الكراهية المنتشر بقوة في كتب الأزهر والمؤسسات التابعة له.
أما مفتي السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ فصرح: “داعش فئة ظالمة معتدية، ويجب على المسلمين قتالها اذا قاتلت المسلمين”، وهو تصريح يشي صراحةً بحق هذا التنظيم في قتال غير المسلمين، فيما لا يشير الشيخ الجليل الى أصل المشكلة في صعود هذا التنظيم ومسؤولية المنظومة العقائدية السائدة في بلده. فعلى سبيل المثال، إن جامعة الإمام محمد بن سعود التي هي أكبر الجامعات الإسلامية في العالم، تضمّ أكثر من عشرين ألف طالب يدرسون فيها الشريعة، وتحمل بعض رسائل الدكتوراه التي ينتجها طلاّبها عناوين من قبيل: “النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية”، “أوجه الشبه بين اليهود والرافضة في العقيدة”، “منهج ابن تيمية في مسألة التكفير”، “النوافض للروافض”، “صبّ العذاب على من سبّ الأصحاب”، “اليمانيات المسلولة على الرافضة المخذولة”، “الحجج الباهرة في إفحام الطائفة الكافرة الفاجرة”، “بغية المرتاد في الردّ على المتفلسفة والقرامطة وأهل الإلحاد”، “الصواعق المحرقة في الردّ على أهل البدع والزندقة”، وغيرها من العناوين المتشابهة. فهل من عجب أن تخرج من جبّة هذه المؤسسات الفكرية تلك النماذج من المجاهدين؟
بعيداً من تنظيرات رجال الدين وتبريراتهم وتفسيراتهم للتطرف الأصولي وأسباب تصاعده، يطرح هذا الانبعاث سؤالاً جوهرياً: هل ما يسود راهناً هو ممارسة للدين أم ممارسة أشكال من التديّن؟ اذا كان الدين في جوهره يجسد قيماً إنسانية وروحية وأخلاقية تتجاوز في طبيعتها الزمان والمكان، فإنّ ما تجري ممارسته من شعائر وطقوس وتشريعات، إنما تقع في باب التدين الذي لا يمكن تصنيفه من جوهر الدين. فالتشريع الذي يمكن اختزاله اليوم بالفقه واللاهوت الذي أنتجته المؤسسات الدينية واجتهادات العلماء ورجال الدين، هو الذي يقع في باب المتغيّر وفق تطور المجتمع وتغيّر مظاهر حياته. فالتشريع الوحيد المستند حقاً إلى الإرادة الإلهية، الذي يقع ضمن الثوابت، هو القانون الأخلاقي الكلي، أما سائر التشريعات فيكون انتسابها إلى الإله بمقدار مواءمتها للقانون الأخلاقي. يطرح التشريع مسألة الفقه الذي بات اليوم يفرض نفسه على الممارسات الدينية والدنيوية على السواء. المشكلة في هذا الفقه، الذي يشكل سمة عامة في الأديان، أنّ منتجيه من الفقهاء ورجال الدين باتوا يضعونه في خانة النصوص المقدسة الأصلية للأديان، ويعتبرونه نصاً إلهياً مقدساً، كل اعتراض عليه هو اعتراض على الدين الأصلي. تتجلى المشكلة في كون هذا الفقه هو، في حيز أساسي منه، انعكاساً للصراعات الاجتماعية والسياسية التي نشبت بين الفرق الدينية عندما انقسمت هذه الأديان فرقاً ومذاهب، فباتت كل فرقة تنتج الفقه المناسب لموقعها وموقفها.
لم تتوان أي جهة عن استخدام النص المقدس نفسه في فقهها للتشديد على أنّ ما تطرحه هو الذي يمثل الدين الحق والصحيح، فيما سائر الأفكار الأخرى تبحر في الضلال. ناهيك بأنّ الفقه مرتبط إنتاجه بدرجة الوعي الذي كان سائدًا حينذاك، وبحدود المعرفة العلمية التي تسمح بالإنتاج الفكري، وبطبيعة ثقافة المجتمع وتقاليده، وهي قضايا تتبدل في الزمن، مما يعني أن الفقه والتشريع مفروض عليهما مواكبة هذه التبدلات المعرفية والمجتمعية والعلمية، فيما لا يزال الفقه الموروث يقف عند حدود الزمن القديم ويقيم فيه.
لعل أخطر ما ينتج من ممارسة التدين في المحطة الراهنة من تطور المجتمعات العربية، وقبلها في المجتمعات الغربية، يكمن في سعي الفقه واللاهوت إلى انتاج فكر متخلف، تمتزج فيه التأويلات الشخصية بالخرافات والأساطير، وشحن الهويات، وبثّ منوعات من الفكر لا وظيفة لها إلا اثارة النعرات والأحقاد بين مكوّنات المجتمع، بما يرافق ذلك من تخوين وتكفير وإهدار الدم. تقوم الوظيفة الأساسية للتدين على الهيمنة على المجتمع وعلى إلغاء حرية الفرد وربط المواطن برباط الطائفة أو المذهب على غرار المثل الشائع لبنانياً، حيث على اللبناني “أن يولد ويعيش ويموت طائفياً”. ليس من قبيل المبالغة وصف الفقه الذي تنتجه المؤسسات الدينية ورجال الدين اليوم في المجتمعات العربية بأنه في معظمه “فقه الكراهية”. ليست ممارسات الحركات الأصولية على الأرض في أكثر من مكان، سوى ترجمة متنوعة ومتعددة البعد لهذا الفقه، وهذا ما ينفي مسؤولية الدين في جوهره عن قسم كبير من هذه الممارسات.
لسنوات خلت، كان النقاش والاجتهاد في النصوص الدينية يقعان ضمن المحرّمات التي يمتنع على غير المؤسسات الدينية الخوض فيها، وخصوصاً في المجتمعات العربية والإسلامية. دفع كثيرون أثماناً من القمع عندما تجرأوا على إبداء التفسير والاجتهاد والتأويل لنصوص مقدسة استنادًا إلى قراءات عقلانية وتاريخية للنص بعيدًا من الأسطرة والخرافة. من هؤلاء الشيخ علي عبد الرازق، طه حسين، محمد أحمد خلف الله، نصر حامد أبو زيد، محمد أركون، عبد المجيد الشرفي، عبد الله العلايلي، خالد محمد خالد، وغيرهم كثيرون، ممن جرى اتهامهم بالهرطقة والخروج عن الدين والارتداد، وصولاً إلى تكفيرهم وإهدار دمهم. هذا “غير المسموح التفكير فيه”، وفق تعبير محمد أركون، جرى انتهاكه خلال السنوات الأخيرة، وخصوصاً بعد اندلاع الانتفاضات في بعض الأقطار العربية وتصدّر الإسلام السياسي للهيمنة عليها، سواء بفكره أو بممارسته على الأرض وعبر القواعد التي وضعها لسلوك البشر.
بدأ النقاش حول علاقة الدين بالسياسة يفرض نفسه، في وسائل الإعلام، وفي نتاج فكري، عززت من انتشاره الصراعات التي اندلعت داخل المؤسسات الدينية المرتبط بعضها بالسلطات السياسية، أو بين رجال الدين أنفسهم حول مَن يمثّل الدين الحق والصحيح، وأكّدها تعدد تيارات الإسلام السياسي وانتشارها كالفطر بالعشرات؛ ذلك كله جعل من كسر المحرّمات أمرًا واقعاً وخصوصاً أن الانتفاضات كسرت هيبة المؤسسة الدينية، كما حطّمت جدار الخوف الشعبي من النزول إلى الشوارع. يندرج هذا الصراع وتقاذف الاتهامات بين المؤسسات الدينية ورجال الدين أنفسهم في خانة الإيجابيات، حيث تفضح زيف ادعاءات بعضهم البعض وخروجهم عن منطق الدين وجوهره، عبر توظيف النص الديني في السياسة وخدمة هذا الطرف أو غيره. لا يقلل من أهمية النقاش أنه منجدل اليوم بالسياسة وبالصراعات الدائرة حول السلطة، وهذا له تاريخه المتواصل في المجتمعات العربية الإسلامية. إذا كان الإنتاج النظري في هذا المجال متفاوتاً في مقاربته للقضايا الدينية، إلا أن الانخراط في هذا النقاش هو الشرط الأساسي لبلورة فقه واجتهاد دينيين متصلين بالعصر، يجيبان عن مشكلات المجتمع في هذه المرحلة من تطوره، ويعيدان الاعتبار إلى الدين وجوهره.
هذا النقاش لا بد له من أن يلامس مسائل توقف العقل الإسلامي عن التطرق اليها منذ القضاء على المعتزلة وسيادة الجمود العقائدي والديني منذ أكثر من ألف سنة. إن مسائل لاهوتية تطال القرآن وخلقه والإرادة الالهية والقضاء والقدر، مما انخرط فيه علم الكلام في القرون الإسلامية الأولى، وجدت موقعها في مراحل لاحقة من تطور النقاش الديني، سعياً إلى بلورة إصلاح ديني. في هذا المجال يجب التذكير بأن المحرّمات الإسلامية ليست أقلّ حدة وعنفاً من المحرّمات المسيحية قبل اندلاع الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، وما تلاه من تطور فكري وضع على بساط البحث كل النصوص المقدسة بما فيها الشكوك في وجود المسيح نفسه، وأخضع اللاهوت المسيحي إلى مبضع الجراحة، مما شكّل عنصراً مركزياً في فكر التنوير وسيادة العقلانية.
كل دين محكوم بإنتاج الفقه الذي يشرح عقائده ويرشد المؤمنين الى كيفية ممارستها. أنتج المسلمون القدماء فقههم المتناسب مع عصرهم، فهل ينتج فقهاء عصرنا ما يتلاءم مع التطورات الفكرية والعلمية المتصلة بتقدم المجتمعاتت وتحديثها؟ وهل يتوقف فقهاؤنا عن تنصيب ابن تيمية وغيره من الفقهاء مرشدين لعصر لا صلة له بما عاشوه وأنتجوه في ظله؟

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة