كنت مسافرًا (1)

التصنيف: فن وثقافة (:::)
بقلم : سعيد مقدم ( ابو شروق ) الاهواز (:::)
جميل أن تخرج من مدينتك مسافراً تتجول في بعض المدن البعيدة.
ولقد سافرت وأسرتي إلى بعضها لمدة سبعة أيام.
اتجهنا إلى خرم آباد الإيرانية ثم إلى بروجرد وبعدها إلى ملاير ثم همدان ثم رجعنا إلى تويسركان ومنها إلى ملاير وطوينا نفس الطريق إلى البيت.
وكانت الجبال تحيطنا طيلة سفرنا، ندخل في نفق ونخرج من آخر! نصعد جبلا بسرعة منخفضة ثم ننزل وكأننا نسقط من الأعالي!
ننعطف، ندور، نطوفها مرات والسرعة منخفضة لا تبلغ الخمسين. وكنا نتلوا (وإذا الجبال نسفت)؛ سبحان الله القادر، كيف ينسف هذه الجبال العملاقة؟!
كان رأيي أن نستأجر بيتاً أو نسكن في فندق، إلا أنني تفاجأت باعتراض الجميع (زوجتي وأبنائي) قائلين:
خرجنا من أربعة حيطان لنسكن في أربعة حيطان أخر!
فكان رأي الجميع أن نشتري خيمة ونسكن في الهواء الطلق، أي في الحدائق العامة، ففعلنا.
ولم نكن الوحيدين الذين يستريحون في خيامهم في الحدائق العامة، فكانت هناك العشرات بل المئات من الخيام وهي ملتصقة خيمة بخيمة من كثرة المسافرين،
وكانت الفكرة رائعة.
مكثنا في بروجرد في حديقة عامة تسمى ( بارك يادبود ) وفي همدان في حديقة تسمى ( نونا بارك ) وهما الحديقتان الأكثر شهرة للمسافرين.
وما أجمل أن تجاور كل ليلة جارين جديدين، على يسارك جار وعلى يمينك آخر. جيران من مدن مختلفة، بثقافات مختلفة، بلغات مختلفة، وكانت اللغة الفارسية هي
اللغة المشتركة بيننا. والعجيب أننا لم نر العرب في سفرنا! ويبدو أنهم لا يسافرون إلى هذه المدن كثيرًا، فأقترح عليهم إن سافروا  جعلوا مدناً كـ همدان في قائمة
بلدانهم التي يزورونها، ذلك لأن فيها أماكن سياحية جذابة.
فيها مكان يسمى (گنجنامه)، توجد في هذا المكان الجبلي عين منظرها خلاب، ينزل ماؤها من الجبل، ماء صاف زلال لا يشابه ماء مدينتنا الملوث.
وإياك أن تذهب هناك دون أن تلبس حذاء يناسب السير على الصخور، فإن لم تفعل تفُتْك النزهة فوق الجبل والماء ينساب تحت قدميك.
وفيها مكان يسمى (غار عليصدر)، يقع غار عليصدر خارج المدينة، يبعدها 60 كيلو مترا. وفي هذا المكان غار، كل مسافر يقصده ليرى جماله.
يقع الغار تحت الأرض، فيه يابسة تطويها مشيًا على القدمين، وفيه ماء يبلغ عمقه من المتر الواحد إلى 14 مترا تتجوله بزورق يقوده أحدهم. ويبلغ ارتفاع الغار
من المترين إلى 16 مترًا. ومن عجائب قدراته سبحانه وتعالى أن درجة حرارة هذا الغار في كل الفصول ثابتة، 16 درجة لا تزود ولا تنقص. ولا شك أنك تتذكر
قدرة الله وصنعه الجميل في هذا الغار المدهش.
يستغرق التجوال في الغار ساعتين. ينقل 150 زورقاً المسافرين، أجرة كل مسافر 12 ألف تومان، فاضرب 150زورقاً  في 12000 تومان في 18 ساعة
ستحصل على إيرادهم اليومي. مكسب ضخم أليس كذلك؟
ومن الأماكن السياحية الأخرى، مقبرة ابن سينا وبابا طاهر وعباس آباد ولم تعجبنا، لا أنا ولا أم شروق ولا أبناءنا.
وفي الطريق كنا نقرأ أسماء القرى التي نمر عليها، أسماء صعبة اللفظ كـ (دينگله) أو (قشبلاق) ولا شك أنها سهلة اللفظ عند ساكنيها وتتوافق مع ثقافتهم وتراثهم
المحلي.
لم نر الشرطة كثيراً والأمان يسود المدن، ولا تتعرض الشرطة هناك إلى راكبي الدراجات النارية كما تتعرضهم وتؤذيهم في مدينتنا العربية! وقد تعرضوا لي قبل سبع
سنوات وحجزوا دراجتي بحجة واهية، حتى اضطررت أن أشتري ثانية توصلني إلى دوامي.
وفي الليل كانت الموسيقى الفارسية تعزف، فكان هنالك عازفون متجولون يغنون أمام الخيام ويعطيهم الناس أجر غنائهم.
فسمّعونا يا أبناء المحمرة موسيقى عربية حين نخرج إلى الحدائق العامة.
ويجب أن لا ينسى من سافر إلى بروجرد شراء العسل وعصير الليمون الطبيعي، ومن مدينة تويسركان شراء الجوز واللوز.
ومن الأحداث الظريفة التي حصلت لنا:
نمت في إحدى الليالى خارج الخيمة وكان البرد قارسًا، وعندما استيقظت صباحًا كان الغراب ينقر أطراف بطانيتي! ولم نر طيورًا خلال رحلتنا غير الغربان
والعصافير.
وكنا نسأل عن الطريق كلما اتجهنا إلى مكان ثم نشكرهم بكلمة (مرسي)، فاعترض ماجد ذو الخمس سنوات قائلا: كررتم هذه الكلمة كثيرًا، استخدموا كلمة
(مُرسي) بدلها!. و مُرسي هو رئيس مصر المعزول، ويبدو متابعتنا للأخبار قد أثرت على ماجد أيضًا!
وفي الحدائق العامة كل واحد يصلى على جهة! و قد تذكرت حينها الآية الكريمة (فأينما تولوا فثم وجه الله) أما نحن فلقد جلبنا بوصلة لمعرفة جهة القبلة.
استغرقت رحلتنا سبعة أيام ثم رجعنا.
وما إن اقتربنا إلى المحمرة حتى بلغت سرعة سير سيارتنا إلى المئة والثلاثين وأنا لا أدري، والسرعة القصوى هي خمسة وتسعون، عندها ذكرتني أم شروق قائلة:
لم تكن تخالف قوانين السير طيلة السفر، فلما العجلة؟!
قلت: اشتياقي للمحمرة هو الذي جذبني بسرعة فائقة، أنا لا أسرع.
سعيد مقدم (أبو شروق)

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة