(عميرة هس) ممن يحتلون بيتنا ويبكون معنا علينا

التصنيف : آراء حرة (:::)
د.وداد البرغوثي – فلسطين المحتلة (:::)
ضج كثيرون وهاجوا وماجوا بسبب إخراج الصحفية الإسرائيلية في جريدة هآرتس عميرة هس من أحد مؤتمرات جامعة بيرزيت. واستلت الأقلام وكتبت المقالات وجمع البعض التواقيع ، ونظّر البعض مدافعا عن الصحفية ، بالغ بعضهم بوصفها فدائية واعتبرها بعضهم متضامنة ومدافعة من الطراز الأول عن قضية فلسطين ، واعتبر بعضهم أن العلاقة معها منزهة عن شبهة التطبيع وغير ذلك من التحمس ، و البعض اعتذر لها واعتبروا التصرف فرديا وأصبحوا محاربين من أجل “قضيتها” لا تلين لهم قناة.
دعونا نناقش الأمر من كل زواياه، الصحفية المذكورة تكتب عن بعض هموم المواطن الفلسطيني في ظل الاحتلال ، وما أكثر همومه وقصصه التي تبدأ منذ ولادته ولا تنتهي بعد وفاته ما دام هناك احتلال إسرائيلي (دولتها) جاثما على صدره، يقتله ويسجنه ويشرده ويصادر كل حقوقه ويخترع له التهم وإذا نطق الفلسطيني أو تحرك مطالبا بحقه يخلعون عليه صفة الإرهاب. وهم بذلك يذرون الرماد في عيون العالم ويشوهون القضية ويقلبون القصة وكأنهم هم الضحية وأن الفلسطيني هو من احتل بلادهم .
عميرة هس تكتب عن ذلك، لكن هناك عشرات علامات الاستفهام  تطرح على عميرة هس وعلى المدافعين عن “قضيتها”.
عميرة هس تشرح قضيتنا من منظورها ومنظور هآرتس  ومع ذلك نعجب بها نحن الفلسطينيين ، لأنها تبكي معنا علينا، لكننا نتناسى أنها تحتل مع دولتها بيوتنا وأرضنا وهي موجودة على هذه الأرض في إطار هذه الدولة، لا يقل لي أحدكم هي تعيش في رام الله، فلا فرق كلها أرض فلسطينية وكلها محتلة. بمعنى أنها “شريكتنا” في الدموع وشريكتهم في الاحتلال. يساريون آخرون فهموا هذه الحقيقة ووصلوا لقناعة مفادها أن تكون إنسانيا يتنافى مع كونك إسرائيليا، لأنك تعيش على حساب حياة غيرك ، فهاجروا إلى أوروبا مشكورين دائما ومذكورين بالخير دائما، ولا أنسى في هذا المقام المحامية فيليتسيا لانغر التي دافعت عن مئات الأسرى الفلسطينيين ومن بينهم أبي وزوجي وأنا والتي ألفت عددا من الكتب التي تمثل تجربتها ودورها ومواقفها ،اقتنعت أن العيش في مجتمع  القتلة مستحيل ، فهم أيضا حاربوها ورموا القمامة والحجارة عليها وعلى عائلتها وبيتها كما تذكر في أحد كتبها. وبالتالي غادرت رغم أنها وعائلتها كانوا من ضحايا النازية في بولونيا و التي استغلتها الحركة الصهيونية في استمالة الضحايا للهجرة إلى فلسطين.
يعقوب كوجمان وعائلته، اليهودي من أصل عراقي الذي قدم للدولة العبرية بعد أن طردهم نظام نوري السعيد، لكنه لم يستطع العيش في دولة لا إنسانية وهاجر إلى بريطانيا. هؤلاء لا يستطيع المرء إلا أن يصدق تعاطفهم ويصدق كتاباتهم. وغيرهم آخرون  يستحقون الاحترام والتقدير.
أما هؤلاء الذين  هؤلاء الذين صنعوا من أمر هس قضية أقول: إقرأوا ما يكتبه متقاعدو المخابرات الإسرائيلية في سيرهم ومذكراتهم، إقرأوا عن أساليب المخابرات الإسرائيلية، فكم ” تعاطف ” الصحفي الإسرائيلي يورام بينور مع الفلسطينيين وشارك في تظاهراتهم ولبس الكوفية الفلسطينية وحضرا أفراح وأكل في بيوت فلسطينيين، ووثق به البعض حتى أن فلسطينيا كشف له مخبأ سريا في بيته إقرأوا كتابه “عدوي نفسي”.إقرأوا كتاب ” القادم لقتلك” الذي كتبه يعقوب بيري الرئيس الأسبق للمخابرات الإسرائيلية وكم دخل هو وزملاؤه بيوتا فلسطينية في قرية باقة وغيرها، وكم رحب بهم الناس بصفتهم محبين للعرب، وفتحوا لهم بيوتهم وجلسوا مع الرجال في الدواوين ومع النساء في المطابخ بصفتهم باحثين ودارسين لحياة العرب وتقاليدهم، دون أن يدرك أصحاب البيوت أن هؤلاء عناصر مخابرات إسرائيلية وأن من بينهم من شارك في عمليات اغتيال لفلسطينيين وتحقيق مع عنيف مع أسرى.
إقرأوا عن موشيه ليفنغر أحد مؤسسي مستوطنة كريات أربع الذي قدم لمدينة الخليل بصفته سائحا أمريكيا، وأسس مستوطنة ملأى بالقتلة من طرازه وطراز باروخ غولدشتاين الذي نفذ مذبحة الحرم الإبراهيمي وقتل وجرح العشرات من المصلين مع الفجر.
لقد كنت مثل بعضكم ذات يوم أعتقد أن هناك يسارا إسرائيليا، هذه الكذبة الكبرى،لقد درس معنا في نفس الجامعة بعضهم، كانوا يضجون ويشتمون المقاومة الفلسطينية حين تطلق صاروخا باتجاه مستوطنة كريات شمونا لأن أسرة أحدهم تسكن فيها.
عشرات الكتب والقصص والحكايات والإنكشافات كثيرة قرأتها وسمعتها وخبرتها تفيد أن اليسار الإسرائيلي مثله مثل اليمين الإسرائيلي ، وأنهم لا يختلفون على احتلالنا وتشريدنا وذبحنا لكنهم يختلفون على تفاصيل احتلال أرضنا وقتلنا وتصنيفنا .
بدأت أعزائي القراء أدرك – وكان ذلك قبل خمسة و ثلاثين عاما-  أننا كنا ساذجين لأبعد الحدود، ألم ندرك بعد أننا لسنا بحاجة لبكائين يبكون معنا علينا ؟ لمن تكتب عميرة هس، لبضعة مئات ممن يقرأون هآرتس، أو لبضع عشرات ممن يقرأون صحيفة القدس المحلية؟ إنها تكتب لمن يرون كل شيء، إذا كانت متضامنة حقيقية عليها أن تدرك، أن الأرض التي تسكنها كانت وما زالت أرضا لفلسطينيين قتلوا عليها أو أجبروا على مغادرتها وأن هذه الأرض لها شعب، فكيف يحق لها أن تبكي على هذا القتيل وهي وعائلتها ودولتها أقاموا وجودهم على دمائه.
كان على هؤلاء الصحفيين والباحثين والدارسين الذين يتعاطفون مع الشعب الفلسطيني أن “يحلوا” عن أرضه ومائه وسمائه، ويبحثوا عن مكان آخر يعيشوا فيه غير مكاننا ويكتبوا للعالم الخارجي عن وحشية دولتهم، أما أن يكتبوا لنا، فنحن نعيش هذه الوحشية والإجرام على جلودنا وجلود أبنائنا وبناتنا وأمهاتنا وآبائنا.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة