لهذا فقط أسحب إعجابي برئيس تركيا أردوغان!!

التصنيف : آراء حرة (:::)
بقلم : بكر السباتين * (:::)
تحليل في عمق التجربة التركية!
كنت أعجب نسبياً بشخصية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حينما انحصر اهتمامه في بدايات مسيرته بتنمية تركيا فخلصها من المديونية العالية.. ووضعها في مصاف الدول الاقتصادية العظمى كالهند والبرازيل! وكان أن ذهب بتركيا إلى مربع الانحياز للشعوب المظلومة وقضاياها العادلة؛ فبدأ بالقضية الفلسطينية التي أنصفها في عدة مواقف كانسحابه ذات يوم من مؤتمر دافوس الاقتصادي أواخر يناير 2009 معترضاً على كلمة رئيس الكيان الصهيوني السابق (شمعون بيريز) رداً على جرائم الاحتلال الصهيوني البغيض عام 2008.
ليس هذا فحسب! بل تحدي غطرسة الكيان الصهيوني المحتل الذي أحكم سيطرته على قطاع غزة.. وسمح بإرسال السفينة مرمره لتنضم لأسطول الحرية في 31 مايو، 2010 لكسر الحصار على الشعب الفلسطيني الأعزل والذي تعرض لمداهمة واعتراض من قبل كوماندوز النخبة في سلاح البحرية التابع لجيش الاحتلال الصهيوني في عملية وحشية أطلقوا عليها اسم رياح السماء، ونجم عنها استشهاد عدد من نشطاء السلام بينهم أتراك ما أدى إلى تأزم العلاقات التركية الإسرائيلية!.
أردوغان الذي ولد في (26 فبراير 1954 -) يكاد يكون المجدد التركي لصيغة الحكم الليبرالي الذي يجمع في بوتقته كل الأطياف وفق نظام ديمقراطي حافظ على علمانيته رغم انتمائه لفكر هو الأقرب لنظرية الأخوان المسلمين في إدارة شؤون البلاد، والذي أصبح رئيساً لتركيا منذ 10 أغسطس. 2014 ورئيس وزراء تركيا من مارس 2003 إلى أغسطس 2014 ،وعضو حزب العدالة والتنمية الذي يملك غالبية مقاعد البرلمان التركي. وكان قد خدم قبلها عمدة لإسطنبول في الفترة من 1994 إلى 1998. ويعتبر أحد أهم المسئولين في العالم الإسلامي.
وبقي أوردغان يمثل بالنسبة لكثيرين النموذج الأمثل للرجل الذي خلص بلاده من الفساد لصالح مشروعه للتنمية المستدامة ذات المعدلات الأكثر نمواً في عالم مليء بالتحديات في كافة المجالات.
تركيا في عهد أوردغان حصلت على معظم البدائل والخيارات الأخرى في العالم الإسلامي برمته والعربي بخاصة؛ حينما أتيح لها التوغل إلى أقصى المستطاع بدون عوائق تذكر للترويج لمشروع تركيا الصديقة للعرب في إطار الشراكة الاقتصادية والثقافية في علاقة نفعية للطرفين.الأمر الذي ساهم كثيراً في التخفيف من أعباء تركيا الاقتصادية؛ وذلك مكافأة لنهج تركيا التوافقي (كما كان يبدو) مع المصالح البينية المشتركة وتعاطفاً معها إزاء تجاهل موقف الاتحاد الأوروبي لانضمامها الكامل غير المشروط له؛ وذلك لاعتبارات تاريخية تتعلق بالمرحلة العثمانية التي احتل فيها الأتراك جيوباً واسعة في الخاصرة الأوربية شملت ألبانيا وبلغاريا وأجزاء من يوغسلافيا السابقة وقبرص وبعض الجزر اليونانية! وصولاً إلى أرمينيا التي حصلت فيها مجازر اعتذر إزاءها أردوغان مؤخراً في سابقة لا مثيل لها في الدبلوماسية التركية! رغم أن هذا المبرر الأوربي هو ذاته الذي ما فتئ يخيف حتى الدول العربية التي استقبلت تركيا من بوابة العلاقات الطيبة التي تراعي الأسس الدبلوماسية التي تنظم العلاقات بين الدول في إطار القانون.
إلا أن الثورة العلمانية التي قادها الزعيم التركي كمال أتاتورك قد حسنت من شروط قبول الوليد العلماني التركي الجديد ليترعرع في كنف أوروبا على مبادئ علمانية لذلك انتهج أتاتورك سياسة القطيعة مع الإرث العثماني بضرب قاعدته المعنوية وذلك بتحويل حروف الكتابة من الأبجدية العربية إلى اللاتينية ومن ثم انبرى لمحاصرة الدين الإسلامي في المساجد واقتلاعه من المدارس والجامعات ومؤسسات الدولة القضائية والتشريعية والتنفيذية في إطار دستوري محكم بكفالة الجيش التركي العلماني. ومع مجيء أوردغان الذي استعاد تركيا إلى الحاضرة الإسلامية استعاد الموقف الأوروبي المتحسس من المرحلة العثمانية البغيضة ( في الحسابات الأوربية) عافيته لكن هذا الوضع الدراماتيكي دفع بتركيا بعيداً في العمق الإسلامي وبات له قبول لدى شرائح اجتماعية واسعة تنسجم ميولها الدينية مع فكرة الخلافة الإسلامية وصولاً إلى تأصلها في عقول بعض المفكرين وقادة الحركات السلفية التي استبشرت خيراً بالدور التركي وحولته من الداعم المعنوي إلى موقف الراعي اللوجستي القائم على دعم الحركات الإسلامية الأمر الذي دفع باتجاه تنظيم لوبي اقتصادي إسلامي عالمي يضم الصناعيين من العالم الإسلامي من أجل تعزيز قوة المسلمين في عالم يستهين بها!! من هنا بدأت المحاذير التي أقلقت أوروبا تصيب قيادات بعض الدول العربية وخاصة الخليجية لحساسية موقفها من التيارات الإسلامية التي أعلن أوردغان عن وقوفه إلى جانبها مثل جماعة الأخوان المسلمين.. لذلك فشل دور تركيا المزدوج في حسابات تلك الدول كخصم يميل إلى الجماعات الإسلامية المتنامية في المشهد الجيوسياسي العربي يسعى لأن يكون حكماً مقبولاً في النطاق العربي والإسلامي من شأنه فض النزاعات البينية العربية مع تلك الجماعات وفق منظومة التحركات الأممية وفشل هذا الدور على الأقل في سوريا كما اعترض عليه كثيرون في شان الموقف العربي مع حماس التي يتوافق معها فكرياً، إبان العدوان الصهيوني عليها في قطاع غزة الذي يقع تحت حكمها.
لقد تجلت هذه الازدواجية في عدة مواقف بدأت ترسم علامات الاستفهام حول التحركات التركية في الوطن العربي؛ فهو من جهة يؤمن بسياسة حسن الجوار لكنه خالف ذلك مع سوريا بذريعة حماية الشعب السوري من طغيان الأسد وفق رؤيته السياسية التي يتهمها خصومه في الداخل والخارج بالمتواطئة لرؤيته الحزبية المؤدلجة! لذلك تحالف مع المحور العربي الأمريكي الصهيوني لضرب النظام السوري متجاهلاً الأسس الدبلوماسية التي تنظم العلاقات مع الدول وأهمها سياسة حسن الجوار؛ لكنه في هذا السياق سيبدو للخصوم متعاوناً في إطار المحور أعلاه مع الكيان الصهيوني الذي يحتل فلسطين التاريخية ويبطش بالفلسطينيين لتقسيم سوريا! وهذا في نظري هو قمة التناقض الذي يسمم النوايا ويثير التقولات! لأنه لم يقم بذات الدور إبان العدوان الإسرائيلي على غزة في مايو 2014 ضد الكيان الإسرائيلي سوى ببعض التحركات السياسية الخجولة ما يشكك في نوايا أوردغان إزاء سوريا تحت شعار حماية الشعب السوري من طغيان النظام.
بل ذهب إلى أبعد من ذلك حينما درب وناصر ومول جماعتي داعش والنصرة من أجل إحكام السيطرة على المناطق المتاخمة لحدود تركيا مع سوريا بذريعة تعزيز موقف المعارضة ضد نظام الأسد.. وكانت النتيجة معاكسة تماماً.. فالنظام السوري انتصر نسبياً! واستعاد بعض التأييد الدولي كأكبر ضامن لردع إرهاب الحركات السلفية الإسلامية الجهادية المتطرفة.. ملوثاً بذلك البنية الفكرية للإسلام المعتدل بانغماسه في تطبيق سياسة توفيقية بين الاعتدال الإسلامي مع التوجهات المتطرفة لاجتهادات الحركات الإسلامية الجهادية المتطرفة التي تعربد في المشهد الجيوسياسي العربي فيما تدير ظهرها للكيان الإسرائيلي المحتل لفلسطين التاريخية والذي يقترف ابشع الجرائم بحف الشعب الفلسطيني وخاصة المسلمين منهم المحرومين من عناية ونصرة تلك الحركات المشبوهة!
لقد تصدعت جبهة المعارضة السورية التي كانت تجمع في بوتقتها كل الأطياف متمثلة بخطها السياسي وجيشها الحر بدعم من أوردغان في إطار التحالف الإقليمي لأنصار سوريا؛ وذلك بتشتت النوايا والأهداف إلى درجة حدوث مواجهات عنيفة بين المعارضة السورية المدعومة من المجتمع الدولي من جهة وحركتي داعش والنصرة اللتين تفردتا بمشروعهما الإسلامي الرامي إلى إقامة الخلافة الإسلامية في نواتها الأولى من الموصل العراقية حتى دير الزور السورية في نطاق جغرافي سيتخذ من تركيا بعده الاستراتيجي؛ الأمر الذي دفع بأوردغان نحو تقديم الدعم اللوجستي لهما على حساب وحدة موقف المعارضة، ومحاولته استغلال سيطرة حزبه على القرار السياسي التركي لفرض سياسة التقسيم والمحاصة للتركة السورية على أية شروط  مقابل دخول تركيا في المحور العربي الأمريكي ضد الإرهاب مراعاة للمصالح  التركية العليا! ما يعني أن الحسابات التركية كانت أبعد من كونها  داعمة لوحدة سوريا أرضاً وشعباً! من خلال إسقاط نظام الأسد الذي تعتبره أكثر دموية من نتنياهو قاتل الفلسطينيين؛ ما يعزز موقف المتحفظين من التحركات التركية بإدراج سياسة أوردغان  تحت عنوان التمدد العثماني الجديد الذي قد لا يلاقي القبول الجماهيري العربي على الأقل من خلال مشروع داعش والنصرة؛ لأن هذه التحركات لا تشبه المسلسلات التركية التي غزت كل بيت عربي وقربته من نمط الحياة التركية العلمانية المنفتحة على النمط الأوروبي!! خلافاً لقيم أوردغان الإسلامية المحافظة نفسها!.
إن ما يحيّر في موقف أوردغان الذي بات متناقضاً هو خلطه العجيب لأوراق اللعب  في المنطقة، خلافاً لما أظهره طوال مسيرته الطويلة منذ كان رئيساً للوزراء حتى تبوءه لسدة الرئاسة التركية؛ من خلال التراجع الظاهر في الموقف التركي السياسي لصالح الأطماع الاستعمارية ذات الأنفاس العثمانية في الأراضي التركية بذريعة الأمن القومي ما يؤجج الأسئلة الملتهبة في رؤوس مؤيدي المسيرة الأوردغانية في السياسة الخارجية. ففي هذا السياق؛ أكد مسئول تركي( رأي اليوم/ 30/ديمبر 2014) في تصريح له يوم الثلاثاء الماضي:”أن القوات التركية جاهزة وأن الدبابات التي نشرت يمكن أن تدخل الأراضي السورية “في أي لحظة” لحماية المواطنين الأتراك إذا ما استمر تساقط القذائف”.
“يبحث البرلمان التركي اليوم( الثلاثاء) مذكرة رفعتها حكومة أحمد داود أوغلو للسماح للجيش بالتدخل في سورية لحماية أمنها القومي.
وأكدت مصادر تركية رسمية أن أنقرة لا تزال متمسكة بشروطها للمشاركة الفعالة في الحملة الدولة الإقليمية ضد تنظيم “داعش” والتي تتعلق بالتدخل البري في سورية وإنشاء منطقة عازلة عند الحدود.
وقالت المصادر الرسمية التركية إن خطط إنشاء المنطقة العازلة موجودة ، نافية أن تكون أهدافها “استعمارية”!!!!؟ ، لكنها أوجت بأن هذا الخيار من شأنه أن يضعف خطر تنامي قوة تنظيم “حزب العمال الكردستاني” المحظور ، وتسرب أي أسلحة ترسل إلى المقاتلين الأكراد في سورية.
ورفضت المصادر بشدة أي دور “لإرهابيين أمثال هذا التنظيم أو النظام السوري” في عملية محاربة الإرهاب ، مؤكدة أن أنقرة لن تكون على طرف واحد معهما “مهما كانت الظروف”.انتهى الاقتباس.
إن ما يجري على الأرض كما يبدو في سياق تصريحات المسئول التركي، يوضح الموقف التركي المزدوج  في أنه ليس نصرة لوحدة سوريا وشعبها بل هو فقط لحماية أمنها القومي بمحاصرة أكراد سوريا كي لا يتغلغلوا في الخاصرة التركية، ومن ثم ثبات الموقف التركي المنحاز إلى الجماعات الإسلامية المعربدة في سوريا والعراق كداعش والنصرة ما يوحي بأن الرعاية التركية للتيارات الإسلامية جاء متجاوزاً للدور المشهود نحو آفاق العلم العثماني الأخضر!( وهذا محتمل أيضاً) لذلك فإن إعجابي بأردوغان لا ينصفه من خطيئة الانجرار وراء الخطاب الاستعلائي الاستعماري العدواني ضد وحدة سوريا ودعم الحركات الأصولية الإرهابية التي تسيء لجوهر الإسلام المتسامح المعتدل!! وبدلاً من تصديها للكيان الإسرائيلي إلى جانب المقاومة الفلسطينية التي دمرت غزة هاشم.. ذاتها التي صمدت فيها حركات إسلامية قالت لأردوغان ” وإسلاماه” فلم تجده ظهيراً لها إلا في تحركات سياسية خجولة!
____
*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة