خطاب التحدى

التصنيف : آراء حرة (::::)
د. ناجي شراب – فلسطين المحتلة (:::)
لقد إعتاد الإعلام الغربى ، ومنتقدى ومعارضى الرئيس عباس على وصفه بالرئيس الرقيق أو الضعيف ، والذى لا يقوى على مواجهة الضغوطات ألأمريكية والإسرائيلية ، وتصويره على إستعداده لتقديم العديد من التنازلات لإسرائيل ، وأنه لا يقوى أن يقول لا للولايات المتحده ، . اليوم الرئيس عباس يقف وفى قلب الأمم المتحده في نيويورك قلب أمريكا ويقول لا للضغوطات ألأمريكية والإسرائيلية ليلقى خطابا أمام الجمعية العامة فى دورتها التاسعة والستين، والتى تجاهلت القضية الفلسطينية  ، وهو الخطاب الذى جاء فى أعقاب حرب غزة ، وفى أعقاب التوافق الفلسطينى على حكومة التوافق، لأنه لا يجوز لرئيس دولة فلسطين ان يخاطب العالم والفلسطينوين منقسمون.جاء خطاب الرئيس عباس والمخصص له خمسة عشر دقيقة كباقى رؤساء الوفود صادما للولايات المتحدة وإسرائيل، لأنه تحدث بشكل واضح وقاطعوبلهجة فلسطينية ، وان الشعب الفلسطينى لم يعد يحتمل الإحتلال، وأن من حقه التحرر من هذا الإحتلال بكل الوسائل المشروعة ، والتى أقرتها ألأمم المتحدة . ومن حقه أن يدافع عن مصالح شعبه، ويطالب بالعقاب لكل الجرائم التى إرتكبتها إسرائيل. والتاكيد ان موضوع دولة مراقب هو خطوة فى طريق طويل من معركة الشرعية الدولية.ويدرك الرئيس أن الدولة المراقب فى ألأمم المتحدة لا جدوى منها ، دون تفعيل دورها فى ناحيتين:ألأولى أن تتحول هذه الدولة إلى دولة كاملة بإنهاء الإحتلال، وهو مسؤولية دولية ، وهنا القرار بتقديم مشروع قرار لمجلس ألمن بإسم المجموعة العربية لوضع نهاية زمنية لإنهاءحتلال الإسرائيلى ، ولكن الإصرار على ذلك فيه تحدى للموقف ألأمريكى ، والسياسة ألأمريكية ، وكشف كيف أن الولايات المتحدة وليس إسرائيل فقط من يعرقل السلام، وهذا من شأنه أن يضر بمصالح الولايات المتحدة ، ومصداقيتها فى المنطقة ، بل قد يفشل حربها على الإرهاب فى المنطقة .ولذلك جاء الرد ألأمريكى الناقد والرافض للخطاب، والطريق ألاخر الذى ينبغى أن تسلكه دولة فلسطين إنضمامها  لكل المنظمات والمعاهدات الدولية بما فيها معاهدة روما والمحكمة الجنائية ، والتى تعطيها الحق فى مساءلة إسرائيل  على كل جرائم الحرب، وهو يدرك أن ذلك قد يعرض بعض الفصائل لنفس المساءلة ، لكن فى هذا التوجه ما قد  يحول دون حرب جديدة. وهذه السياسية تتنافى مع ما تريده، وتقدمه إسرئيل، إسرائيل تدرك أن معركة الشرعية الدولية ليست معركتها ، وأن من شأن هذه المعركة أن تنزع عنها مقومات الديموقراطية ، وصاحبة الرسالة الأخلاقية التى تحملها ، وإمتدادها للحضارة ألغربية ، ومن شان ذلك ان يعرض إسرائيل للعزلة والمقاطعة الدولية ، ويفقدها أسس قبولها دوليا، بل قد يمهد لمساءلتها ومحاسبتها ، وهى الدولة الوحيدة حتى ألان التى لم تعاقب  على إنتهاكاتها  لكل القرارات الدولية التى أصدرتها ألأمم المتحدة ببطلان إحتلالها للأراضى الفلسطينية ، وبحق الشعب الفلسطينى تقرير مصيره وقيام دولته. ولذلك جاء الرد الإسرائيلى منفعلا وغاضبا ، وواصفا الرئيس باس بانه قد تخلى عن إلتزامه بالمفاوضات والسلام، وتحالفه مع حماس، وكأنها قوة غريبة . علما أن الرئيس شدد على خيار المفاوضات والسلام، وأنه لا بديل لهما ، وكل ما طالب به مرجعية واضحة للمفاوضات ، وفترة زمنية محددة للمفاوضات ، لما ان المفاوضات لا تحتاج أكثر من شهر واحد لإنجازها بعد اكثر من ستة عشر عاما من المفاوضات ، والوصول لتوافقات تفاوضية المطلوب من نتانياهو فقط الإلتزام بها. لكن المشكلة لا تكمن فى خطاب الرئيس عباس الواضح والقاطع بالنسبة للمفاوضات والسلام، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن فى التداعيات السياسية التى ترتبت على الحرب على غزة ، والتنافس اليمينى ، بين القوى وألأحزاب الإسرائيلية ، التى خرجت من الحرب تهاجم نتانياهو الذى تراجعت شعبيته بنسبة كبيرة ، الكل يتنافس ويتطلع للفوز بمنصب رئاسة الوزراء ، ولذلك الكل ذهب ويذهب فى يمينيته إلى أقصى درجة ، وعلى راسهم نتانياهو الذى لا يريد ان ينهى حياته السياسية بفشل بسب الحرب، ولذلك هو حريص على البقاء فى منصبه ، وإظهار خطاب أكثر تشددا ، ولهذا جاء خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لا ليتحدث عن السلام ، ولكن عن الإرهاب الذى يجتاح المنطقة وتصوير حماس بداعش ، وهدفه إفراغ المقاومة الفلسطينية من أى شرعية لها ، وان الحرب الحقيقية هى على ألإرهاب، ومن ناحية أخرى ليصور انه لاضمان لقيام الدولة الفلسطينية التى قد تكون قاعدة للإرهاب. لكل هذه ألأسباب جاء رد إسرائيل على خطاب الرئيس عباس ولصق صفة الإرهاب له، وقد يكون هذا تهديدا لإغتياله سياسيا وليس مستبعدا جسديا. . لقى أبدى الرئيس عباس تحديا وعنادا سياسيا لم يعهد عنه . ووقف متحديا كل الضغوطات وخصوصا ألأمريكية  والإسرائيلية..ولعلى أذكر بخطاب الدولة المراقب، وكيف أن التهديد ألأمريكى كان من الرئاسة والكونجرس بالتهديد بغلق مكتب المنظمة ، ووقف المساعدات المالية ، ومع ذلك إنتصرت الإرادة الفلسطينية ، وتم إنتزاع صفة دولة مراقب، وبنفس إرادة التحدى يمكن إنتزاع صفة دولة فلسطينية كاملة ، وإنهاء الإحتلال.   لقد أستوقفنى هذا الجانب من خطاب الرئيس في الأمم المتحده ، ومن معرفتى بالرئيس عباس أنه رجل دولة يتسم بالواقعية ، والعقلانية ، ويحسب خطواته خطوة ، ناهيك إنه من قاد العملية السلمية والتفاوضية لإيمانه بالحل السلمى والتفاوضى والذى أكد عليه في خطابه ، ولم يتخلى عن خياراته هذه ، وانه رجل يقولها بوضوح أنه مع الإنتفاضة السلمية الشعبية المدنية ، وأعرف إن الرئيس عباس ليس بكارزمية الرئيس عرفات ، ومثل هذه خطابات هى من مقومات وأدوات القادة الثوريون الكارزميون الذين يلهبون عواطف شعوبهم . وألذى شدنى أكثر كيف أن الرئيس عباس وهو يدرك تماما أن تقديم مشروع قرار فلسطينى لمجلس ألأمن  لتحمل مسؤولياته لإنهاء الإحتلال الإسرائيلى وقيام الدولة الفلسطينية لن يلقى التأييد ألأمريكى  ، ، وسيسقط امام جدار الفيتو العنيد وألأعمى في  وقت التجديد النصفى للكونجرس ؟ كيف لرئيس يصف نفسه بالواقعية أن يذهب إلى هذا الخطوة رغم مخاطرها ؟ وهنا التفسيرات قد تتعدد ، وهنا من يقول أن الرئيس عباس يريد إن يزيل عن نفسه هذه ألأوصاف ونعته بالرئيس الرقيق تخفيفا لوصف ضعيف ، وهناك من يقول أن الرئيس يريد أن ينهى حياته السياسية بهذا الموقف الشجاع والقوى ، ويضع  نفسه مع القادة والرؤساء الذي إستطاعوا بقوة شعوبهم أن يتركوا مواقفا أثرت في مسار تاريخ شعوبهم وقضيتهم . قد تكون كل هذا التفسيرات صحيحة ، ومن حق اى رئيس إن يدافع عن نفسه ، لكن هذا التحدى يقف وراءه قوة وعدالة قضية الشعب الفلسطينى ، وحقوقه المشروعة ، ولعلى أزيد هنا إن الرئيس أكثر دراية بمواقف الولايات المتحده وإسرائيل ، ويدرك إن زمن الضعف ليس له مكان في السياسة الدولية ، وأنه لايكفى أن نقول أننا أصحاب قضية مشروعة ، وان ألأمر يحتاج في زمن القوة ، وزمن التحولات العربية إلى قوة في الفعل والممارسة ، حتى المفاوضات والسلام تحتاج إلى القوة حتى تصبح المفاوضات فيها قدر كبير من التوازن الذي قد يحقق السلام المطلوب للشعوب . والرئيس عباس بدا يدرك إن شعبه القوى والثابت على أرضه  يحتاج في هذه المرحلة المصيرية إلى رئيس قوى يقبل التحدى ، ولو كان ثمن ذلك حياته الشخصية ، قضية بقوة القضية الفلسطينية هى في حاجة إلى شعب قوى ، ورئيس قوى ، وقوى سياسية قوية متوحده حول هذه القضية . ولا شك أن هذا البعد في قراءة خطاب الرئيس إلى جانب ألأبعاد ألأخرى المهمة ، في حاجة إلى وقفة ، وتدارس التداعيات والنتائج التي يمكن أن تترتب عليها ، لكننى في الوقت نفسه أرى أن هذا التحدى ينبغى إن يكون محسوبا ، فالمسألة ليست مسألة تنقية شخصية من إحدى صفاتها السلبية ، بقدر أن هذا التحدى يحتاج إلى زخم شعبى ، وتأييد دولى له حتى يواصل مسيرة تحدى قيام الدولة الفلسطينية ، والحقيقة أن هذا التحدى قد يعكس تحدى قيام الدولة ألذى يحتاج إلى تضافر جميع الجهود الفلسطينية الداخلية ، وحشد التاييد الشعبى العربى والدولى ، وأخيرا السياسية لا تعرف إلا لغة القوة، لكن ألأهم كيف نوظف عناصر القوة من أجل الدولة الفلسطينية ، ولعل أول هذه العناصر قوة الشرعية الدولية التي إستمد الرئيس عباس أحد مصادر وقوة تحديه وقوة صمود شعبه  ومقاومته فى غزة والضفة الغربية وفى الشتات بعد حرب الواحد وخمسين يوما. . فهل ادركنا ماذا تعنى قوة الشرعية الدولية ؟ هى المعركة الحقيقية التى نملك أوراقها ،وليس اى معركة أخري!
دكتور ناجى صادق شراب \ [email protected]

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة