خواطر في “نظرية العقل” مابين طرابيشي والجابري

التصنيف : دراسات (:::)
علاء الدين الأعرجي – نيويورك (::: )
لقيت طروحات المفكر محمد عابد الجابري اهتماماً كبيراً من الجمهور العربي عامة ، والمثقفين خاصة ، والمفكرين العرب الآخرين بوجه أخص ، لذلك تناولها بعض الكتاب بالتعقيب والتحليل في مقالات و أبحاث ، بمن فيهم المفكر علي حرب، في كتابه “مداخلات” وهشام غصيب في كتابه ” هل هناك عقل عربي؟ قراءة نقدية لمشروع محمد عابد الجابري”، وغيرهما . وقد أنصب الإهتمام في الغالب على مشروعه في “نقد العقل العربي” الذي تضمن أربعة كتب: ” تكوين العقل العربي”، و “بنية العقل العربي”و “العقل السياسي العربي” و “العقل الأخلاقي العربي”، مع أنني أرى أن مشروعه في “نقد العقل العربي” لا يقتصر على هذه الكتب بل يشمل معظم مؤلفاته السابقة واللاحقة لهذا المشروع ، ابتداء من كتابه الهام:”نحن والتراث ، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي”، فضلاً عن “التراث والحداثة”، و “الخطاب العربي المعاصر” ، و “وجهة نظر نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر” و “مسألة الهوية:العروبة والإسلام…والغرب” و “المشروع النهضوي العربي” … إلخ .
ولعلني لا ابتعد عن الصواب ، إذا أشرت إلى أن النقد السلبي ، بل الهجومي، الذي شنه المفكر جورج طرابيشي على مشروع نقد العقل العربي وعلى صاحبه يعتبر أهم ما كتب في هذا الشأن ، و أقصد بالذات مشروع طرابيشي في “نقد نقد العقل العربي” الذي يتألف من أربعة كتب : “نظرية العقل” و “أشكاليات العقل العربي”(وسأقتصر في “خواطري” هذه على هذين  الكتابين، إذ كُتبت هذه” الخواطر” قبل صدور الكتابين التاليين:)  و ” وحدة العقل العربي” و ” العقل المستقيل في الإسلام” .
واعترف بأنني استقبلت مشروع طرابيشي الذي أعرف مقدرته البحثية ، بترحيب وشغف ، على الرغم مما أكنه للجابري من مكانة خاصة في نفسي وفي عقلي ، لا سيما و أنا أتابع كتاباته بعناية فائقة منذ قرابة ثلاثة عقود من الزمن ، و أصبحت استشهد ببعض عباراته في كتاباتي، بل استوحي منه بعض الأراء والفرضيات ، ويمكن أن أرجع أسباب ذلك الترحيب والإهتمام إلى ما يلي:
أولاً: أن هذا السجال الفكري المحتدم منذ  فترة  حول “العقل العربي” له دلالاته الصحية العميقة على الفكر العربي المعاصر ، بل وعلى مستقبل الأمة العربية . فقد آن الأوان للكشف عن عقدنا المستحكمة ومفاهيمنا الساذجة والراسخة ، و/ أوهامنا السائدة ، و أورامنا الخبيثة ، وما نحاول السكوت عنه من محظورات كثيرة وخطيرة . فتشخيص الداء نصف الشفاء .
ثانياً: لأن طلب الحق لا ينحصر في طريق واحد، كما يقول ابن رشد في رده على أهل الكلام ، فهناك عدة وسائل للوصول إلى الحقيقة حتى إذا كانت نسبية ، بل للحقيقة نفسها عدد من الأوجه ، لا يرى منها المشاهد إلا وجهاً واحداً ، في الغالب ، وقد يرى منها باحث متبحر عدداً معيناً من الأوجه ، دون غيرها ، كما قد يراقب عدداً أخر منها، دون الإحاطة بمجملها . كما قد تختلف زاوية النظر إلى تلك الأوجه، مما يؤثر على النتيجة النهائية لأحكام هذا أو ذاك . وهكذا فإن الحقيقة المطلقة غاية يعـزّ ادراكها من جانب العقل البشري المحدود ، لذلك لا يحق لأحد الإدعاء بامتلاكها .
ثالثاً: أن الجهود التي بذلها طرابيشي لدى تنقيبه وتحقيقه في المراجع  التي استند إليها الجابري ، ومدى أصالتها ودقتها ، من حيث كونها مراجع أصلية أو ثانوية، ومن حيث دقة ترجمة بعض نصوصها إلى العربية أحياناً ، وتقليب أوجه فهمها وتفهيمها ، من جانب الكاتب و إلى القارئ ، أقول إن هذه الجهود المضنية ، بصرف النظر عن الحكم على نتائجها في هذا المقام، تدل على أن هناك من يقف بالمرصاد لكل كاتب أو باحث، يحاسبه على دقة مراجعه ومستنداته، حتى اذا إعتُبر من كبار المفكرين، بل ان هذه النخبة الأخيرة معرضة للحساب العسير أكثر من غيرها، وهذه علامة إيجابية عن حضور روح المحاسبة والنقد في الوسط الفكري العربي  .
رابعاً: يقدم طرابيشي للقارئ العربي سيلاُ هائلاً من المعلومات وخلاصة أفكار عدد كبير من المؤلفين العرب والأجانب، من خلال الإشارة إلى مئات المراجع الهامة . إلا أنه قد أغفل  تثبيت اسم المؤلف والناشر، بالإضافة إلى العنوان، باللغة الأصلية(الفرنسية مثلاً) لا باللغة العربية فقط ، وهذا نقص يعاب عليه ، وهو الذي يعيب على الآخرين عدم دقتهم في الإقتباس من المراجع، كما أنه يفوِّت على المتتبع فرصة التأكد من مراجعه هو بالذات ، لصعوبة الحصول على المرجع دون معرفة اسم المؤلف والناشر باللغة الأصلية . ويمكن تقسيم ردود طرابيشي على الجابري إلى فرعين أساسين :
الفرع الأول : يتناول الشكل ، ويتضمن إعادة التنقيب والبحث في المراجع التي استند إليها صاحب مشروع نقد العقل العربي (انظر ثالثاً أعلاه) وفي هذا الصدد يقول طرابيشي :”ولقد شاءت الصدفة أن أقع على الأصل الأجنبي لشاهد كان وظفه الجابري في اسناد اطروحاته ، فدهشت لما وجدته في روحه وحرفه معاً ينطق بعكس ما يقوله (بتشديد الواو وكسرها) إياه، ومن ثم اندفعت اتحرى عن شواهد الجابري واتحقق منها واحداً فواحداً، سواء أكانت عربية أم أجنبية ، فانفتح عندئذ أمامي باب أكبر للذهول : فليس بين مئات شواهد الجابري ، وفي “تكوين العقل العربي” سوى قلة قليلة ما أصابها تحريف أو تزييف أو توظيف بعكس منطوقها . ومن ثم ارتددت نحو “تكوين العقل العربي” أقرأه بعين جديدة ، وبمحاسبة نقدية صارمة . وعندئذ اكتشفت أن “الزيف”- ولا أتردد في استعمال هذه الكلمة – يكمن في الإشكاليات نفسها ، وليس فقط في تعزيزاتها وحيثياتها من الشواهد” (“نظرية العقل” ص9).
وهكذا فإن التنقيب في المراجع ونقدها ينتشران في معظم فصول كتاب طرابيشي الأول “نظرية العقل” على وجه الخصوص ، فضلاً عن أنه يكتشف من خلال بحثه الإستقصائي أن “الزيف”-كما يسميه- يتعدى الشكل (المراجع) إلى الموضوع(الإشكاليات) بالذات ، ما يجعلنا ننتقل إلى الفرع التالي :
الفرع الثاني: الذي يتناول الموضوع أو المضمون ، وينطوي على اعتراضات جديرة بالإعتبار ، بل أن بعضها قد يستحق التأييد ، وبعضها الأخر قد يؤخذ بتحفظ ، وفي هذا السياق يضطلع طرابيشي في كتابه “نظرية العقل” على مدى 365 صفحة ، بتحليل و نقد بعض ما ورد في كتاب الجابري”تكوين العقل العربي” مع الإسترشاد بمؤلفات الجابري الأخرى أحياناً وذلك في خمسة فصول : (1)”أصول نظرية العقل عند الجابري”،(2)”التوظيف المركزي الأثني لنظرية العقل”،(3)”هجاء العقل العربي”،(4)”تطور مفهوم العقل في الحداثة الأوروبية”و(5)”العقل والعقلية”. أما كتابه الثاني المعنون “اشكاليات العقل العربي” ، فيحتوي على ثلاثة فصول :”أشكالية الإطار المرجعي للعقل العربي”(عصر التدوين)، (2)”اشكالية اللغة والعقل” و (3) ” اشكالية البنية اللاشعورية للعقل العربي “. وكل واحد من هذه الفصول جدير بالإستعراض والبحث والمناقشة والتقويم والتعقيب ، مما يزيد من إثراء الموضوع.  بيد أننا سنكتفي في هذه الخواطر الموجزة بالرد على طرابيشي في أطروحة تدخل في صلب”المضمون”، بل في أسس أسباب عناية الأخير بالرد على الجابري. ومع أننا نقف في هذا الرد ، في ساحة الجابري، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أننا نقف مواقف المحاباة من الجابري ، بل على العكس من ذلك فقد حاولنا أن نلتزم الموضوعية إلى أقصى حد ممكن ، فنقف إلى جانب الرأي ، لا صاحبه ، لأن حكمنا قد انصرف ، في لحظة معينة ، إلى أنه أقرب إلى الحقيقة ، هذا مع احترامنا الشديد لكلا المفكرين ، علماً أننا نؤيد آراء طرابيشي في مواضيع أخرى متعددة في كتابيه ، وقد نتناولها في مناسبات قادمة . ففي سياق تبرير رده على الجابري ، وبذل كل هذه الجهود العظيمة التي امتدت على مدى ثماني سنوات لتحرير و إخراج كتابه الأول فقط ، يقول طرابيشي: ” من حق القارئ أن يسأل –وقد سألني بالفعل بعض الأصدقاء ممن عرفوا بهذا المشروع لنقد النقد- هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟!
وجوابي: “بلا”، ذلك أن الجابري ، بالقوة التي يتبدى عليها خطابه وبالشهرة التي نالها ، وبإحكام الإشكاليات التي اعتقل فيها العقل والتراث العربيين،قد بات يشكل ما أسماه غاستون باشلار، عقبة إيستمولوجية ، فالجابري قد نجح- لنعترف له بذلك- في اغلاق العديد من أبواب التأويل والإجتهاد . ومالم يعد فتح ما أغلقه فإن الدراسات التراثية لن تحرز بعد الآن تقدما ، ولا كذلك عملية تفكير العقل العربي بنفسه انطلاقاً من تراثه ومن توسطه التاريخي ما بين العقلين اليوناني القديم والأوروبي الحديث” (“نظرية العقل” ص 9). ولي على بعض أجزاء هذه المقولة عدة ملاحظات واعتراضات :
•لا أتفق مع الكاتب الناقد المحترم في أن الجابري قد أغلق “العديد من أبواب التأويل والإجتهاد” في مجال الدراسات التراثية ، بل أرى ، على العكس من ذلك ، أنه فتح أبوابها على مصراعيه ، بدليل أنه لولا مشروع الجابري، لما اضطلع الناقد نفسه (أي طرابيشي) بمشروعه الكبير في “نقد النقد” الذي نوهنا به سابقاً ، ولما فتح لنا هذه الآفاق الشاسعة من الفكر السجالي أو التحاوري العميق والمعزز بالمراجع والمستندات المتعددة ، وذلك بصرف النظر الآن عن اتفاقنا أو عدم اتفاقنا معه في كل ماورد في كتابيه المذكورين أعلاه ، ودون الدخول في استعراض أسلوبه “الهجائي” ضد صاحب مشروع “نقد العقل العربي” مما يقلل من قيمة كتابات هذا الناقد الماهر(طرابيشي) .
•كما أن محاولات الجابري في فتح أبواب التأويل والنقاش والإجتهاد منتشرة ، بشكل أو أخر ، في مختلف مؤلفاته ، بل وخاصة في كتابه الأهم “تكوين العقل العربي” الذي يخصه طرابيشي بنقده ، او بالأحرى انتقاده ، يقول الجابري فيه :”كان المفروض إذن أن يكون هذا الكتاب مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الكتب والأبحاث ، تمتد على مدى مئة عام”. ثم يقول” وفي هذه الحالة كان يستفيد حتماً من الأعمال السابقة له: يتعلم منها ويتجنب تكرار أخطائها ، في إضافة لبنة إلى صرحها … و أن هو شعر بأن هذا الصرح في حاجة إلى تفكيك و إعادة بناء، وكان له من الطموح ما يكفي ، أقدم على تدشين خطاب جديد في موضوع، لا نقول :جديد، بل متجدد”(  تكوين العقل العربي” مركز دراسات الوحدة العربية. 1991، ص5)
•إذن يتمنى الجابري لو كان كتابه حلقة من سلسلة اجتهادات و أبحاث بدأت منذ قرن من الزمان ليشكل مجرد”لبنة في صرحها”. وحتى إذا شعر بضرورة تفكيك ذلك الصرح و إعادة بنائه ، فإنه قد يقدم على “تدشين” او “افتتاح” خطاب ليس جديداً بل متجدداً. و”التدشين”يعني البداية أو فتح الأبواب للآخرين لتقديم عطاءاتهم واجتهاداتهم ، وخاصة في موضوع التراث الذي نحن بصدده . وهو بذلك لا يغلق الباب كما يدعي طرابيشي، بل يفتحه على مصراعيه .
•ويُلاحظ أن الجابري يرى أن باب الإجتهاد في الفقه الإسلامي السني خاصة مغلق بسبب انغلاق العقل الإسلامي والعربي ، لا بسبب قرار اتخذته السلطات الدينية  أو الدنيوية. وهذا  قد يصدق على الفقه الشيعي، الذي لم يغلق باب الاجتهاد، من الناحية العملية . وهكذا فإنه يدعو إلى انفتاح العقل العربي بغية تحقيق التأويل والإجتهاد .
•أما موقف الجابري من”الدراسات التراثية” و”تفكير العقل العربي بنفسه انطلاقاً من تراثه”، فلا أعتقد أنني أكون مبالغاً إذا قلت أنه يعتبر أول من حَمَلَ عالياً راية الفكر التراثي بصيغته العقلانية العميقة ، و بإطاره التاريخي المحدد ، فدعا إلى نبذ الفهم التراثي للتراث والإنتقال إلى الفهم الحداثي . وقال : “أن الحداثة لا تعني رفض التراث ولا القطيعة مع الماضي ، بقدر ما تعني الإرتفاع بطريقة التعامل مع التراث إلى مستوى ما نسميه بـ”المعاصرة” أعني مواكبة التقدم الحاصل على الصعيد العالمي” (“التراث والحداثة”ط1، مركز دراسات الوحدة العربية ، ص15). ويقول في موضع آخر: “اندماج الذات في التراث شيء، واندماج التراث في الذات شيء آخر، أن يحتوينا التراث شيء، و أن نحتوي التراث شيء آخر…” (“نحن والتراث”  ط6 ، ص 21).
•ويعني ذلك برأيي أننا كنا ولا نزال نتعامل مع التراث باعتباره جزءاً من “الذات” أو الذات عينها ، بينما المفروض أن نتعامل مع التراث بإعتباره “موضوعاً” خارجاً عن الذات ، لذلك يشير الجابري ببلاغة إلى أننا يجب أن نتحول من “كائنات تراثية إلى كائنات لها تراث”.
•وهكذا يسعى الجابري ، من خلال معظم مؤلفاته ، إلى فتح أبواب جديدة لقراءة التراث ، وتحليله ونقده ، باعتباره “موضوعاً” لفهم “الذات” وعقلنتها، ووضعها في إطارها الواقعي والصريح ، لا إطارها الوهمي والغامض / بغية الإنطلاق من تلك الأرضية الواقعية إلى التفاعل مع الحاضر ومستلزماته وشروطه ، لا على الصعيد المحلي أو القطري أو القومي فحسب بل على الصعيد العالمي ، بل و الكوني في ذات الوقت ، وعلى نفس المستوى ، ذلك لأننا لم نعد نعيش في جزيرة منفصلة عن العالم ، بل في زقاق طويل ومتعرج من أزقة القرية العالمية الكبيرة.
•لا أعتقد أن الجابري يشكل “عقبة ايستمولوجية” بل على العكس فإنه كان ولا يزال يشكل زخماً إبستمولوجياً عظيماً ، فقد نعتبره من أوائل الذين شرحوا للقارئ العربي معنى ومغزى تعبير الـ”إبستمولوجيا” بالذات، من خلال العديد من كتاباته ، وخاصة كتابه الرائد :”مدخل إلى فلسفة العلوم ” الذي وضع لأول مرة أمام القارئ العربي خلاصة مبادئ الفكر العالمي ، بما فيها مفهوم الـ”ابستمولوجيا” بإعتبارها تقترب من مفهوم “فلسفة العلوم” أو تمثل بإختصار “شروط المعرفة البشرية وقيمتها وحدودها”.
•أما على صعيد الفهم الإبستمولوجي للتراث فإن مختلف كتاباته تشهد على أنه من الرواد المطالبين بهذا الفهم ، فإلى جانب الشواهد التي ذكرتها في الفقرة الثالثة أعلاه ، بشأن دراسة التراث دراسة موضوعية علمية (إبستمولوجية) لا ذاتية أو إيديولوجية ، التي دعا فيها ، بنفس المعنى إلى “التخلي عن الفهم التراثي للتراث ” كما أسلفنا ، أي “التحرر من الرواسب التراثية في عملية فهمنا للتراث ” (“نحن والتراث”،ص 21)، أضاف قائلاً :”القارئ العربي مؤطر بتراثه ، بمعنى أن التراث يحتويه احتواء يفقده استقلاله وحريته. لقد تلقى القارئ العربي ويتلقى ، تراثه منذ ميلاده ، ككلمات ومفاهيم ، كلغة وتفكير، كحكايات وخرافات وخيال ، كطريقة في التعامل مع الأشياء كأسلوب في التفكير، كمعارف وحقائق كل ذلك من دون نقد وبعيداً عن الروح النقدية .. لذلك فعندما يقرأ القارئ العربي نصاً من نصوص تراثه يقرأه متذكراً لا مكتشفاً ولامستفهماً”(“نحن والتراث” ص 22).
•فالجابري لا يشكل بهذا المعنى عقبة إبستمولوجية بل فتحاً إبستمولوجياً لأنه يدعو القارئ العربي أن يكون مكتشفاً ومستفهماً ، دون أن يكون “مؤطراً بتراثه” وخاضعاً له، أي أنْ يُخضع التراث لعقله وتحليله ونقده واكتناه أبعاده السحيقة و آثاره الحلوة والمرّة ، وتأثيره على حياته الراهنة والقادمة ، وعلاقاته بالآخرين ولا سيما علاقاته بـ “الآخر”: الحضارة الغربية ، العلم الحديث والتكنولوجيات المتقدمة ، الفكر العالمي المتطور … إلخ.
•ولئن لاحظنا أن الجابري كان واضحاً في موقفه إزاء التراث ، خاصة من حيث الإتجاه العلمي الإبستمولوجي منه ، فإننا لم نفهم في الواقع موقف طرابيشي الصريح من ذلك التراث، لا من خلال كتابيه المذكورين أعلاه اللذين يرد فيهما على الجابري ، ولا من صفحات كتابه إلهام “المثقفون العرب والتراث”. ومع ذلك فإن قارئ كتابه الأخير هذا قد يخرج على الأرجح بنتيجة ، تكاد تكون حتمية ، مفادها أن مؤلف كتابه “المثقفون العرب والتراث، التحليل النفسي لعصاب جماعي” ، مفكر يعادي التراث ، بوجه عام ، ويعتبره عقبة حقيقية في فكر هذه الأمة وبالتالي تطورها من خلال أخذها بسبيل الحضارة الحديثة . وبغض النظر عما نسمعه من الحزازات الشخصية ، بين طرابيشي والجابري ، كنا نود أن يكون مفكرنا المحترم الأول أقل حسماً و أكثر تواضعاً و أشد احتراماً لمفكر رائد مثل الجابري . ولا بأس أن ينتقده أو بالأحرى ينقده بقساوة بل بصرامة علمية شديدة كما فعل أحيانا، ولكن دون أن يشوه نقده بعبارات هجاء وسخرية صريحة ونابية في بعض الحلات، وبذلك يرفع قيمة نقده ويعزز مكانة الناقد و النقد ،ويقدم للقارئ العربي صورة مثالية لما ينبغي أن يكون عليه النقد المنزه من المهاترات التي قد تكون شخصية أكثر مما تكون موضوعية .
•وختاماً فإن هذه ليس دراسة معمقة ، بل مجرد خواطر عابرة ، تحاول أن تخضع للتحليل قطرات قليلة من نهر متدفق من الفكر العربي المعاصر المتأثر به ، أو المتفاعل مع الفكر العالمي الحديث ، يقدمه لنا اثنان من المفكرين العرب البارزين ،لذلك أرجو أن لا يتوقع القارئ ، من هذه المقالة المتواضعة ، أكثر من الحصول على لمحة من رأي عابر قد يصيب أو قد يخطئ.
علاء  الدين الأعرجي
كاتب من العراق مقيم في نيويورك

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة