بيت الأحلام

التصنيف: القصة (:::)
قصة بقلم : هيثم نافل والي – مصر (:::)
اعتبر عاصم بالنسبة للكثيرين ابن دهاليز، كجني في الشهر السادس…
رجلاً أخرق أمرد وصوته يُسمع ما بين المرأة والصبي، غير متزن لا في سلوكه، ولا في كلامه؛ فقيراً، معدماً، وحاذقاً في الكذب والنصب والاحتيال، متلذذاً طوال حياته بالمسكرات، والمدمرات بأنواعها المحلية… البائسة الصنع والرخيصة…
يا الله… أي سمات اتسم بها مولانا ابن الخائبة هذا غير المغفور له؟
ولد في بغداد، من أسرة كبيرة توازي في عددها قبيلة، له رأس كبير يشبه رأس الثور، وعقله لفعل الخير بحجم عقل العصفور، بينما للشر كان من أذكى مخلوقات الله وأقدرها!!
استقر على رأسه الكبير ذاك كتله ضخمة من الشعر، غير معتن به، بخدين منتفخين غير موردين كعجين لا يريد أن يختمر! رفيع العود رغم ضخامة رأسه، سبحان مصور الأحوال يستطيع أن يجعل عقل عصفور في إنسان، يعرج قليلاً من ساقه اليسرى إثر دخول مسمار في قدمه عندما كان طفلاً، ولم يبرأ منه، يجيد الغناء حينما يكون ثملاً، وما أن يريد المزاح حتى يبدأ بالأهازيج الساخرة، المليئة بالشتائم والتي تنتهي بإصرار وبشكل خبيث بكلمات بذيئة يعرق جبين المرء لدى سماعها ويعتبرها ملح الحديث والدعابة! خاصة عندما ينهي جولاته الخطابية، الغنائية وصوته يكون قد بح لكثرة ما قدمه، وبعدها يمج معطياً أوامره بلا خجل زاعقاً كصاحب مزاج محترف ومنحرف:
هش ش ش ش…!! وعلى وزنها يضيف بنشوة أقرب إلى السكر:
كش ش ش ش…!! ثم يدعو بطريقة غريبة، مريبة وبصوت هج يشبه صوت الشهيق:
إلهي، هب لي عقلا كعقل الرحمن، واجعل لحمي كلحم الضان، مرغوباً ومطلوبا…
ثم يسكت وكأنه قد قال كل ما حفظه!!
ترعرع في فاقة وعوز كبيرين، فتعلم منذ الصغر عادات سيئة كبرت معه كوزنه، أكثرها شناعة: جمع المال بطرق غير مشروعة…
وها أنا سأروي لكم إحدى مغامراته التي حدثت وهو في خريف العمر…
في عمر تجاوز الستين، وهو يبدو في التسعين، اشتغل عاصم أجيراً في مصنع لسبك الذهب؛ عض شفتيه بقوة وهو يتلمظ فرحاً باستلام مهام عمله الجديد، وفي رأسه حلم كبير يراه سيتحقق قريباً إن اشتغل بمهارة وجد وإتقان!!
لم يسكن ابن الحلال الذي نتحدث عنه يوماً في دار يملكها، فبقي مستأجراً متنقلاً من شقة إلى أخرى، ومن حي إلى أخر، ومن غرفة فوق السطوح إلى غرفة تحت الأرض وهكذا ظل يجر عائلته معه كظله في كل تنقلاته المكوكية التي لا تريد أن تنتهي؛ فسبب لأولاده إحباطاً وتأخراً في الدراسة بشكل مروع، وهو لا يبالي ولا ينتكس، وكل مرة يزداد همة في الاستدانة من الناس الجدد الذين يتعرف عليهم، كي يسدد دينا قديما لدائن يهدده بالشكوى وربما إيداعه السجن، وهكذا بقي يستدين من هذا ليعطي ذاك دون أن يعجز أو يملّ أو يستحي…
حتى تعاقد مع صاحب مصنع سبك الذهب، فوضع في ذهنه خطه محكمة لا يعلم بشأنها حتى الشيطان، فقبل بكل شروط العمل القاسية لرجل مهدود وهرم مثله، لكنه وافق وهو يشعر بابتهاج وسعادة، كأن الله سيقبل دخوله الجنة دون شروط!!
مضى الوقت على عاصم وهو يعمل فجأة على غير ما اعتاد وشب وشاخ عليه، بإخلاص لم يتوقعه أحد ممن يعرفونه، وبهمة كادت تخجل صاحب المصنع، لأنها أتت من رجل مسن، كان يعتبره كطير قص القدر جناحيه؛ حتى بدأت العلاوات والمكافئات تهل عليه كالمطر، وهو فرح وسعيد ومتفائل بكل ما تصنعه يداه من إنتاج لم يتوقعه هو نفسه، ويغمغم في الفترة الأخيرة بمثل كان معجباً به: الحبل يلحق الدلو… ثم يضحك ويهز رأسه، كأنه يوافق على ما يردد!!
بات حلمه يصبح أمراً ملموساً أو قريباً للتحقيق… شراء بيت لأسرته بعد طول عذاب وتشرد وهوان.
وفي ساعة من ساعات الليل المتأخرة، تلك التي كان هواؤها بارداً يصل حد اللسع، ملتهباً بغبطة عارمة كلهب غبطة النجاح، حمل حقيبته العتيقة، الصغيرة السوداء في يده، تلك التي اقتناها بعناد وإصرار كبيرين كي يضع فيها أثناء ساعات عمله الطويلة زاده وشرابه، فلم تكن تلك الحقيبة تثير الشكوك لأحد لأنه لم يكن ليفارقها، كخياله.
خرج من المصنع وهو يحمل حقيبته تلك التي اعتادت على مرافقته أينما يكون وهي صاغرة، بزهو واعتداد كمقاتل شرس عتيد، واستقل سيارة أجرة لم يركبها يوماً من قبل، وأشار لسائقه التوجه حيث هو يسكن الآن؛ في غرفة بحديقة لأسرة فقيرة في إحدى أحياء بغداد القديمة؛ الغرفة التي كانت قبل مدة قصيرة مأوى لأدوات الحديقة وبعض الأشياء المتروكة المهملة، كما العناكب والصراصير والفئران والجرذان… وبعد أن نظفت وفرغت من محتوياتها، وتشرد سكانها الذين ذكرتهم قبل لحظة، أستأجرها عاصم وهو لا يلعن اليوم الذي ولد فيه فقط بل السنة أيضاً، والدنيا والحياة لقسوتهما وربما لأنه مازال على قيد الحياة…
توقف صاحب سيارة الأجرة كما أشار له مذ قليل سكيرنا ابن الدهاليز الحاذق اللعين، الذي حولَّ حياة الكثيرين إلى جحيم، والحقيبة السوداء مازالت تبقع بين يديه ساخنة لكثرة ما دعكها ومن صدره قربها الطريق كله، وهو يحلم بسكرة طويلة حال انتهائه من كل مستلزمات الشراء ومراسيمه التي يتمنى أن تكون هذه الليلة قبل أن يهلّ الصبح عليه….
انتظر صاحب السيارة من راكبه أن يبدي أي إشارة، أو همسه أو أن يترجل ويدفع له أجرته التي هي كل مناه في كل مرة يقلّ فيها راكبا…. وطال انتظاره حتى فقد صبره، فأدار رأسه وخاطب عاصم الغارق في أحلامه المترامية الأطراف:
يا أخانا، يا عمنا…
يقولون: من تطول غيبته، يأتي بالغنائم!! ثم بصوت متهدج:
لقد وصلنا المكان الذي حددته لي… ألا تسمعني؟
أقول لقد وصلنا، أعوذ بالله، ما هذه المصاعب والمصائب التي تنزل علينا في ساعة كهذه…
أرجوك أعطني أجرتي ودعني أتوكل على الله، فأنا سائق أجره، ووقتي ثمين كما هو وقتك، أدفع لي وترجل في أمانة الله…
لم يرد عاصم عليه وعيناه شاخصتان، ثابتتان كحجرين صغيرين مطمورين في الرمل، غارق في أحلامه، وكأنه في كوكب آخر…
فبعد أن وصلت روحه إلى بلعومه ترجل السائق منفعلاً من مكانه وفتح باب السيارة الخلفي ونفض عاصم بقوة وهو يدمدم بصوت مخدوش كطبل مثقوب:
قلنا لك وصلنا ولم تسمعنا ولم ترد علينا!! كيف هذا؟ ماذا تريد؟ لماذا لا تتكلم؟ ثم ردد بلهجة جامحة ومداعبة:
على بختك يا رجل، لا تفعلها وأنت في سيارتي ومازلت لم تدفع أجرتي!!
وعاصم نائم في عمق ليس له قرار…
وعندما هزه مرة أخرى سقطت الحقيبة من بين يدي عاصم، فرمقها صاحب السيارة بنظرة مبهمة حاسدة، كاسحة كالريح الشتائيه العاصفة التي تكنس وتمسح كل ما هو أمامها… لكنه ذهل حين لامس جبين صاحبنا الحالم ورآه بارداً كالثلج، فعرف بأنه قد فارق الحياة…
فتح الحقيبة بقلق وبأعصاب متوترة، وبعينين زائغتين، وبملامح قاسية كانت أقرب إلى الذعر، وبالصدفة انسكب عليها ضوء المصابيح الواقفة كالمشانق في الشارع، فلمعت سبائك الذهب وتوهجت في عينيه فجأة كلهب القناديل وكأن تلك السبائك غسلت للتو بالزيت وصفار البيض…
تردد بحواس تخدرت فجأة، أجال النظر فيما حوله بخوف مستطلعاً كل الاتجاهات، بدأ يلهث وضربات قلبه تتسارع كمن عدا أميالاً راكضاً، ثم قرر بشكل مباغت وسريع أن يدسها بشكل محكم وغير مرئي بوزنها الثقيل الثمين في صندوق السيارة، ثم أخرج هاتفه المحمول وهو يهز رأسه آسفاً مدارياً خوفه، بعد أن غسله عرقه من رأسه إلى قدميه واتصل بالشرطة ليبلغهما بممات ابن المقرودة، ابن الخائبة راكبه الفقير المعدم، فجأة وهو خالي اليدين!!

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة