جدي دافنشي

التصنيف : فن وثقافة (:::)
بقلم : د. ماجده غضبان المشلب – العراق (:::)
انفق جدي وقتا طويلا..لا ريب في ذلك..
الغرفة بما فيها من قطع اثاث و كتب غطيت بنسيج عنكبوت متداخل لا اول له و لا اخر..
و اللون الوحيد الذي طغى على المكان كله..الجدران و السقف مع طلاء اطار النوافذ و الستائر البالية هو اللون الرمادي..حتى بعد تنظيفها من الغبار ، و إزالة كل نتاج العناكب لسنوات طويلة..
نظارة جدي في مكانها ، كما وضعها قبل اربعين عاما ، قلمه مع زجاجة حبر تحول ما فيها الى قطعة من الحجر لم يحظ بلون مختلف و لا الحبر ايضا..
الاوراق رغم اهترائها و اصفرارها حملت ذات اللون..
الأثاث كله رمادي كسحابة لم تجهضها الرعود..
صوره القديمة ، ملابسه مع العث..
ليت ابي ترك لي شيئا سوى المفتاح مع الوصية..
شيئا ما يفسر حب جدي للون كئيب و محير كهذا اللون ، ألم يدخلها مطلقا؟.
هنالك ما هو واضح حقا : ان جدي قد عاش عمرا طويلا هنا ، بين هذه الجدران الرمادية و الاثاث و الحبر و الاوراق ، يكتب دون توقف..
مخطوطات ضخمة على المكتب العتيق ، مخطوطات على الارض و الرفوف..
قبل ان يجرفني فضولي للكشف عن سر رمادية غرفة جدي ، لم اشعر بحماس شديد لفتح مجلداته و قراءة ما كتب..
جلست ارضا خشية ان يتهاوى الكرسي او المكتب ، و وضعت في حجري أقرب مجلد الي..
ظننت أن الصفحات فارغة للوهلة الاولى ، لكني حين اقتربت من النافذة ، لمحت تحت الغبار لونا باهتا لكلمات حائلة اللون..
بُـهـِث..، الورق رمادي..و السطور بلون مماثل؟؟؟.
لو لا الغبار لما تبينت خشونة الحبر على الورق الذي لامسته اصابعي معتليا الكلمات الشبحية هنا و هناك..
مسحت الورق باكمامي..
لاشك في انتظام سطور باهتة يصعب ان تقرأ..
و لا أبالغ ان قلت ان مجرد محاولة قراءتها هي الجنون بعينه ، و ان العثور على طريقة ما لرؤيتها كما يجب تعد ضربا من الخيال..
تناولت مجلدا اخر..
السطور الرمادية ذاتها..و الكلمات مشفرة بزمنها.. بلونها ، و باختيار جدي للون احمق..
فتحت المجلدات التي على المكتب و على الرفوف..
كلها متماثلة..
هل غيرت السنون الوان هذه الغرفة المدهشة؟؟..
ام ان جدي كان مولعا بهذا اللون؟؟..
ماذا عن ابي؟؟..
هل احتار حيرتي ثم شعر باليأس و غادر عاجزا..ثم لم يعد ابدا..او يأتي على ذكر لغز جدي لا في حياته و لا في وصيته؟؟.
تجمعنا في الغرفة جميعا الاحفاد و زوجات الاحفاد و اولادهم..
فتحنا كل المجلدات..
عبثا حاولنا قراءة سطر واحد..
احد اولادي عرض احدى الصفحات لبعض الحرارة عسى ان يسود سطر فتتضح الكلمات..
صبغنا صفحة اخرى بالوان مختلفة..
اتصلت بعالم آثار علّ هنالك طريقة نجهلها للكشف عن محتويات مجلدات الجد الغامضة..
في النهاية ، و بعد شهور من المحاولات المستمية لفك شفرة جدي الدافنشية ، افترقنا و في صدورنا حسرة و الم ، ان تتحول اربعون عاما من الزمن الى جبل شاهق بيننا و بين كل ما جرى يوما في هذه الغرفة..كل ما انفق جدي عمره فيه..كل ما حوته المجلدات..كل ما اصبح الآن مجهولا ابدا لا امل في الكشف عنه في المستقبل القريب..كما أظن..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة