قراءة في خاطرة للكاتب التّونسي أمير “الوسلاتي”

التصنيف : اصدارات ونقد (:::)
بقلم: مادونا عسكر – لبنان (:::)
* الخاطرة:
دخلت الى المقهى على طهارة، أدّيت مناسك حجّ في غير وقتها لأنّي استطعت السبيل. أخذت الثواب ودفعت الأجر.. أجر النّادل ومن ثمّ خرجت  …
إلى المقهى، ستأتي ولو بعد حين… بدواوين شفاهيّة قديمة منعت من الحرق تزيّن شعرها بوهج ملحمات عن أوج رجل شرقي… دواوين وحرق وملحمات وشرق.. خلاصة الحديث أن شعرها أسود.. الأسود الخام. وإنّي ما رأيت بعيني ندماّ كعن عشق أغرتني به عين، فلم تخلق قطعاّ أعين سوداء.. قطعاّ. و بما أنّني من طينة محافظة ظللت أذكر مع كلّ طواف أنّ أيّ لون آخر في حضرتَيْ القِبلة والحبّ ما هو إلّا إلحاد نفس وهذا العرف فرض لا يقبل التّنقيح سواء أكان تفسيراً بسند صحيح أو تجويداً مما يدرس بظوابط متفق عليها. أتت .. و مذ أتت وأنا أؤدي السّبع نظرات تباعاً  .
من المقهى، ستغادر قبل حين … قبل أن أتمّ العدّ بنظرة غض بصر وخصلتين شرقيتين .. الحين مرتبط بقراراتي الآنية بين أن أنشغل بالكتابة التي لا تنتظر أحداً وبين انتظاري لموعد غير مدبر بيننا على أمل أن تعينني الصفا على بلوغ المروة رغم أنّي رأيت المكانين – أو مهما كانت طبيعتهما الأصلية التي أقصد، المغايرة لطبيعة مكان – رأيتهما صدفة لكليهما طاولة منفردة . الصراط بينهما غير مستقيم ” لكن لن يغضب عليَ ولن أضل ” ثم إنّ منسك الحج في ومن طاولتي، طاولة الصّفا، ذهاب بلا عودة، اعتكاف بلا التفاف، فقط رشفة رشفة .. إلى أن يمتلئ الفنجان بخلوة ما، ربعه خالي، وعموماً الربع كلّه خالٍ في تلك الصحراء المقدسة. لن تقذف جمرات اليوم فأنا عازم على أن أكمل يومي طاهراً قدر المستطاع فيما يخص القذف ولن أطلب أرجيلة هذه المرة حفاظاً على مظهري النّقي أمام الشرق فيما يخص الجمرات .. و لن يرجم عمود الشيطان – أو مهما كان المكان – لن يرجم بالثلاث فمكانها المفضل بجانب العمود .. عمود المقهى .. سترجم فقط بنظراتي المؤمنة إلى أن تنتهي القهوة مع آخر المناسك فألحق إلى حلقي شربة من مياه زمزم، القارورة فقط تدعى زمزم أمّا المياه فيشبه طعمها طعم القارورة تعليباً .. تركت بقعتي المقدسة في المقهى واستبدلتها بركن نجس يحتضن مرآة لأتفقد شعري قبل رحيلي عن المكان لأني لا أعلم لماذا أحسست بأنه حلق تماماً.. لم تتغير هيأة الأشعث .. أخذت الثواب ودفعت الأجر .. أجر النادل و من ثم خرجت …
————–
القراءة:
هذا النّص أراده كاتبه مفعماً بالقداسة والطّهر والنّقاء، ونراه يستخدم عبارات مرتبطة بالطّقوس الدّينيّة، ليس للدّلالة على طهارة المكان أو إضفاء طابع قدسيّ عليه أو تصويره لنا وكأنّه مكان غريب عن هذا العالم، وإنّما هي دلالة على  طهارته الشّخصيّة على المستويين الفكري والرّوحي. فبقوله ” دخلت الى المقهى على طهارة “، يشير إلى تهيئة نفسه وروحه وفكره قبل الدّخول إلى المكان. ويؤكّد هذه التّهيئة ما أشار إليه الكاتب في آخر النّص: ” تركت بقعتي المقدسة في المقهى واستبدلتها بركن نجس يحتضن مرآة لأتفقد شعري قبل رحيلي عن المكان”. فما يعني الكاتب، ليس قداسة المكان وإنّما رحاب ذاته الّذي اختاره ليكون طاهراً مقدّساً.
معروف أنّ المقهى هو مكان يجتمع فيه الكثير من النّاس على اختلاف مقاصدهم. فبعضهم يقصد المقهى بهدف التّسلية  أو الاستراحة والبعض الآخر بهدف اللّقاء مع الأصدقاء أو الأحبّة، إلّا أنّ الكاتب اختاره  للقاء ذاتيّ، داخليّ بينه وبين نفسه، على الرّغم من ذكره لشخصيّة آتية فيوحي لنا بلقاء عاديّ بين شخصين.
– ” دخلت الى المقهى على طهارة، أدّيت مناسك حج في غير وقتها لأني استطعت السّبيل أخذت الثّواب ودفعت الأجر .. أجر النادل و من ثمّ خرجت “…
إنّه الدّخول إلى ما يناقض الواقع، أو بمعنى أصحّ ولوج الكاتب في عالمه الخاص المختلف عن العالم الّذي يعيش فيه، فيؤدّي طقساً دينيّاً في غير وقته وكأنّي به يشذّ عن التّقليدي لأنّه يبتغي الأمثل والأكمل، ما تشير إليه بوضوح عبارة ” أدّيت مناسك حج في غير وقتها لأني استطعت السّبيل”. إنّ تأدية الطّقوس الدّينيّة تبتغي هدقاً معيّناً إلّا أن الكاتب وصل إلى مبتغاه فحافظ على الطّقس لكن في غير وقته ولعلّه أيضاً أراد هدفاً آخر، لأنّه نال الهدف الأساسيّ. وكما أنّ تأدية مناسك الحج غير مرتبطة بالزمان المطلوب أو المتعارف عليه، كذلك الثّواب الّذي ناله غير مرتبط بالأجر. فالثّواب الّذي أخذه، ثواب شخصيّ وحده الكاتب سعى إليه وناله، وأمّا الأجر فهو ببساطة ثمن مكوثه الطّبيعيّ في المقهى. وهنا يحاول الكاتب أن يشركنا في حالته بحذر حاجباً بعض الوضوح في تعبيره ولعلّه يريد بذلك جذب القارئ إلى التّأمّل والبحث في نفس الكاتب.

– ” إلى المقهى، ستأتي ولو بعد حين… بدواوين شفاهية قديمة منعت من الحرق تزين شعرها بوهج ملحمات عن أوج رجل شرقي… دواوين وحرق وملحمات وشرق “..
انتظار ومجيئ أكيد لشخصيّة قد تكون غير معروفة بالنّسبة للقارئ لكنّها جليّة بالنّسبة للكاتب. وهذه الآتية، لم ترحل قطّ من تاريخ الكاتب بل هي حاضرة في ذهنه وقلبه وراسخة في مسيرته الإنسانيّة مع أنّها قد تكون غير حاضرة في واقعه. هي أشبه بتحفة يأبى التّاريخ أن تندثر ذكراها أو قوّة حضورها بل وهج تأثيرها عليه. ويختصر الكاتب وصف الآتية، ويلخّص مكنونها بشعرها الأسود: ”  خلاصة الحديث أنّ شعرها أسود.. الأسود الخام. وأني ما رأيت بعيني ندماً كعن عشق أغرتني به عين، فلم تخلق قطعاً أعين سوداء.. قطعاً .” هل يشير الكاتب في هذه الجملة إلى ندم الآتية أم إلى ندمه على غيابها؟ لعلّ الأمر ملتبس أو لعلّه ندم مشترك. فالآتية بنظر الكاتب ستأتي نادمة ( ستأتي ولو بعد حين)، كما أنّه نادم على غيابها (وأني ما رأيت بعيني ندماً كعن عشق أغرتني به عين). والنّدم مرتبط بالعشق وكأنّه يقول أنّ العاشق فقط من حقّه أن يندم، أو أنّ النّدم  يجوز في حالة عشق وليس في حالات أخرى. فكلّ أمر باء بالفشل يمكن تعويضه إلّا خالة العشق الّتي لا يمكن تعويضها.

– ”  وبما أنني من طينة محافظة ظللت أذكر مع كلّ طواف أنّ أيّ لون آخر في حضرتَيْ القبلة (قبلة الصلاة) والحب ما هو إلا إلحاد نفس. وهذا العرف فرض لا يقبل التنقيح سوى  أنه كان تفسيراّ بسند صحيح أو تجويداً ممّا يدرس بظوابط متّفق عليها.”
على الرّغم من النّدم، يبقي الكاتب على نظرته النّقيّة للآتية ولتاريخها، هذا ما يشرح تهيئته الذّاتيّة للطّهارة. فهذه الآتية لا تُذكر إلّا والكاتب في حالة من الطّهر والنّقاء.  كما يفسّر طوباويّة هذا الحبّ الّذي يحتلّ مكاناً واسعاً في حياة الكاتب بل كلّ حياته فلا يحلّ محلّه أيّ أمر آخر. (ظللت أذكر مع كلّ طواف أنّ أيّ لون آخر في حضرتَيْ القبلة (قبلة الصلاة) والحب ما هو إلا إلحاد نفس.) والإلحاد هنا يشير إلى إقصاء كل ما يمكن أن يشوب هذا الحبّ الّذي يتأرجح بين الصّلاة والعشق.
– ” أتت .. و مذ أتت وأنا أؤدي السبع نظرات تباعاً .”
غالباً ما يدلّ الرّقم سبعة على الكمال، وكأنّي بالكاتب قد وصل إلى غاية مبتغاه لما حضرت الآتية ودخل هذا الكمال ولن يخرج منه بعد الآن.
لكنّ الكاتب لم يدخل عمليّاً دائرة الكمال فالآتية ستغادره قبل حين وبقرار منه. ” من المقهى، ستغادر قبل حين … قبل أن أتمّ العدّ بنظرة غض بصر وخصلتين شرقيتين .. الحين مرتبط بقراراتي الآنيّة بين أن أنشغل بالكتابة الّتي لا تنتظر أحداّ وبين انتظاري لموعد غير مدبر بيننا على أمل أن تعينني الصفا على بلوغ المروة رغم أني رأيت المكانين – أو مهما كانت طبيعتهما الأصلية التي أقصد، المغايرة لطبيعة مكان – رأيتهما صدفة لكليهما طاولة منفردة   “.وكأنّي بالكاتب حذر من هذا اللّقاء الدّاخليّ، يستحضره بكلّ فخامة وأبّهة وطهارة إلّا أنّه يقرّر في لحظة ما أن يتراجع. وهذه اللّحظة تأتي لحظة معاينة مكانين: “المقهى، وعالم الكاتب”، أي الواقع الحقيقيّ والواقع المراد أن يكون حقيقيّاً.
ويوضّح هذا المعنى  الجملة التّالية: ”  الصراط بينهما غير مستقيم ” لكن لن يغضب عليَ ولن أضلّ ” ثمّ أنّ منسك الحج في ومن طاولتي، طاولة الصفا، ذهاب بلا عودة , اعتكاف بلا التفاف، فقط رشفة رشفة ..” إلى أن يمتلئ الفنجان بخلوة ما، ربعه خالي، وعموماً الربع كلًه خالٍ في تلك الصحراء المقدسة. لن تقذف جمرات اليوم فأنا عازم على أن أكمل يومي طاهراً  قدر المستطاع في ما يخص القذف و لن أطلب أرجيلة هذه المرة حفاظا على مظهري النّقي أمام الشّرق فيما يخص الجمرات .. و لن يرجم عمود الشيطان – أو مهما كان المكان – لن يرجم بالثلاث فمكانها المفضل بجانب العمود .. عمود المقهى “..
إنّ الواقع المراد بالنّسبة للكاتب، واقع طاهر يخلو من أيّة شائبة، أو ذكرة مؤلمة، فيتوقّف عن استحضار الآتية ويكتفي بما اختلى به مع نفسه محافظاً على طهارته الفكريّة والرّوحيّة والنّفسيّة دونما المساس بذكرى لعلّها كانت مفعمة بالحبّ والعشق ولم تعد كذلك.

– ”  تركت بقعتي المقدّسة في المقهى واستبدلتها بركن نجس يحتضن مرآة لأتفقد شعري قبل رحيلي عن المكان لأنّي لا أعلم لماذا أحسست بأنه حلق تماماً.. لم تتغير هيأة الأشعث .. أخذت الثّواب و دفعت الأجر .. أجر النادل و من ثم خرجت …
يعود الكاتب من عالمه أو بمعنى أصحّ يخرج إلى الواقع الحقيقيّ. ( تركت بقعتي المقدّسة في المقهى واستبدلتها بركن نجس يحتضن مرآة لأتفقد شعري قبل رحيلي عن المكان). وهذه العودة ليست سوى المثول أمام الذّات ومعاينة الفرق بين العالمين، وتحدّد المرآة هذا المعنى.
لقد نال الكاتب مراده من هذا اللّقاء أو هذا الاستحضار أو لنقل هذا الانتقال من واقع إلى آخر فيعود إلى واقعه الأصليّ والحقيقيّ يدفع أجرة مكوثه في المقهى ويخرج.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة