في ذكرى عبد الناصر :قالوا لغيره: إرحل وقالوا له: إرجع

التصنيف : فضاءات عربية (:::)
د.وداد البرغوثي – فلسطين المحتلة (:::)
لم يغب الرئيس جمال عبد الناصر عن الذاكرة العربية رغم مضي أربعة وأربعين عاما على رحيله ، وظل حيا يمارس فعل الحضور في كل يوم نمر به منذ رحيله، رئيس افتقدناه في الليالي الظلماء- وما أكثرها-  على قاعدة “وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر”، وافتقدناه ونحن نرى الميادين العربية تغص بالمتظاهرين المحتجين أو بالمحتفلين. ويكفي انه زعيم تفرد عن غيره من الزعماء ، فأغلبهم خرجت شعوبهم إلى الميادين لتقول لهم: إرحل، بينما عبد الناصر خرج شعبه والأمة العربية جمعاء إلى الميادين ليقولوا له : إرجع في حين أعلن تنحيه بعد هزيمة الخامس من حزيران، تلك مفارقة وفرادة سجلها له التاريخ  وتحفظها الأجيال . ولعل مصادفة قادتني هذه الأيام لأقرأ كتابا كتبته زوجته تحية عن ذكرياتها معه في الذكرى الثالثة لرحيله، لكنه لم ير النور إلا في العام  ٢٠١١. كتاب عن رئيس بحجم عبد الناصر تكتبه رفيقة عمره وأقرب الناس إليه يبقى حبيس الأدراج طيلة أربعين عاما ، تلك قضية كبيرة لا معنى لها سوى أنها كانت أربعين عاما من الظلم والظلام .
لقد طال هذا الكتاب كثيرمن تقشف شديد في السرد والكلام، فهو كتاب من مائة وست وثلاثين صفحة، ورغم ما به من بساطة وتلقائية إلا أنه أعطانا كثيرا من المعرفة عن الوجه الآخر لعبد الناصر الإنسان الزوج والأب والصديق، الساهر على أمن البلد وحمايته.
نزاهة الرجل ونظافة يده  خصال كشف عنها أو  أكدها كتاب تحية “ذكريات معه” . فمن المواقف التي عز حضورها عند المسؤولين لكنه كان حاضرا عند الرئيس جمال عبد الناصر أن ابنته الصغرى منى لم تحصل في الثانوية العامة على معدل يؤهلها لدخول كلية اقتصاد جامعة القاهرة  التي تحلم بها ، وأبدى وزير التعليم  موافقة على قبولها لكن والدها رفض ذلك وأرسلها إلى جامعة أخرى تقبل معدلها، مواقف عديدة ليس هذا أولها ولا آخرها .جوانب كثيرة وتفاصيل أكثر لو أتيحت لأي كاتب  لكتب عنها مئات الصفحات،لكنها كانت بين يدي سيدة “داؤها” التواضع الجم ،لا تختلف عن أية امرأة بسيطة تقليدية ولم تعتد الظهور بمظهر سيدة مصر الأولى كما فعلت سوزان مبارك مثلا إلا في مرات قليلة حين وجهت زوجة الرئيس تيتو دعوة خاصة لها تضحكنا وتضحك معنا حين تتحدث عن هفواتها في الزيارات الرسمية التي شاركت فيها ،أما هي فقد  بدأت حياتها معه زوجة محارب من أجل قضايا الأمة ، السرية تشمل عمله أكثر من العلنية بدءا من حصاره ومن معه في الفالوجة وليس انتهاء بإعلانه رئيساً لمصر.فقد كان كرجل قاد ثورة بلاده ضد الملك فاروق وكزعيم وحد بلدين عربيين وظل مستهدفا في حياته عاش ومات محاطا بكثير من السرية. هذا الطرف قتل لدى الكاتبة الفضول لمعرفة الخفايا والتفاصيل حالها ليس كحال كثير من الزوجات.فقد اكتفت بما كان هو نفسه يخبرها به ولم تحاول النبش في الخبايا والخفايا.
بعفوية نادرة وبزهد  كبير كتبت تحية عبد الناصر عن حياتها معه واكتفت بجملة واحدة أو جملتين لتوصل للقارئ موقفا يحتاج لصفحات،فلا تجدنا نحزن عند موقف حتى تجدنا بعد لحظات أمام  موقف مضحك, عشت يومين بين دفتي كتاب ألحق به ألبوم صور.بكيت في مواقف كثيرة وفي كل مرة كنت أبكي مرتين:مرة لغيابه جسدا ورمزا ومرة لأن العروش العربية حتى الآن لم تعرف مثله، بل نحن في أمس الحاجة لرئيس وطني وعروبي مثله.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة