إنه سبحانه ينادينا

التصنيف : كتابات ومواد دينية (:::)
قلم الدكتور عثمان قدري مكانسي (:::)
نجد القرآن الكريم – في سورة التوبة – ينادي المؤمنين سبع مرات، فيها :
1- البراءة من موالاة الكفار.
2- ومنعهم عن المسجد الحرام بعد فتح مكة .
3- فضح للذين يأكلون الدنيا بالدين والتحذير منهم.
4- والحض على الجهاد في سبيل الله ، ووجوب قتال الكفار.
5- التعامل مع المشركين بالقوة الرادعة.
6- التقرب إلى الصادقين والتحبب إليهم.
فقال سبحانه:
1- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23)
أهناك أقرب من الأب والولد والأخ ؟ وهل تكون ولايةٌ ومناصرة إلا بين الأقارب أولاً ؟ إن الولاء يكون – عادة –  بين المتحابين المتقاربين  ولاتكون الولاية بين المؤمنين والكافرين .
كان العرب قبل الإسلام يتناصرون على الحق والباطل يلتزمون القريب ضد عدوّه أكان محقاً أم غير ذلك ،ولعلنا نتذكر المقولة المشهورة بينهم ” انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ، فلم يكن اعتبار الحق والعدل قائماً ، إنما هي المصلحة القبلية في التناصر ، حتى قيل : “أنا وأخي على ابن عمي ، وأنا وابن عمي على الغريب”فجاء الإسلام يهذب هذا المثل ويشذب هذه القاعدة فغير مفهومها إلى نصرة الحق وأهله بغض النظر عن القرابة الظالمة التي لا تعرف – في كثير من الأحيان- للحق حرمة.
نفى الإسلامُ الموالاة الخاطئة ، بينهم كما نفاها بين المسلمين والمشركين عامّة والمشركين من أهل الكتاب بقوله تعالى : ” يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ” [ المائدة : 51 ] ليبين أن القربَ قربُ الأديان لا قرب الأبدان . ويعجبني قول الشاعر:
يقولون لي دار الأحبة قد دنت         وأنت كئيب ،إنَّ ذا لعجيب
فقـلت وما تغـني ديـارٌ قريبـة         إذا لم يكن بين القلوب قريب
فكم من بعيد الدار نال مراده           وآخرَ جار الجنب فيه كئيب
قالت أسماء بنت ابي بكر الصديق: يا رسول الله , إن أمي قدمت عليَّ راغبة وهي مشركة أفأصلها ؟ قال : ( صلي أمك ) . إنها صلةٌ لا موالاة ، والفرق بينهما كبير.
إن من والى الكافر وناصره على المؤمن ظلمَ نفسه فبرئت منه ذمّة الله تعالى وخرج عن الإيمان.ولا يعي هذا إلا المؤمنُ الفطنُ الذي رُبّيَ على حب الإيمان وأهله.
2- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28)
لا يقربُ المسجدَ الحرامَ إلا المؤمنُ ، إنَّ الطاهر لا يقربه إلا الطاهر أما المشرك فنجس القلب والعقل ، والمسجد لله سبحانه الذي لا يقبل شريكاً . نزلت هذه الآية في سنة تسع للهجرة ،ولهذا بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليا إلى أبي بكر رضي الله عنهما عامئذ وكان أبو بكر أميرَ الحجّ إذ ذاك وأمره أن ينادي في الناس : أن لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان،فأتم الله بذلك أمر الدينَ وحكم به شرعا وقدرا .
قال بعض الناس ممن تقومُ تجارتهم على أمثال هؤلاء : (لتقطعن عنا الأسواق ولتهلكن التجارة وليذهبن عنا ما كنا نُصيب فيها من المرافق )فأنزل الله ” وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء …” فعوّضهم الله تعالى ما تخوّفوه من قطع تلك الأسواق وفتح عليهم أبواب الرزق تفتح لهم خيراً وبركة ، إن الرزق من عند الله ، الم يقل الله سبحانه: ” إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ” الذاريات 58.
3- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ،وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)
كان شداد بن أوس رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ” إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا هؤلاء الكلمات :اللهم إنى أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد ، وأسألك شكر نعمتك ،وأسألك حسن عبادتك ،وأسألك قلبا سليما ،وأسألك لسانا صادقا ،وأسألك من خير ما تعلم ،وأعوذ بك من شر ما تعلم ،وأستغفرك لما تعلم ،إنك أنت علام الغيوب ” .
ويحذر الله تعالى من علماء السوء من اليهود والنصارى الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً ، يفسُد بفسادهم الكثيرُ من العوام وضعاف الإيمان . قال سفيان بن عيينة : من فسد من علمائنا كان فيه شَبهٌ من اليهود، ومن فسد من عُبّادنا كان فيه شبهٌ من النصارى وفي الحديث الصحيح ” لتركبن سَنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ” قالوا اليهود والنصارى ؟ قال فمن ؟ .
إنهم يأكلون الدين بالدنيا من رياسة ظالمة تفرض على الناس المكوس والضرائب والهدايا وما شابه ذلك.
يقول ابن كثير رحمه الله تعالى :وهم مع أكلهم الحرام يصدون الناس عن اتباع الحق ويلبِّسون الحق بالباطل ويظهرون لمن اتبعهم من الجهلة أنهم يدعونهم إلى الخير وليسوا كما يزعمون بل هم دعاة إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون ، فإذا فسدت العلماء فكنزوا المال ولم ينفقوه في وجوهه الصحيحة فسدت أحوال الناس، ((وهل أفسد الدين إلا الملوكُ وأحبار سوء ورهبانها)) كما قال ابن المبارك رحمه الله. ولا يكون المال مكنوزاً – على كثرته إذا أُدّيت زكاتُه وتُصًدِّق منه
حين قال النبي صلى الله عليه وسلم ” تبا للذهب تبا للفضة ” يقولها ثلاثا شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا فأي مال نتخذ ؟ فقال عمر رضي الله عنه أنا أعلم لكم ذلك ، فقال : يا رسول الله إن أصحابك قد شق عليهم ،وقالوا فأي المال نتخذ ؟قال ” لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة تعين أحدكم على دينه ” .
ولا يملأ عينَ ابن آدم إلا التراب، ياتيه المال كثيراً فيجمعه ويكدسه وينسى حق الله وحق العباد فيه ، إنّ الذين يكنزون المال من حل ومن حرام ويتمتعون بجمعه ولا ينفقونه في سبيل الله تعالى وعلى مستحقيه يجدون عقوبة ذلك في الآخرة ، إذ يُحمى هذا الكنز الذي جمعه فتكوى به أجسادهم – جباههم وجنوبهم وظهورهم – وهذه عقوبة بدنية ، يصاحبها العقوبة النفسيّة من لوم وتقريع( هذا ما كنزتم لأنفسكم ، فذوقوا ما كنتم تكنزون)، فهل من عاقل يعلم ما ينفعه في دنياه وآخرته، فيغلق باب الشر ويفتح أبواب الخير؟
4- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38)
إنه عتابٌ من الله تعالى لمن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر وحمارّة القيظ إذ دعاهم رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد في سبيل الله ” فتثاقل بعضهم وتكاسل ومال إلى حياة الدعة والاسترخاء،وإلى حياة الخفض وطيب الثمار ، فكأنهم زهدوا في الآخرة وفضَّلوا الدنيا عليها.
ثم رغبنا المولى في الآخرة فقال رسوله صلى الله عليه وسلم: ” ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم فلينظر بما ترجع ؟ وأشار بالسبابة .أخرجه مسلم .
قال ابن كثير: روى ابن أبي حاتم حدثنا بشر بن مسلم بن عبد الحميد الحمصي بحمص حدثنا الربيع بن روح حدثنا محمد بن خالد الوهبي حدثنا زياد يعني الجصاص عن أبي عثمان قال : قلت يا أبا هريرة سمعت من إخواني بالبصرة أنك تقول سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول ” إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة ” قال أبو هريرة : بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ” إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة ” ثم تلا هذه الآية ” فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ” فالدنيا ما مضى منها وما بقي منها ، هي عند الله قليل . وقال الثوري عن الأعمش في الآية ” فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ” قال كزاد الراكب وقال عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه لما حضرت عبد العزيز بن مروان الوفاة قال : ائتوني بكفني الذي أكفن فيه أنظر إليه، فلما وضع بين يديه نظر إليه فقال : أما لي من كبير ما أخلِّف من الدنيا إلا هذا ؟ ثم ولى ظهره فبكى وهو يقول أف لك من دار إنَّ كثيرك لقليل وإنَّ قليلك لقصير وإن كنا منك لفي غرور .
5- يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73)
وحين يخاطب المولى نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم فالخطاب موجّه إلى أتباعه من المؤمنين ، إن الله يأمر نبيه الكريم أن يجاهد الكفار والمنافقين وأن يغلظ عليهم وأمره بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين وأخبره أن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الآخرة
إنّ الله تعالى أمر بجهاد الكفار بالسيف وأغلظ على المنافقين باللسان وأذهب الرفق عنهم ، فإذا كانت النار – في الآخرة – مأواهم فلعل التشديد عليهم في الدنيا يدفعهم إلى الحق ويأطرهم عليه. ولعل بعضهم يؤوب إلى اللحق ويلتزمه.

6- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ (119)
إنّ الصادقين مع الله صادقون من خلقه ، فمن كان معهم ولزم غرزهم كان منهم ونجا بنجاتهم وفرّج الله عنهم ،وأوصلهم إلى بر الأمان.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا ” أخرجاه في الصحيحين
ذكر ابن كثير رضي الله عنه أنّ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل اقرءوا إن شئتم ” يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ” ثم قال : فهل تجدون لأحد فيه رخصة ؟ وعن عبد الله بن عمر في قوله ” اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ” قال مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ،وقال الحسن البصري إن أردت أن تكون مع الصادقين فعليك بالزهد في الدنيا والكف عن أهل الملة .
فإذا كنا مع الصادقين كانت حبالنا موصولة بالله تعالى ، والله تعالى يحب الصدق والصادقين ويكره الكذب والكاذبين . ومن كان مع الصادقين كان على نور من ربه وهدى ، ومن كان مع الكاذبين فكأنه يحتطب بليل يجره إلى حفرة فيها هلاكُه.
7- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123)
قال ابن كثير رحمه الله : بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين في جزيرة العرب الأقربَ فالأبعد ثم فتح مكة والمدينة والطائف وجنوب الجزيرة وشرقها وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجا
ثمّ شرع في قتال أهل الكتاب فكان الرومُ  أقرب الناس إلى جزيرة العرب وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام ، أنهم أهل الكتاب، فقاتلهم في مؤتة ثم قاتلهم في تبوك .
ثم قام خليفتُه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فثبّت الله به الإسلام في جزيرة العرب ،فوطد القواعد وثبت الدعائم وردَّ شارد الدين وهو راغم ورد أهل الردة إلى الإسلام وأخذ الزكاة ممن منعها من الطغاة ، وبيَّنَ الحق لمن جهله . وأدى عن الرسول ما حمله ، ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم النصارى وإلى الفرس المجوس ففتح الله عليه وكان النصر مبيناً .
وتمَّ الأمر على يدي الفاروق شهيد المحراب أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين ، وقمع الطغاة والمنافقين ،واستولى على الممالك شرقا وغربا . وحملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم بعدا وقربا . ففرقها على الوجه الشرعي والسبيل المرضي, فظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها ،وعلت كلمة الله وظهر دينه ،وبلغت الملة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها ،وكلما علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم ، ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار.
إن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقا بأخيه المؤمن غليظا على عدوه الكافر كقوله تعالى ” وقد وصف المولى سبحانه رسوله الكريم وصحبه في سورة الفتح فقال:” محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ”
وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” أنا الضحوك القتـّال ” يعني أنه ضحوك في وجه وليّه قتـّال لِهامَة عدوه ”  وما يفعل ذلك إلا التقيُّ الذي يجعل العمل بشرع ربه ديدنه وهدفَه .
اللهم نبرأ إليك من ضعفنا وقلة حيلتنا ، ونسألك أن تردنا إلى ديننا ردّاً جميلاً ، وأن تصلحنا وتنصر الإسلام على أيدينا ، إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
إنه سبحانه ينادينا – معشر المؤمنين-  فهل سمعنا النداء؟!

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة