في ذكرى أحداث سبتمبر المأساوية : ذكريات شاهد عيان: مؤلمة ومُلْهِمَة

التصنيف : دراسات (:::)
علاء الدين الأعرجي – باحث عراقي مقيم في الولايات المتحده الامريكية (:::)
عندما يقرأ المرء ويتمعن  في أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، تعتريه شكوك كثيرة وتساؤلات متعددة. ولا ندري إلى أي حد سنعرف الحقيقة الغائبة. ومن هذه  الادعاءات أو الروايات  نذكر:
-في 24 يوليو 2001 قام رجل أعمال يهودي اسمه لاري سيلفرشتاين باستئجار برجي التجارة من مدينة نيويورك لمدة 99 سنة بضمن عقد قيمته 3.2 مليار دولار وتضمن عقد الإيجار بوليصة تأمين بقيمة 3.5 مليار دولار تدفع له في حالة حصول أي هجمة إرهابية على البرجين. وقد تقدم بطلب المبلغ مضاعفا باعتبار أن هجوم كل طائرة هو هجمة إرهابية منفصلة. وأستمر سيلفرشتاين بدفع الإيجار بعد الهجمات وضمن بذلك حق تطوير الموقع وعمليات الإنشاءات التي ستتم مكان البرجين القديمين.
-في سبتمبر 2000 وقبل استلام إدارة جورج دبليو بوش ظهر تقرير أعدته مجموعة فكرية تعمل في مشروع القرن الأمريكي الجديد، كان أبرز المساهمين بها هم ديك تشيني، دونالد رامسفيلد، جيب بوش، باول ولفووتز، سمي هذا التقرير إعادة بناء دفاعات أمريكا، ذكر به أن عملية التغيير المطلوبة ستكون بطيئة جدا بغياب أحداث كارثية جوهرية بحجم كارثة بيرل هاربر
-لم يظهر أي جزء كبير كذيل أو أجزاء جناح من الطائرة التي صدمت مبنى البنتاغون. الرواية الرسمية تقول أن حرارة الاحتراق بخرت الطائرة. وعلى الرغم من تبخر معدن الطائرة، تم التعرف على 184شخص من أصل 189 شخص قتلوا، منهم 64 شخصا كانوا على متن الطائرة التي تبخرت بسبب الحرارة. مع مراعاة أن محركات الطائرة التي تبخرت تزن 12 طن من مادة التيتانيوم ذات درجة الانصهار المرتفعة.
-كان هناك خمسة إسرائيليين يصورون البرجين المحترقين، وهم يتضاحكون، وقد أعتقلوا ولكن أطلق سراحهم بعد72 ساعة. وقد سمعتُ بذلك من بعض الأخبار يوم الحادث أو بعده،  كما أتذكر، ثم أختفى الخبر.
– تحدث الناجون عن انفجارات كانت تحدث داخل الأبراج  إلا أن التحقيق الرسمي تجاهل ذلك.
-لم يسقط البرجين الرئيسيين فقط بل وسقط برج التجارة رقم 7، والذي يحوي مقر السي أي آيه والخدمات السرية ، بعد عدة ساعات، بدون تفسير منطقي، وإتضح أنه مملوك بالكامل للاري سيلفرشتاين الذي كان قد استأجر باقي الأبراج. وجميع البنايات المحيطة بالبرج السابع لم تتأثر. بل حتى لم يسقط زجاجها.(جميع هذه المعلومات مقتبسة من “ويكيبيديا” التي وثــــّـَـــقت كل معلومة، أي أشارت إلى مصادر هذه المعلومات ).

الصباح الذي غير وجه العالم
في صباح  ذلك اليوم المشرق الجميل، كنت، أتـناول الإفطار، في حديقة المنزل، المُطلــَّة على نهر الهدسن العريض، مع زوجتي التي استيقظتْ في وقت مبكر، على غير عادتها( قبل الثامنة صباحاً). وفي الضفة الثانية للنهر، تنتصب أمامنا نيويورك، مدينة المال والآمال، والأعمال والجَمال، بكل عظمتها وبهائها: غابة هائلة من ناطحات السحاب الجبّارة، تتحدى العلاء والفضاء، تـتوسطها اثنين من أعلى وأهم الصروح في العالم، هما برجا “مركز التجارة العالمي( 110 طوابق) وإمباير ستيت، (102 من الطوابق).
وبينما كنت أحتسي قهوتي المفضلة، وبعد أن قمت بواجب إطراء طعام الآفطار الذي قامت  زوجتي بإعداده، قلت لها، مُداعباً ومعاكِساً نومها الصباحي  الطويل المعتاد :” هل لاحظت ِ، يا حبيبتي، أن الطوابق العليا من  برجي “مركز التجارة العالمي”،  أولُ من يستقبل طلائع الفجر الرائعة، حين تُتوجها خيوط الأنوار الملونة، بألوان قوس قزح الرائقة، فتشتعل قِمَمِها العالية، متألقة في الصباح الباكر!!؟”. فـَهـِمَـتْ زوجتي الدُعابة وأدركتْ النقد الـمـُـبطن، فأجابت، بابتسامة مُـتحدية :” أترك لك مُـتعة مراقبة “نجوم الصباح” ثم “خيوط  أنوار الفجر”، التي تعانق ناطحات سحاب نيويورك، وتـُشعل قممها السامقة، مقابل أن تتركني محتفظة باللقب العربي الجميل، الذي أطلقـْـته عليّ ، بسبب  كسلي الصباحي اللذيذ، وهو “نؤوم الضحى”(قالتها بعربية متكسرة ومُحَبَــبَة)، وهو اللقب الذي قلتَ لي أنه يُطلق على الأميرات العربيات المـُترفات، اللواتي اعتدن النوم المتأخر حتى الضحى”، كما يقول شاعركم الكبير “أمرو كيس”، تقصد أمرؤ القيس، والله أعلم.
وما كادت تنهي عبارتها تلك، حتى سمعنا دويا هائلاً  يشبه الرعد البعيد. هبتْ زوجتي من مقعدها مذعورة ، وصرختْ قائلة: “يا إلهي، ماذا أرى!  ها هو برج المركز التجاري العالمي يشتعل  فعلا ً كما يُعجبك أن تراه ” . التـفتُّ إلى الجهة  التي أخذت تشير إليها زوجتي، بيدها المرتعدة بشدة.  رأيت أحد الأبراج يشتعل فعلاً والدخان الأسود الكثيف يتصاعد. وفي هذه اللحظة كانت زوجتي قد انطلقت إلى الداخل وفتحت جهاز التلفزيون.
المذيع يعلن بتوتر عن خبر عاجل:اصطدام طائرة بأحد برجي مركز التجارة العالمي “وسنوافيكم  بالتفصيلات فور ورودها “.  أقفزُ عائدا إلى الحديقة لأراقب البرج المشتعل، وسحابة الدخان الأسود ترتفع وتحجب الطوابق العليا. ثم أعود أدراجي إلى الداخل لأستمع إلى المذيع  يقول :” يبدو إنها طائرة ركاب  كبيرة أصابت الطوابق العليا من البرج الشمالي “.  ( علمنا فيما بعد أنها كانت  طائرة أميركان أيرلاين، الرحلة 11، من مطار بوسطن إلى لوس أنجلس، وكانت محملة بـ 24000 غالون من الوقود سريع الاشتعال، حدث ذلك في تمام الساعة الثامنة و46 دقيقة من صباح ذلك اليوم المشهود والمشؤوم ).
تعود زوجتي لاهثة ومضطربة، ودموعها  تتساقط بغزارة، وتسلمني منظاري المقرِب بيد مرتجفة.
أصبح المنظر واضحاً، إذ رأيت الطوابق العليا من مبنى البرج الشمالي تحترق. قـدَّرت أن عدد الضحايا الأبرياء سيكون كبيراً، بمن فيهم ركاب الطائرة وعشرات الموظفين، بكل أسف وحزن.(قــُدِّر عدد ضحايا الصدمة الأولى فيما بعد بـ 1344).
قلت لزوجتي، بعد أن تركتُ لها  الـمنظار: “إنه حادث غريب، أن تصطدم طائرة ركاب كبيرة في البرج بطريق الخطأ أو الصدفة ، فهناك مسار محدد للطائرات عادة، لاسيما طائرات الركاب، إذ يحظر عليها الطيران فوق مدينة نيويورك”.
تختفي زوجتي مرة أخرى وتعود مع جهاز راديو محمول. راح المذيع يعلن نفس الخبر، ويقول إن مندوبهم في طريقه إلى مكان الحادث لينقل الأخبار على الهواء فور وقوعها.

اصطدام الطائرة الثانية
أراقب المشهد  بالمنظار، فألاحظ طائرة كبيرة أخرى تقترب من البرجين. قلت لزوجتي” ربما تكون طائرة استطلاع أو إطفاء أو إنقاذ، ولكنني هتفت فجأة وبانفعال:” يا إلهي!! إن هذا مستحيل، لأن الطائرة العمودية هي المعنية بهذه العمليات عادة، تـُرى أين تقصد هذه الطائرة الأخرى؟”. وبينما كنت أمر بهذه الأفكار اللحظية، وما أن انتهيت من هذا السؤال، حتى أجابتني الطائرة فوراً، حين اصطدمت بالبرج الجنوبي السليم.( طائرة يونايتيد إيرلاين، الرحلة 175 من بوسطن  إلى سان فرانسيسكو، محمَّلة بنفس الكمية من الوقود تقريبا. الساعة التاسعة وثلاث دقائق).
كـُرة ٌ نار هائلة  تـتـفجر من الثلث الأعلى لهذا الصرح العظيم. نظرتُ إلى ساعتي فكانت تتجاوز التاسعة قليلا. أي بعد ربع ساعة من إصابة البرج الأول تقريبا. زوجتي تهتف وهي تجهش بالبكاء: “يا ربي، هذا فضيع، ثمة شيءٌ  مخيفٌ  يحدثُ!!”.
ذهني مشوشٌ، لحظيّ الحركة العاصفة، يستنتج ربما بعد لحظات، فيقفز فورا إلى الحقيقة الـمُرّة المُفجِعة: أهتف قائلا لزوجتي:”هجوم انتحاري مُبـَيـَّتٌ ودقيق ومُفجِع. تـُرى ماذا يمكن أن نتوقع أكثر من ذلك ربما  في أماكن أخرى، تُرى هل  هي بداية هجوم كاسح؟
تمثّـَلتُ في هذه اللحظة فقط، مئات الناس الأبرياء، الذين قضوا في هذه المحرقة الكبيرة، والآخرين الذين ينتظرون حتفهم بأمل قليل أو بمحاولات يائسة للنجاة، وهم محاصرون بالنيران المشتعلة، في الطوابق العليا وربما السفلى.
كان الوقت يمر بسرعة والأخبار تتوالى: “إن أمريكا تتعرض لهجوم كاسح”، لاسيما  بعد أن أعلن المذيع عن اصطدام طائرة ثالثة في مبنى وزارة الدفاع الأمريكية ( البنتاغون)، التي تقع في شمال فيرجينيا، وذلك  في الساعة التاسعة و45 دقيقة.(أميركان أيرلاين، الرحلة 77، من مطار دالاس الدولي القريب من مكان الحادث).
زوجتي تنتحب مستندة برأسها إلى كـَتفي، أحاول أن أواسيها بلطف، ونحن مازلنا نراقب ونستمع إلى مندوب محطة الإذاعة الذي وصل إلى مكان قريب من المبنى، وهو يقول: إنه يشاهد  بعض المحتجزين في الطوابق العليا يُلَوِح بقطع قماش طلبا للنجدة، ولا يظن أن باستطاعة أحد مساعدته، بكل أسف وحزن. لأن عشرات من رجال الإطفاء قد احتجزوا مابين الطوابق ولم يعرف مصيرهم.  ثم صرخ قائلا: “يا إلهي!! إنني أشاهد عدداً منهم يلقي بنفسه إلى حتفه من الطوابق العليا، ربما مفضلين ذلك على الموت حرقا”(قُدِّر عددهم فيما بعد بمئتين).
وبينما كنت أرقب بذهول هذه المذبحة الفظيعة، وأضرب أخماساً لأسداس، عن هوية الفاعلين، وأستبعد “القاعدة”، لأنني لم أكن أتصور أنها قادرة على تنظيم مثل هذا الهجوم الدقيق والكاسح ، ثم يقفز ذهني المشوش والمتحفز، إلى النتائج والتداعيات، بما فيها الحروب وضحاياها ومآسيها. وكنت قد فرغت للتو من مطالعة كتاب مهم : ” الفوضى” لبرجنسكي، الذي يُـقِدرُ فيه عدد ضحايا حروب القرن العشرين بمئة وسبعين مليون إنسان. ثم تذكرتُ نظرية الأنكليزي مالتوس حول أهمية (أو ضرورة) الكوارث البشرية والطبيعية في التخفيف من عدد السكان على الأرض.
أقول بينما كنت أفكر في كل ذلك، تضاعف ذهولي وحزني عندما شاهدت البرج الجنوبي وهو  ينهار. نظرت إلى الساعة: العاشرة وخمس دقائق. تصورت  كتل الحديد  والخرسانة المسلحة المتهشمة وهي تنهال من ذلك العلو الشاهق (أكثر من  1200 قدم على الأقل) تحمل معها آلاف الأشلاء المهشمة والأجساد المتفحمة، لبشر يحملون آلاف الآمال العظيمة، والعلاقات الحميمة، مع بقية الناس المحيطين بهم(الأسرة والأولاد والأصدقاء). بل يشتركون مع جميع البشر الآخرين في العالم، أينما كانوا، بأثمن رابطة: “الإنسانية”، التي تتجاوز وتسمو على جميع الاختلافات والروابط الأخرى، مهما كانت. أقول جميع تلك العلاقات والآمال، تحطمتْ بلحظة، نتيجة هذا العمل الإجرامي الفظيع.
أستمع إلى المذيع يسعل بشدة ويصرخ قائلا: “يا إلهي!! أكاد أختنق من الدخان والغبار، بل نحن نتعرض لشظايا الانفجار مع أننا بعيدين عن البرجين. الناس يهربون بفزع وانهيار. العويل والبكاء والصراخ  يتعالى في كل مكان، من النساء والرجال والأطفال على السواء، يتراكضون بجنون، كأنه يوم الحشر، وهم يتوجهون نحونا يكللهم رداء  من السُخام الأسود،  وكأنهم كتل من مخلوقات خرافية ، وبعضهم  يتساقط  على  بلاط الشارع  المزدحم بالسيارت المتصادمة أوالمتروكة ، فلا يحفل  به أحد. وأنا سأهرب مع فريقي  إلى مكان آمن “.
وبعد 23 دقيقة من تداعي البرج الجنوبي الأول، شعرتُ بالغثيان، وأنا أراقب تداعي وانهيار شقيقه التوأم، البرج الشمالي( في العاشرة و28 دقيقة )، وهو البرج الذي وقع فيه الاصطدام الأول(في الساعة الثامنة و 46دقيقة)، والذي يضم، مع شقيقه الذي تهاوى قبله، عدداً كبيراً من مقار أهم الشركات الكبرى في العالم، التي تتجاوز ميزانية كل منها ميزانية العديد من الدول. وانهدتْ معه صارية أحد أهم مراكز الاتصالات السلكية واللاسلكية العالمية، بالإضافة إلى واحد من أشهر مطاعم العالم، الذي كان يقع في  قمته.
وفي هذه اللحظة  المأساوية بالذات، قفز إلى ذاكرتي ذلك “العشاء الأخير”؛ حين دعانا أحد الأصدقاء، من رجال الأعمال الأثرياء، بمناسبة عيد ميلاد زوجته المُدللة. دعانا زوجتي وأنا، مع ثلّة من الأصدقاء، إلى ذلك المطعم الفخم،  المسمى بحق،” نافذة على العالم”، الذي يقع  فوق الطابق المائة من ذلك الصرح، الذي يتهاوى أمامي في هذه اللحظة. تذكّرت كيف  قضينا واحدة من أجمل  الليالي الحالمة والباذخة، حين كنت  أشعر خلالها أننا كنا في أجمل وأكمل وأأمن مكان في العالم.!!
ولئن لاحظتُ أن زوجتي ما تزال تذرف الدموع، رأيتُ أن أواسيها فأذكِّرها بتلك الليلة السعيدة، ولكنني أخطأت المقصد، إذ أجهشتْ بالبكاء وتضاعف نَحـيـبُها. فقررتُ أن أجربَ آخر أسلحتي:
ترجمتُ لها بلغة مُبَسَطة ومفهومة، قول الشاعر:
فأمطرتْ لؤلؤاً من نرجسٍ وسقتْ ورداً      وعَضَتْ على العِنّاب بالبَردِ
ويا للمفارقة الهائلة؛ إذْ تَفَتَحَتْ، من بين الدموع الغزيرة، أساريرُها عن ابتسامة خفيفة وخجولة…!!!! قائلة بصوت تخنقه العبرات” حقاً لديكم شعراء عظماء …”.
*          *         *
ولئن بلغ عدد ضحايا هذه الكارثة 2997، فإن أعداد ضحايا الحروب التي شنتها أمريكا بعد الكارثة، على أفغانستان ثم على العراق تقدر بالملايين أغلبهم من المدنيين الأبرياء، بمن فيهم  القتلى والجرحى والمشردون. وقد  أشارت دراسة مسحية اجرتها مجلة لانسيت الطبية البريطانية المرموقة إلى أن 655000 عراقي قتلوا منذ بداية الغزو الأمريكي في 19 اذار مارس 2003 وحتى 11 تشرين ثاني أكتوبر 2006. أما عدد القتلى من الجنود الأمركيين فقد تجاوز 6000 قتيل حسب الإحصاءات الرسمية.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة