” جمجمة المحارب القديم”

التصنيف : ابداعات (:::)

” جمجمة المحارب القديم”
-رحلة الكنعاني مَدْيَنُ إلى مدينة الظلام-
مستلهمة من حياة الكنعانيين وأساطيرهم
تأليف بكر السباتين
………………………… …..
وهي ملحمة شعرية نثرية تتجاوز الألف بيت من الشعر المنثور.. تتحدث عن الصراع بين الخير والشر.القحط والخصاب.. القيم الكنعانية التي انتحل الصهاينة جزءاً منها .. الموت والخلود.. قبل نزول الديانات السماوية وذلك في إطار التفاعل الاجتماعي مع الآلهة التي كانت سائدة آنذاك وبالتالي إبراز طبيعة حياة الكنعانيين وتحضرهم رداً على من ينكرها عليهم.
لقد تعاملت مع آلهة الكنعانيين كأسطورة لها انعكاساتها على حياة الناس آنذاك، بينما لا يمكن للباحث التحدث عن بني كنعان دون التطرق إليها. فقد انتهيت من كتابتها قبل أيام وسوف انشرها قريباً تحت عنوان:
:” جمجمة المحارب القديم”
عنوان فرعي:”رحلة الكنعاني مَدْيَنُ إلى مدينة الظلام”
تأليف بكر السباتين
يقول مطلعها:
“دُفِنَتْ في المقابر
أسطورة حظها عاثر
ما زالت ملامحها
في الدحنون والصنوبر..
في غابات الكرمل
تهامست الأشجار
ثم علا صوتها
في وجه الذئب
المتربص:
لست آبهة
وفي يديك مخالب..
أيها الجلاد!
أنا امتداد هذا الكنعانيّ
مَدْينَ!
فغادر أساطيرنا
سنغلق على روايتك المعابر
فلدى (مدين) ما يبوح!!”
***
(لكن العدو لا يتعلم من الدروس.. لذلك ما فتئ يقتل وينهب وينكل بأحفاد الكنعانيين دون مراعات لعرف أو دين.) فاحتلوا فلسطين ونكلوا بأهلا وحرقوا الأخضر واليابس.. وكأن التاريخ يعيد نفسه من جديد..فيتابع الشاعر:
“ها أنت أيها العبراني
تعيد كرَّتك من جديد!!
وتلجم أسئلة الماضي
تغتال (مدين) بالرياءِ..
تواريه الثرى والنسيان..
أتخالف الأعراف صارخاً:
“مدين ليس بإنسان”!!
هذا هو المحتل الآثم
كأن مدين ما عرف الآلهة
ولا داعب طائر الفينيق
في عشه الأبدي!؟
أقتله أيها العبراني ولا تلغه!!
إن شئت!”.

وتتجه الملحمة من خلال قصة المحارب الكنعاني (مدين) وصراعات الالهة نحو ثلاثة محاور،
وهي:
أولاً: تثبيت الحق الفلسطيني بموروثة الثقافي المتمثل في سياق انطلوجيا الأسطورة التي توحي بملامح الشعب الكنعاني الحضاري من خلال سلوكيات آلهته واسقاطاتها على قيم المجتمع الكنعاني؛ وذلك أثناء الصراع بين الخير الشر.. قوى الظلام والعدالة.. كذلك بين فكرة الخلود والفناء.. ف (بعل) يحارب الإله (موت) من أجل الخلود!! لكن (عناة) تثنيه عن ذلك وتحثة على التزاوج مع الثور لاستمرار النسل ومن ثم الاعتراف بهزائمة المتكررة أمام (موت).. والآلهة الكنعانية الأسطورية التي دار بينها الصراع في هذه الملحمة هي:

*الإله الأكبر (إيل) الذي سلبته الإسرائيليات التوراتية كلفظ دون المضمون بإلحاقه إلى موروث الأسماء العبرانية مثل إسرا-ئيل.

أيها العابرُ
فوقَ الجماجِم
ووحْلِ الطينِ
والدماء!
لا تقفز عن السؤال!
“يا من تدوسون بأقدامكم
على الجراح!!
أسماؤكم مستعارة
و(إيلُ) في عقولكم
مخطوفٌ بدهاء!!
هذا عنوانكم!!
فما الخطب!؟
“إسرا- ئيل!!؟؟ ”
*إله الريح والحرب والمطر (بعل) الذي ألحق اسمه بالأماكن التي وصل إليها الكنعانيون والفنيقيون قبل حمسة آلاف سنة مثل صور،أغاريت ،إرواد، قرطاجه، ليبيا وبعض جزر بحر إيجه.. وتسمى باسمه القائد القرطاجني الشهير ( هاني بعل) الذي اجتياز جبال الألب ليغزو روما.

بينما ظل هذا الاسم ( بعل) خالداً في اللاوعي الجمعي للفلسطينيين حتى وقتنا هذا، ويتجلى ذلك في العبارات التالية:
” أرض بعلية” أي أرض تعتمد على الأمطار. ( فبعل هو سيد المطر)..
“البعل أي الزوج”..( بعل سيد الفحولة).
*(عناة) آلهة الخصوبة.. فتذكرنا بالمفاهيم الدارجة في وقتنا هذا وخاصة ما يتعلق بمفهوم الخصاب:” شعر العانة للجنسين”..
*(عشتار) آلهة الحب:
المحبة والعشرة” والخصاب:” المعاشرة الزوجية”.
*(يم) إله البحر..وفي اللغة العربية اليم هو من أسماء البحر.
*الإله ( آديم) سيد الأرض والبشر.
*الإله(موت) سيد الموت والجحيم.
* طائر الفينيق الخالدا لذي سيخرج من الرماد حياً كلما احترق.
*( أدونيس) الذي ضحى بنفسه لأجل من أحب فتلونت زهرة شقائق النعمان ( الدحنون) بلون الدم الأحمر.

ثانياً: البعد الحضاري والجيوسياسي الذي يشير إلى أن أجداد الفلسطينيين الكنعانيين موجودون قبل العبرانين بفارق زمني يزيد عن ألافي عاماً.. وكانوا كما هو مثبت تاريخياً، في قمة التحضر .. ورجالهم من المحاربين الأشداء .. يحبون الموسيقى والعناء والشعر ويمتهنون الزراعة والتجارة البرية والبحرية، وصناعة السجاد والخزف حتى الزجاج وصهر المعادن..لذلك قمت بإسقاط قصة كنعانية من وحي الخيال في أتون الصراع؛ كي تتفاعل مع تفاصيل الأحداث المحتدمة في الملحمة، صعوداً إلى الذروة، وصولاً إلى الخاتمة التي يموت فيها الإله بعل، خلافاً لأحلامه في الخلود.
واخترت لبطلي الملحمة اسمين كنعانيين مألوفين وهما:
( مَديَن) الفارس الكنعاني بطل مغامرة مدينة الظلام.. وهو محارب أشم.. مفتول العضلات.. في نظراته حدة الصقور.. وزوجته( مادونا) التي خاضت صراعاً مريراً مع هواجس زوجها المحارب خلال صراعه مع جيوش الظلام تحت الأرض لو عناية ألهة روح الخصوبة (عناة)..

ثالثاً: البعد التاريخي في سياق الصراع بين أصحاب الحضارة والأرض الكنعانيين، في مواجهة الغزاة العبرانيين الرعاة الذين تعلموا الحضارة منهم ثم انقلبوا عليهم متآمرين مع الإله (موت).

شخصيات الملحمة في قلب الحدث:
لم تخرج الملحمة عن سياقها التاريخي الأنطلوجي فيما يتعلق بصراعات الآلهة فيما بينها سوى في بعض التفاصيل هنا أو هناك حسب المقتضيات فنية.. لكن الرواية الكنعانية المحورية فقد جاءت من وحي الكاتب؛ إذْ ربط الأسطورة بحياة الكنعانيين من خلال حياتهم الاجتماعية وصراعاتهم البينية داخل الأسوار وخارجها.. كذلك أثناء تصديهم للغزاة العبرانيين..
ويمكن تقسيم الشخصيات إلى أسطورة وخرافية وبشرية، على النحو الآتي:
أولاً: شخصيات أسطورية في سياقها الأنطلوجي التاريخي:
1- إيل: كبير الآلهة
2- بعل: إله الريح والحرب والمطر
3- يم:إله البحر
4- آديم: إله الأرض
5- عناة: آلهة روح الخصوبة
6- موت: إله الموت والجحيم والظلام.
7- شمش: آلهة النور
8- عشتار: آلهة الخصوبة والفتنة.
9- أدونيس: الذي تلونت شقائق النعمان بحمرة دمه.
10- الفينيق: الشخصية الخرافية التي تخرج من بين الرماد حية.
*ثانياً: شخصيات خرافية من خيال المؤلف:
الخفافيش.. الذئاب.. الأفاعي.. التنين.. وحوش الظلام
*ثالثاً: شخصيات كنعانية من خيال المؤلف:
1- شيلوه:( الملك )  يحب ابن أخيه مَدْيَن
2- عانيم: (زوجة الملك)  عمة الأمير مَدْيَن  تكره مادونا لأن مَدْيَنَ فضلها على ابنتها.
3- عطاروت:(ابنة الملك) تنافس مادونا على حب مَدْيَن.
4- مَدْيَن: ( ابن أخ الملك)
–         وهو أمير بلدة البصقة ( الدوايمة في الوقت الحاضر)، مقرب من جميع الآلهة ما عدا الإلهين موت وعشتار.
يتزوج فتاة فقيرة تسكن خارج الأسوار التي يتحصن فيها الملك وأعيانه ونبلاؤه وأغنياء البلده، يختاره كبير كهنة المعبد موفدا لإله المطر بعل مع الفارس ساريد إلى مدينة الظلام التي تضم طبقات الجحيم السبع تحت الأرض؛ كي ينقلا إلى إله الفناء (موت) رسالة سلمية. وكان طائر الفينيق الراقد في بداية كل طبقة يقدم للفارسين مفتاح الخلاص من مآزق الظلام ومتاريس الموت. وهي عبار عن مجموعة حكم يمكنها المساعدة في تذليل الصعاب والإيصال إلى بر الأمان. وطبقات الجحيم في هذه الملحمة هي:
–         الحنين والتردد..
–         الريبة والشك..
–         الحقد  والغدر ( التربص بالفينيق الحكيم)..
–          صراع البقاء ومحاولة قتل الفينيق بعدما توفرت لديهما الأوهام الكافية للتخلص منه..
–          الصراع مع جيوش الظلام والتوحد في مواجهتهم واسترضاء الفينيق كي يساعدهم بعد طلب الغفران منه..
–         العودة قبل الوصول إلى الطبقة الأخيرة ( كمين الموت) التي يتربع على عرشها الإله (موت)..
–         فيعودان إلى الهيكل قبل اتمام مهمتهما بعدما أدركا معنى الموت وقيمته.. وقد تنامى إلى علمها حال وصولهما سطح الأرض بأن الإله بعل قد مات.
5- دوثان:
(ابن إحدى محظيات الملك)  .. يكيد للأمير مَدْيَن كي يرث عرش شكيم.. يتآمر مع
عشتار لإفشال رحلة مَدْيَن فيحاول التعرض لزوجته مادونا وهي في طريق عودتها إلى البصقة بتسليط الذئاب عليها، لكن الفارس ساريد خلصها منهم، فعشتار تتصرف من وحي غيرتها على الإله بعل، أما، دوثان  فبدافع حقده الأعمى على مَدْيَن.
6- مادونا ( زوجة الأمير مَدْيَن).. من عامة أفراد الشعب.. تنتمي إلى الطبقة الفقير.. تقيم مع أهلها خارج الأسوار كما الحال في المدن الكنعانية.
7- يقتعام:
(رئيس الجواسيس والخفافيش).. حليف الأمير دوثان وزوجة الملك عانيم،
يعيث فساداً داخل الأسوار وخارجها.. مأمور من قبل (موت).
8- جاد (شقيق الملك.). قائد الجيش يخدم تحت إمرته قادة الفرق العسكرية.
9- قادة الفرق العسكرية حسب ترتيبهم في العهد الكنعاني:
– قائد الفرسان.
– قائد العربات الحربية( من النبلاء)
– قائد المنجنيقات.
– قائد السفن الحربية
– قائد المحاربين المشاة
– قائد الشرطة والعيون
– قيِّم مخازن السلاح

10- ساريد:
من فرسان المعبد.. رفيق مَدْيَن في رحلته إلى مدينة الظلام. أنقذ مادونا وهي في طريق عودتها من الذئاب.. وبدافع الغيرة من عناة على بعل.. سعت آلهة الخصوبة والغواية عشتار لكسر هيبة حبيبها بعل إزاء تفضيله للآلهة عناة عليها. فوجدت السبيل إلى ذلك بتدمير زواج الفارس مَدين، مبعوثه إلى مدينة الظلام، فقامت بإشعال نار الفتنة بين زوجته مادونا ومنقذها ساريد وهما في موقف العرفان بالجميل.. لكن عناة تكتشف الأمر وتصارع عشتار لوقف أذيتها عن المغبونين البريئين.. فتسجنها في إحدى مغر شيبة عاصون ثم تمسح الحادثة من ذاكرة الضحيتين ليعيشا بسلام. وهذه الحادثة جاءت من خارج سياق الأسطورة الحقيقي لخدمة الحبكة في الملحمة.

11- قاديش:  رئيس كهنة المعبد.
12- العملاق شمرون:
حارس الأسوار.. إله هارب من الماضي.. عاقبته آلهة قديمة لأنه أحب فتاة بربرية
وحولته إلى عملاق بشري ينام في البرية ، ترك ليخدم الإله آديم الذي سخره في خدمة المدن الكنعانية.. تعطف عليه الآلهة عناة.. يوالي الملك.
13- شيلوه.. يحمي دائماً ظهرالأمير مَدْيَن.
14- العرافة:  جاسوسة عناة بين البشر
15- نافخ البوق:
من عبيد مَدْيَن، أعتقه سيده بتأثير من مادونا لأنه شاعر وموسيقي يحب الجمال.
له وظيفتان، فهو ينفخ في البوق إيذاناً للحرب ثم يقوم بالعزف على القيثارة في حضرة الأمير (مدين).. وفي خلواته عند النبع يعزف للعذارى.
16- رافيع:
رئيس مجلس الحكماء من طبقة النبلاء. مرتشي، ابنه قيِّم المال في الخزينة العامة.
17- أونو: ممثل الشعب خارج أسوار المدينة ( حيث يسكن الفقراء والعبيد)
18- عدلام:
ممثل الشعب داخل أسوار المدينة ( حيث يقطن الملك والأمراء والأعيان والنبلاء وأغنياء الشعب وأصحاب الحظوة من الخدم والحشم والعبيد)
كبير التجار: يتاجر مع الفراعنة بالقماش والزيتون والخزفيات
كبير الصناع:  يمثل مصانع الملابس والزجاج والخزف والتعدين…إلخ
كبير المزارعين
كبير البنائين
19- العبرانيون وقطاع الطرق والمطاريد.
تمت الإشارة إليهم بضمير الغائب.
*الأماكن في الملحمة
– جبل حرمون (جبل بعل): جبل الشيخ
– بحيرة عمق السديم المالحة: البحر الميت.
– البصقة: قرية الدوايمة المدمرة قضاء مدينة الخليل المحتلة
– عكو: عكا- يافي: يافا- الجليل-أشقلون: عسقلان- جبل الكرمل شكيم : نابلس
*الزمان
في حوالي 1030 قبل الميلاد بداية هجوم العبرانيين على المدن الكنعانية وتدمير أهمها قبل تأسيس أول مملكة لهم على يد شاؤول في 1020 قبل الميلاد.
______________________________ __________________
مقتطفات متفرقة من الملحمة والتي ستنشر على موقعي قريباً:
في ركن داخلي من كهف كئيب!
كان هيكلٌ عظميٌّ
لفارس مطعون في القفا..
وفي جيده قلادة برونزية
صك على وجهيها
اسمان كنعانيان
لمحارب مغبون
وحبيبة قهرها الانتظار!!
(مدين) و(مادونا)
أولئك الغرباء العبرانيون..
دلقوا في بطونهم
من بقايا دم الضحية خمراً
بعدما ارتوت منه
غابات الصنوبر..
فتلونت بحمرته
جداولُ الماءِ
وآبار بني كنعان..
والسواقي لأجلها
ذرفتْ دموعاً
فروت بها الغضبَ
في كل زمان..
واحمرتِ لأجله
الورودُ والوعود!!
وتخَضَّبَت به
أطلال المعابدِ
والخرب المهجورة
وتجهمت لأجل الشهيد السماء
والقاتل لا تنيمه الضحية!!
وروحها لا تهجع
إذا بات القاتلُ
دون قصاص..
****
فاخضَرَّتِ الجبالُ
بالزعتر والخزامى..
وحررت الأساطير من الكبت
ثم غنت للزهور
وقيثارة الريح
تعزف على أشجار الصنوبر
في روابي
الكرمل
وشكيم..
فتشرئب على ألحانها
شقائقُ النعمان
حين ارتوتْ مجداً
من دم المغبون..
كأنها
تبوحُ بأسرار (أدونيس)
ذات يوم بعيد!!
إذ امتلأت بحمرتِها
حدائقُ النور
والحياةِ..
في قرى كنعان
وبيوتها ومعابد إيل
وزنابقٌ زرعت إلى جوارها
في أصصٍ على الشرفات..
أو اشرأبت بتلاتُها الحمر
تحت عرائش
العنبِ والياسمين..
كأن ظلالها الحانية
معبدٌ يحتفي
بأدعية المُكلَمِين بالجراح..
دماءٌ الشهيد زكية
كوردة أدونيس
كأنها
فوقَ العشبِ الأخضر
سجادة صلاة..
تظللها دانياتُ القطوفِ
وحكاياتُ الجداتِ
عن مواسم الرفاه..
تكتحلُ عيونُ المارةِ
بلونِها الأخاّذ..
كذلك في وجه الفرقان
يبتسمون..
و فوقَ رؤوسِ الصبايا
أكاليلُ غار
من الشقائق الحُمْرِ..
يداعبن الهوى
كأنهن
جداول ماء نمير..
يتراشقن
مع الدحنون
بالماء..
للدم المهدور
أيها المارون
صرخة تدوي
في المدى
كأنها الفنار يُضاء للبحارة
في وجه الغرق والفناء..
ولكن!!
هيهات لمغتصب
يرضيه عودة النهار..
ما دامت أشداقهُ مفتوحة..
يسيل منها اللعاب
فلا تغلِقَُ
فمَ القرشِ ابتسامةٌ
وفي قلبهِ أنياب..
هكذا المحتلُ
يطمس حدائقَ النور
بالضلالة والإرهاب..
ويرسم قمراً لسمّار الليل
ويحرم مادونا
من عودة مَدْيَنَ إلى الديار..
كي يملأ العالمَ بالرياء..
تتوه على لسانِهِ
حكاياتُ الكرمل
وقيثارةُ السماء..
ثم يُحَرِّمُ السؤال..
معلناً في تنطع العتاة:
“أنا هنا!!
سيد الرواية والمكان..
وأحفاد كنعان عابرون!
والكنعانيُّ!!مَدْيَنُ غريبٌ!!
ولتغلقَ مادونا نوافذَ لانتظار”!
بل هراء!
هراء..
****
مع ألف علامة تعجب وسؤال!..
أيها الباغي
هلّا فهمت الدرس
من دم الكنعانيّ
المراقُ
على جرف الماضي
السحيق!؟
وما عشش في منحدراته
من أساطير!!
نفض عنها الرماد
طائر فينيق
قبل آلاف السنين
من عبورك
القديم!
فكلُ من يسرق الشمسَ
تحرقه!!
وإن أخفى لها أثراً
تعثرتْ في العتمةِ
قدماه!!
هكذا سلبتمْ
من الكنعانيَِ
إرثَهُ ” ئيل”
إله بني كنعان
راعي الكرمل وشكيم
وأضفتموه إلى إسرا!!
فغدا عنوانكم :
“إسرا-ئيل”!!
عجبي!
ومن هنا!
يتفجر المعنى
في منارات
تاه عن هديها السؤال..
ويستلهم العائدون
طريقهم في البحر
وعلى مدى البصر
في اليباب..
كأنه برعمٌ
أيقظته الشمسُ
من سبات..
يسعى باحثاً في الأفق
عن الضياءِ..
مستكشفاً
دروبَ الإياب..
يلوح من بوابة الأفق
مَدْيَنُ يمشي
على رأسه نوارُ اللوز
ينثرُ بيديه
حطامَ عصا الترحال..
يغطس قرص الشمس عارياً
في بحر يافا
يستحم
فتحمر الأمواج الخجولة
هاربة إلى الشاطئ
تحت قوس قزح
وقد أضفى على مدين
ألوانه القزحية
فبدا يشبهه
حتى تجلت ملامحه
فخضرة الزيتون
في مهاد شكيم..
والدحنون تحمر بلونه
شفاه العذاري في الجليل..
فإذا قبلت الليمون الأصفر
صار ليافي برتقال
وبحر (عكو)
يستلهم زرقة السماء..
فتحرر شعرَها مادونا..
ويتحرر الانتظار.
***
(شام) في يده الأفق
وبوابة الدعاء إلى السماء..
(شام) جدك يا (بعل)
قد بذرَ في قلبك المندى
حبة قمح يا سيدَ النماء..
هذه لحظة
أنعشتْ في رأسك الوعودِ..
تستجير خللها
بأحلام (شام) سيد الغياب..
أهمسُ لك في نشوةٍ الحنان
أيُّها المحظي عندي:
قد رثتك محبتي
ويوماً تتبوأ شيبة قاصون.
لكن ( بعل) قد أخذ الوعد
وأجج الدنيا
تستبيح رعونته الوفاء..
كأنه
ما ارتضع محبة الحق
من ضرع السماء..
ما أغضب ( إيل)
الذي نبه الأرباب في ندائه الرعدي
حتى انكتمت من هوله
أنفاس كونية
أتت كالهديل من عمق الفضاء..
ينظر (إيل)
وكأن عينيه قرصا شمسٍ
عند الأفق ساعة الغسق..
ودموعُ الغضبِ
تتساقط على أديم البحر القرمزي
فتنداح دوائرُها أمواجاً من سخط..
والغيوم من حولهما كوجه (إيل)
تلونت بحمرة اللهب..
عيناه
تنظران تارة
إلى سيد البحار ( يم)
وأخرى نحو الأرض
المنذورة بالخراب والصخب..
باحثتان عن سيدهما (آديم)
وقد تخفّى وراء
الأكمة بقلب مرتعد..
في نظراته
قسوةٌ وعتابٌ أرسلهما (إيل)
إلى مالك قلبه الشفوق
سيد الريح والمطر
(بعل)..
كلُ آلهٍ توارى
حسب ما ارتأى
والآلهات
من فوق شيبةِ (قاصون)
يستمعن لصوته الهادر
إذْ فرق الطيور
من أوكارها في صخب..
وهجج الوحوش
في البراري والقفار..
ومن وقعه
خرج الناسَ معموهين!!
إلى كهوف الكرمل
ومعابد الآلهة
في قرى شكيم..
يحرقون البخور..
يقدمون الأضاحي
والنذور..
ذات الصوت المهول!!
إذْ يُخرج البحرَ المرتعدَ
عن طوع (يم)
فلا يعد للموج الخائفِ
ضابط ومسيطر..
فسيدة الحكمة (عناة بنت إيل)..
و(عشيرة) زوجته التي
يأنف سطوتها الغَمْرٌ..
و(عشتار)
ذات الخصوبة..
عاشقة الفجور ..
ملهمة الثور..
محظية (بعل)
إله الفحولة والحروب..
ها هنَّ فوق شيبة(قاصون)
بفرائصٍ ترتعد!
يشنِّفنَ الآذان..
فهذا الإله (إيل)!!
كيف سيكبح رعونة الأبناء!؟
مردداً بأعلى الصوت:
أسرتي تفرخ بينها الأفاعي!!
وتعصف بها الأطماعُ!!
خيبتي بدت على وجوه بني كنعان
خوفاً من الفناء!!.
كيف إذاً
تبتغون لإلوهيتكم الجلالة
ولبني كنعان الرخاء..
تشيدون المعابد
وهامتكم في القار ممرغة!!
وهل لغير السمو يصلي العابدون
أين مكارم أخلاقي فيكم
يا من ورثتم غيري.
تهادى(إيل) بصوته:
أغيثوهم بالأمان
كي يستقرَّ عرشي
فوق مشيبِ هذا الطودِ المهيب.
****
أيا (عشتارُ)
آلهة الغواية والخصوبة!
هلا استجبت للنداء!
أعيدي الربيع لقلب (بعل)
أججي مجونه لأجل البقاء..
حرري فحولته
من قيودِ سرمديةِ الأنا
وموهبةِ الفينيق على البقاء!!..
خلصي فريسة الشهوات( بعل)
من غياهب الأوهام..
ليرضع العشق،
يهجع
فينام..
عاشريه،إن رغبت
يا عشتارُ
دعيه يتنسمُ الرمانَ المزهرَ
فيرتمي ظلُهُ
على صدرك الوثير..
مترنحاً في نشوة الترحال
عبر فردوسك
المُسْجى على العشب..
أطرقي أيَّ بابٍ فيه
عله ينتظر!!
يا عشتارُ!!.
وبعد عناء!!
وطول انتظار!!
لا جواب!.
نعم!! لا جواب!
ينخفض صوت (إيل)
حتى يلامس الندى..
هل يتلاشى هدير الرعد هكذا!؟
وتعقبه الفوضى
وزوابع الأنا تجتاح حدائق النور
وتنطفئ زهرة النهار!!
ثم تجتاح الخيبة قلب (إيل)
ويلوذ إلى ما في الصبر من مدى!
لكن (بعل)!
يستبيح الفرصة
منددا..
يعلن أنه السيد الأوحد..
مالكُ المفاتيحَ
والعبادِ
الأعظم..
ها هو (بعل)
في حومة الوغى
مع (يم)! إله البحار..
عيناهُ ترصدان
جنون البحر
في حذر..
فذاك التنينُ
يخبط البحرَ بذيله..
يخرب الموجَ
وموسمَ الصيدِ
والسفر..
الأسماكُ تأكلُ بعضَها..
والجزرُ
تجتاحها الأمواج..
حتى صخورُ البحر
تنبري في صدِّها
لكلِّ سفينةٍ
تلوح على الأفقِ..
وتنقذُ المراكبَ وهي تغفو
في الدجى المدلهم، مناراتُ..
فهذا (يمٌّ) يحرض الأعاصيرَ
يغافل خصمه بالعصيان..
مناكفٌ سيدَ الريح والمطر، (بعل)..
يطاردُ فلولَ(آديم)
سيدُ الأرضِ وأهلها..
راعي بني كنعان!!
غير آبهٍ
ببكاءِ (عناة)
وأمهم(عشيرة)!!
وما أدراك من (عشيرة)
حين تكلمُ البحرَ
من على جبل قاصون
بقلب يلعج بالرجاء:
أنسيت (عشيرة)!!
التي تأويك في قلبها الشفوق
أيها الابن العاق.
ويستمر النزال
فعاصفة رملية
تحاصر (آديم) في اليباب..
وخضمٌ تحرضه الأعاصيرُ
نحو البر المنكوب بالطوفان
كأن الجبالَ تذيبها الأحقادُ
وقرى الكنعانيين
تركت تعوم
في سبخات الطين..
ترعبُ أهلهَا الآمنينَ
عربدةُ آلهة
لا تعرف الوئام..
ولا تستمع إلى كلام..
يتساءل(إيل) يائساً:
هل من عاقل يلجم
في رؤوسهم النيران!؟
أين سطوة (عشتار) عليك يا (بعل)
وأين منك (عناة)!!
كأن (بعل) ذا القلبين
والقناعين
قد استحلب من نداء (إيل)
حكمة جده (شام)
هامساً للغمام:
____________

* مقتطفات متفرقة من ملحمة:” جمجمة المحارب القديم”
___________
*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة