حلوتي الخضراء

التصنيف : فن وثقافة (:::)
بقلم سعيد مقدم – الاهواز (:::)
استيقظت وكالأيام الماضية ساعة قبل أذان الفجر، صليت، ثم ودون أن أقرر وجدت نفسي وسط بحر العالم المجازي، مررت على المواقع العربــــيــــة وما أكثرها، ثم على المواقع الأهوازية وما أقلها، حتى تكاد أن تعدها بأصابع إحدى يديك؛ ثم دخلت في الـفـيـس بوك، اخترت بعض القصص أو الأشعار لمجلة إليك أكتب ثم كتبت بعض التعليقات وخرجت.
اليوم أيضًا لدي متسع من الوقت، علمًا بأني أقضي عطلتي الصيفية التي تستمر ثلاثة أشهر على أقل تقدير.
وقبل أن تشرق الشمس سقيت حديقتي، لاطفت بعض أشجارها، شذبت أغصانها، ودون أن أدري تسرق الـنـخـلــــــة مني جل وقتي، بل أنا الذي أنفق جل وقتي لأستجيب لدعاء ميلي نحوها. لا أدرك بعد ما السحر الذي تسحرني به هذه النخلة وأخواتها والذي يجعلني أحدق إليها دون أن أرمش، أغوص بين سعفاتها، أغرق بين خوصها، يخزني سلاؤها ولا أشعر بألم وخزه، أدري أنها تداعبني ولا تنوي طعني، هي تدري بمدى حبي لها، ولا مراء أنها تحس بهذا الوله العميق، وإلا لما لوحت لي بسعفاتها كلما أقبلت عـلـيــها وآيـــات الترحيب على سيمائها صادقة، ولما فرشت مائدتها الشهية أمامي كلما دنوت منها، كأنها تعلم أني أتيتها دون أن أفطر، فتقدم لي الرطب الجني الحالي الذي أين حلاوة العسل منه؟
أحس أن خوصاتها هي التي تجني لي رطبها فتطعمني إياه، وما إن توضع الرطبة في فمي حتى تموع دون أن ألوكها فتنتشر حلاوتها في فضاء فمي، ثم أحس بسكّرها ينتشر في جميع عروقي فأسكر به سـكرا يغمض عينيّ، يـأخذني إلــــــــى عالم ثان باستطاعتي أن ألامس أشـجـــاره الجميلة بأناملي، وتتراكض تصاوير أنهره بسرعة البرق في ذهني تاركة أثرا عظيما يزيد نشوتي أضعافا؛ ثم أفتح عيني لأراها تنظر إلي مبتسمة بنظرات ذوات علق وكأنها راضية من التأثير العميق الذي أوجدته فيّ، والذي أخذ بي مأخذه؛ ولـــم يحصل أن رميت نواة منها قط، بل أجمعها ثم أبحث عن مكان مناسب لأزرعها آملا أن تنبت نخلة مثلها في يوم ما.
قــد ترونها ساكتة، لكنني أرى حركاتها، وأسمع همساتها حين تهامسني أوعندما تتهامس مع العنادل والعصافير التي تشاركني في الآونة والأخرى في حبها. وكم يبهرني لونها الأخضر الزاهي، حتى عزمت أن أشتري لي كوفية خضراء أتعمم بها كلما خرجت لمناسبة أو لزيارة أهلي أو أصدقائي. وحينما نتمشى أنا وحبيبتي أم شروق بقصد التنزة في شوارع المحمرة، أبصبص من غير علمها إلى نخلات الجيران الباسقات فوق الأحواش، عندها تزيدني ارتياحًا وأمانًا واطمئنانًا.
ولــم أتذكر يومًا أني خرجت من البيت دون أن ألقى على نـخـلـتـي وصحويباتها تحية الإعجاب والحب. هذا ولا تلوموني إن أغرمت بحبها، وبالغت في غزلها، فهي فضلا عن أنها حلوة كريمة مباركة، هي رمز بلادي وحضارتي وشموخي.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة