يتجاهلون البعير فيما على “رسنه” يتفاوضون!!!

التصنيف : سياسة واخبار (:::)
بقلم: الدكتور/ أيوب عثمان – فلسطين المحتلة (:::)
ما أعجب وما أغرب ما نرى وما نقرأ وما نسمع هذه الأيام!
هل نصدق أن الوفد الفلسطيني الذي بات يوصف بـ”الموحد” في مفاوضات القاهرة يتفاوض مع الاحتلال الإسرائيلي على نحو غير مباشر عبر الوسيط المصري؟! وهل نصدق أن هذا الوفد يتفاوض على رفع الحصار عن قطاع غزة، وعلى فتح المعابر كلها أو بعضها مع رقابة دولية على مواد البناء الداخلة إليه عبرها؟! وهل نصدق أن هذا الوفد الفلسطيني “الموحّد” يتفاوض على وقف إطلاق النار، وعلى إعادة الإعمار تحت إشراف حكومة التوافق الفلسطينية برئاسة الحمد الله، وعلى حل كامل لمشكلة الكهرباء خلال مدة عام كحدّ أقصى، وعلى توسيع مساحة الصيد البحري إلى تسعة أميال ثم إلى اثني عشر ميلاً خلال نصف عام كحد أقصى، وعلى رفع الحصار المالي عن قطاع غزّة، وعلى إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل بدء الحرب  (يولية 2014) على قطاع غزّة، وعلى ميناء غزّة البحري ومينائها الجوي مع تأجيل البحث العملي على المستويين الإداري والفني في هذا الشأن لمدة شهر، بالإضافة إلى تأجيل البحث في قضية الأسرى لمدّة شهر أيضاً؟!
هل نصدّق هذا؟! كيف نصدّق مثل هذا الهراء التفاوضي الذي عبر عنه تراثنا العربي الثري، ممثلاً في سؤال بلاغي صار مثلاً ذائع الصيت يستنكر أي جدل أو تفاوض حول ما لا ينبغي أن يكون محلاً لتفاوض أو موضوعاً لجدل، فيقول الحصيف المجرّب العارف لذلك السطحي الساذج قليل الدربة وضعيف الخبرة إن كان جاهلاً أو متجاهلاً: ” أتفتشون على الرسن فيما الجمل بارخ كما ترون”؟! إنه سؤال يستنكر على من ينفقون الوقت والجهد في البحث أو في الحديث عن الأثر أو النتيجة بينما يتناسون الأصل الذي أنتج الأثر المُفجع والمروّع أو يتجاهلون السبب الذي أوصل إلى النتيجة الكارثية، تماماً كمن يقتتلون ويتلاعنون ويتشاتمون ويتراشقون الاتهامات وهم يفتشون عن رسنٍ لبعيرٍ يرونه على مدار الساعة  والدقيقة واللحظة بارخاً في مناخه!
إن أعجب وأغرب ما سمعناه ورأيناه  وقرأناه في شأن المفاوضات التي تجري في القاهرة عبر الوسيط المصري أثناء الحرب الصهيونية (الجرف الصامد) على غزة هو أن هذه المفاوضات تجري على رفع الحصار، وعلى كيفية رفع الحصار، وموعد رفع الحصار، وعلى فتح معابر غزّة، وعلى إعادة إعمار غزّة، وعلى حل مشكلة الكهرباء في غزّة، وعلى توسيع مساحة الصيد في بحر غزّة، وعلى بناء ميناء بحري لغزة، فيما الاحتلال العسكري الإسرائيلي باقٍ يفعل ما يشاء في كل وقت يشاء، وبالطريقة التي يشاء! الله أكبر!
كيف يمكن للمحاصَر ذات اليمين وذات اليسار، ومن الأرض ومن البحر ومن الجو وهو واقع تحت أقسى وأبشع وآخر  احتلال في الدنيا بأسرها أن يفاوض محتله على رفع الحصار أو تخفيفه، وعلى فتح المعابر كلها أو بعضها، وعلى إنشاء ميناء بحري في غزّة وتوسيع مساحة الصيد في بحرها، بينما يغمض عينيه عن الاحتلال  ولا يركّز حديثه ومطالبته وقت التفاوض على رحيل هذا الاحتلال الذي هو الأصل لكل أثر ولكل خطر وهو السبب لكل نتيجة ولكلّ كارثة!
ألا يعلم المفاوض الفلسطيني- بعد كل ما جرى- أن الحديث عن تخفيف الحصار أو رفعه، إنما هو حديث عن أثر له أصل، وهو حديث عن نتيجة لها سبب وأساس. إنه الاحتلال. إذاً، لماذا نتفاوض على تخفيف الحصار أو رفعه، ولماذا نتفاوض على توسيع مساحة الصيد البحري، ولماذا نتفاوض على فتح المعابر كلها أو بعضها، فيما الأصل أن يذهب الاحتلال إلى غير رجعة، لأنّ هذا الاحتلال هو الذي جلب الدمار الذي يدفع المفاوض الآن إلى الحديث عن الإعمار، وهو (أي الاحتلال) سبب الحصار الذي هو ليس أكثر من أثر واحد للاحتلال بين العشرات من أبشع وأقسى وأخطر الآثار؟!
ألا يعرف المفاوض الفلسطيني أنه يضع نفسه تحت سطوة الابتزاز والاستنزاف التفاوضي لدولة الاحتلال، وهو يفاوض على مطالب سبق التفاوض عليها وتم التوقيع على اتفاق في شأنها، الأمر الذي حولها من مطالب إلى حقوق تم إقرارها، وليس له إلا أن يستثمرها؟!
إن على المفاوض الفلسطيني أن يعلم أن الاحتلال الإسرائيلي طالما ظلّ قائماً وعلى أرضنا وقلوبنا وصدرونا ظل جاثماً، فإن رفع الحصار أو تخفيفه، وفتح المعابر كلها أو بعضها، وتوسيع مساحة الصيد البحري، وبناء مطار جوي وميناء بحري، إنّما تظل كلها- في وجود هذا الاحتلال- أموراً لا قيمة لها، البتّة، ذلك أن على المفاوض أن يعلم يقيناً أنه ما لم يوجِّه كل جهد لإنهاء الاحتلال، فإن كل أمر غير رحيل الاحتلال إنما يظل أمراً قابلاً- طالما بقي الاحتلال- إلى أن يتحول إلى صراع على كيفية إدارة الاحتلال والعمل على تخفيف قسوته وسطوته وتجميل قبحه وتحسين شروطه. إن عامل حسم ملكية البعير الراقد في مناخه لا يحدده رسنه، تماماً كما الثعبان لا دليل على قتله إلا بقطع رأسه.
وبعد، فإن الحديث- في المفاوضات-  عن ميناء بحري وآخر جوي بصفتهما آليتين يتم عن طريقهما تخفيف الحصار أو حتى رفعه، هو في الحقيقة حديث لا يحقق لنا سيادة ولا يزيح عنا احتلالاً، بل إنه يبقي الاحتلال على صدورنا جاثماً، فيما ييسر لنا- كلّما كان الاحتلال راضياً عنا- أسفارنا وتنقلاتنا وحركة الاستيراد إلينا والتصدير منا، الأمر الذي يوجب علينا أن نوجّه تفاوضنا على نحو سياسي وسيادي يقضي بإذهاب الاحتلال عنا لا بتخفيف حصاره علينا أو بفتحه المعابر أمامنا مع استمراره في احتلالنا. إن اختزال المعاناة في قطاع غزّة بأن مردها حاجة القطاع إلى ميناء بحري وميناء جوي لتيسير سُبل الحياة أمام سكانه وتمكينهم من السفر والحركة دون مضايقة هو في الحقيقة تصرف يسيء لنا ويشوّه صورتنا ويشين وطنيتنا، ذلك أن التصرف الوطني الحقيقي هو مواصلة نضالنا وتصعيده لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي بصفته أصلاً لمعاناتنا وسبباً لأوجاعنا وأساساً لكوارثنا. فكما البون شاسع بين أن يطالب السجين بتحسين حالة سجنه أو أن يطالب بكسر بوابته إيذاناً للخروج منه والانعتاق من أصفاده، فإن البون شاسع أيضاً بين أن يطالب المفاوض الفلسطيني اليوم بإزالة الاحتلال جملةً وتفصيلاً، أو أن يطالب بتحسين أوضاع الحياة وتجميل قبحها في وجود احتلالٍ يظل جاثماً على كل مناحيها.
أما آخر الكلام، فإن “ألف باء” السياسة والتفاوض والسيادة- لا سيما بعد أن طالت يد المقاومة المبدعة عمق دولة الاحتلال بصواريخها وبأبابيلها ذات النسخ الثلاث وبإبداعاتها التي رأينا وسنرى إن شاء الله منها- توجب على المفاوض الفلسطيني الذي تسند المقاومة المبدعة ظهره وتجلي فكره وترسخ أقدامه أن يجعل إنهاء الاحتلال همّه الذي ليس بعده وليس قبله هم آخر، ذلك أنه بزوال هذا الاحتلال، فلن يكون تفاوض على معابر أو كهرباء أو على رفع حصارٍ أو بناء مطار أو ميناء. إذاً، فبقاء الاحتلال  أصل لكل شر وإزالته مقدمة لكل خير. وعليه، فإن العقل يقضي بألا تنفق الجهد والوقت والمال وأنت تفتّش عن (الرسن) فيما الجمل (بارخ).

كاتب وأكاديمي فلسطيني
جامعة الأزهر بغزة

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة