Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Reddit

سميح القاسم : آخر الشعراء النجوم

التصنيف : فن وثقافة (:::)
بقلم : سامر محمد إسماعيل – سوريا (:::)
ساعدت الغنائية العربية الممتطية صهوة الأيديولوجية والحقوق المُغتصبة على بروز سميح القاسم مع العديد من الأسماء الشعرية التي تبنت قالباً جاهلياً جديداً في قلب المجتمعات الحديثة بعيد الاستقلال في هذا البلد العربي أو ذاك، إلا أن شعراء فلسطين ومن لاذت موضوعاته بالحق الفلسطيني كانوا الأقرب إلى وعي الجمهور الجديد، فبعد عقود طويلة من فترة الشعر الرومانسي الذي تربع المهجريون على عرشه بدايات القرن العشرين، كان لا بد للقصيدة العربية من أن تخرج من التفخيم والبرجزة والترصيع والتكلف؛ نحو مجازاتٍ أكثر قرباً من القصيدة الشفوية التي تعد أصل الشعر العربي الكلاسيكي، وهي هنا تقترب من صيغة النشيد أكثر منها كنص يحفر عميقاً في اللغة وأحوالها وصياغة صورها وأصالة شعريتها. هكذا عادت من جديد ظاهرة الشاعر النجم إلى واجهة الثقافة العربية بعدما اختفت تقريباً منذ العصر العباسي مع المتنبي وأبي تمام وسواهما من مالئي الدنيا وشاغلي الناس؛ مقدمةً العديد من شعراء المنابر الذين وجدوا أنفسهم محاطين بجمهور يتلقى الهزيمة تلو الهزيمة، فالنكبة كما تسمى في التعبير القومي الدارج عن خسارة العرب لفلسطين، وتهجير شعبها من مدنه وقراه، ومن بعدها نكسة حزيران تركتا وشوماً لا تمحى في العقل والذائقة العربيين؛ لكنهما في الوقت ذاته أفسحتا المجال أمام ظاهرة الشاعر العراف، الشامان، الرائي؛ والذي كانت تُخصص ملاعب كرة القدم لجماهير أمسياته؛ إضافةً لحضوره الغزير على وسائل الإعلام، وتدريس قصائده الثورية الرافضة ذات النبرة العالية في مناهج المراحل الأولى من المدارس العربية كأدب ملتزم ومقاوم؛ فقصيدة القاسم التي يقول مطلعها: «خلوا الشهيد مكفناً بثيابه، خلوه في السفح الخبير بما به» إضافةً لقصيدته «تقدموا فكل سماءٍ فوقكم جهنمُ» كانت ولا تزال في قائمة القصائد التي حفظتها أجيال من تلاميذ المدارس في سوريا، بل إن قصيدة القاسم ظلت جنباً إلى جنب مع قصيدة محمود درويش هي المثال الأكثر نضارةً للتعبير عن الحق الفلسطيني، وعن الوجدان العربي المكسور، والمهشم، صحيح أن القاسم ظل وصيفاً أمام نجومية رفيق دربه، إلا أن صاحب «مواكب الشمس-1958» رغم تاريخه الطويل من النضال والاعتقال ودخوله أكثر من مرة إلى السجون الإسرائيلية، ورفضه مغادرة الأراضي المحتلة وانتسابه إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي، ووضعه غير مرة تحت الإقامة الجبرية من قبل قوات الاحتلال، وترجمة أعماله إلى عدة لغات منها العبرية، ونيله مرتين وسام القدس من الرئيس الراحل ياسر عرفات؛ أقول رغم كل هذا ظل القاسم أقل نجوميةً من محمود درويش، ففيما انتزع صاحب «الجدارية» لقب شاعر القضية بامتياز ولسنوات حتى بعد مغادرته لفلسطين مبكراً وسفره إلى بيروت والقاهرة وتونس وباريس، ظل القاسم يكتب أشعاره من أرض موطنه؛ حائزاً العديد من الألقاب التي لم تجعل نجوميته تقترب إلى نصف النجومية التي حصدها صاحب «ورد أقل» الذي كان يكتب معظم خطابات ياسر عرفات؛ لا سيما بعد ترك درويش بيروت إبان الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي لها للقضاء على منظمة التحرير هناك وقواها المسلحة في لبنان، لقد ظل القاسم رغم غزارة نتاجه الشعري والأدبي عموماً بعيداً عن شعراء الصف الأول، وما كتاب «الرسائل – العودة – بيروت 1989» بينه وبين درويش سوى نوع من المماحكة المعلنة بين موهبة لا ترد وموهبة أثقلتها ألقابها المتعددة من مثل: «شاعر الغضب الثوري – الشاعر النبوئي – شاعر البناء الأوركسترالي – الشاعر العملاق» وغيرها الكثير؛ وذلك دون أن تجد مؤلفات صاحب «يا عدوّ الشمس» ذلك الصدى اللازم لها بين أوساط الجمهور العربي الذي كان يهدر برمي إسرائيل في البحر مردداً لاءات قمة الخرطوم-1967 الثلاث: لا صلح لا اعتراف لا تفاوض؛ فلم يكن لكتب القاسم الكثيرة في النثر والرواية والشعر والتوثيق هذا الوهج الذي نالته كتب شعراءٍ آخرين؛ حتى أن مواطنه عز الدين مناصرة البعيد عن كل هذا الضجيج الذي رافق كلاً من درويش والقاسم، تتمتع نصوصه بخصوصية شعرية عالية وموهبة نادرة تضاهي نصوص هذين الشاعرين وتتفوق عليها في الكثير من المواضع؛ فنجومية الشاعر هنا لا تعني إطلاقاً عدم مناقشة نصوصه نقدياً وفنياً كما حدث مع مجمل تجربتي القاسم ودرويش؛ ولئن غنى مارسيل خليفة ولحّن لكل من درويش والقاسم ومناصرة فهذا لا يعني أيضاً أنه ليس هناك أكثر من جيل شعري فلسطيني تم تهميشه وإهماله على حساب احتلال الشعراء النجوم لعرش القصيدة الفلسطينية المعاصرة – بالمناسبة ما الذي تشكو منه أشعار معين بسيسو أو غسان زقطان مثلاً؟ – لكن الغنائية والدرامية والملحمية وحاجة الجمهور إلى مخلّص تدعم دوماً أسطرة شاعر ودفعه ليكون لسان حال الجماهير سواء أراد ذلك أم لم يرده؛ وربما في كثير من الأحيان إنشاد الحشود قصائد تعبوية في مرحلة من مراحل المواجهة مع العدو؛ كانت تبدو للقاسم نوعاً من الريادة المستمرة عبر التنبؤ بلواعج الشارع العربي، لا سيما أن حياة الإنسان الفلسطيني حتى هذه اللحظة هي من أقسى أنواع الحياة، وأكثرها اغتراباً وقدرةً على تفتيق قريحة صوتية فجائعية يكون الشاعر مشجبها الفني والأدائي ورمزها المناسباتي المحبب. هذه العوامل ظلمت نصوص القاسم مثلما ظلمت نصوص درويش، بل حمّلتها ما لا طاقة لها به؛ لتزيد غربة الشاعر واغترابه، ولتنغص عليه صفو ذهنه وسليم سليقته؛ ولهذا نجد في أشعار القاسم ما يستحق المراجعة والوقوف عنده طويلاً كما في «ويكون أن يأتي طائرُ الرعد – دار الجليل – 1969» أو في « لا أستأذن حداً – درا الريس-1988» أو حتى في « سأخرج من صورتي ذات يوم – مؤسسة الأسوار-2000»، فقياس قامة من مثل سميح القاسم بقربه أو ابتعاده عن كونه شاعراً نجماً أم لا هو أكيد إجحاف بحقه؛ وإكمال لما حاول البعض تصنيفه ضمنه؛ وهنا أستطيع القول ابن بلدة الرامة كانت معظم نصوصه أقرب إلى الهدير منها إلى الهمس؛ إلى الصراخ أكثر منها إلى الغناء، وظلم كبير أن نطلق حكماً نهائياً على هذه النصوص أو ننفيها في قالب نصوص المقولات الكبرى؛ إذ كان لا بد في نهاية الأمر مما لا بد منه؛ كان لا بد من شعراء يستطيعون عكس عصرهم في قصائدهم؛ ومن يمثل كل هذا الدم الفلسطيني المسفوح سوى شاعر من مقام صاحب «دمي على كفي – الناصرة -1967» أو «منتصب القامة أمشي – منشورات الأسوار -2012»؟ الأغنية – القصيدة التي لا تزال تحرك الجموع فهل ما زالت تحركها؛ وهل ما زال هناك متسع لنجومية الشاعر في زمن الشارع وتسيد كائناته حتى على وعي النخب العربية؟ سؤال يصير محرجاً يوماً بعد يوم للكثيرين ممن حزنوا أو وجدوا وقتاً للحزن على سميح القاسم الذي لم يكن ليرحل هكذا، دون أن يشاهد في آخر أيامه ازدهار حفلات تقطيع الرؤوس بين بغداد ودمشق؛ فيما يزهق الدم الفلسطيني في غزة يومياً وبنفس إيقاع التواطؤ العربي؛ وذات الإذعان وغض النظر عن الجريمة الإسرائيلية الكاملة فوق أرض فلسطين؛ مرةً عبر تهدئة ومرةً عبر هدنة؛ ومرات عبر وساطة مصرية غامضة بين تل أبيب والقاهرة يتم فيها التأكيد على ثوابت كامب ديفيد! أجل لم يمت القاسم من أمرٍ قليل، بل إن ما شاهده في ساعاته الأخيرة من هذا الواقع العربي المرعب قرّب له الموت وحببه إلى نفسه الرقيقة؛ هارباً من حرب التلفزيونات العربية التي لا تتوقف عن كيل التهم لبعضها البعض؛ واستشهادها دوماً بتقارير عن المحطات الإسرائيلية؛ فيما الأنظمة العربية الراعية لها تواظب على تنجيد كراسي حكامها وملوكها؛ وهي تتفرج بدم بارد على ذبح طائرات الإف 16 لأطفال غزة ونسائها وشيوخها؛ مشهد يمكنه قتل شاعر برهافة القاسم؛ مشهدٌ مفتوح على نازحين جدد ووكالات غوث جديدة، ولفلسطينيين عرب جدد؛ مشهد تعوم فيه الأرض العربية بمخيمات جديدة، وحروب داخلية يتذابح فيها الإخوة، وتقام المتاريس بينهم في القرى والبلدات والمدن والأحياء والأزقة، ولهذا ربما رحل الشاعر في آب كصديقه الذي غاب عنا في التاسع منه عام 2008؛ فبعد ست سنوات يحق للقاسم أن يرى رفيقه هناك في الأبدية البيضاء؛ حيث لا تلفزيونات إسرائيلية ولا أمسيات حروب أهلية ولا جوائز أدبية..

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة