حكاية عشق تونسية

التصنيف: فن وثقافة (:::)
بقلم: زياد جيوسي – فلسطين المحتلة (:::)
ما بين أيلول 1985 ونيسان 2014 مر تسعة وعشرون عاماً على حكاية عشقي لتونس، فزيارتي الأولى والتي جلت فيها تونس العاصمة وسيدي بوسعيد وبلدات باجه وتستور ووادي الزرقا وبعض القرى الصغيرة المتناثرة في المنطقة تركت أثرها في روحي، وخاصة منطقة وادي الزرقا بامتداده وجمال الطبيعة فيه، حتى أن الأيام التي تعايشت فيها مع الطبيعة هناك لم أنسها أبداً وأشرت إليها في مقالات سابقة، فالهواء النقي وعبق النعناع وبوح الياسمين ذاكرة لم أنسها، وجولاتي في تونس العاصمة وتنشق عبق البحر والوقوف بأعلى قمة سيدي بوسعيد زرعت في روحي حكاية عشق عذريّ تونسية، هذه الحكاية العشقية التي جعلتني أزور تونس مرة أخرى عام 1993 لألتقيها بحب كبير، وأتيح لي مرة أخرى في نهاية 2012 أن أعانق تونس وأبوح بعشقي علنا بدون تهيب، حين زرت تونس مدعواً لحضور المؤتمر العلمي العربي للسلامة والأمن في الفضاء السيبراني في دورته الثالثة، وكنت قد شاركت قبلها بعام في دورته الثانية في عمّان عاصمة الأردن، فعبرت عن هذا العشق بسلسلة مقالات عن تلك الزيارة.

(شارع الحبيب)
حين وصلتني الدعوة لحضور المؤتمر بدورته الرابعة والتي عقدت في تونس بعد تعثر عقده في القاهرة كما كان مقرراً بسبب الظروف الأمنية التي كانت تمر بها مصر الحبيبة، وتعثر عقده لنفس الأسباب في بيروت بعد أن تقرر نقل المؤتمر لهناك، كانت تونس هي الواحة التي ضمتنا مرة أخرى بكل الحب والحنان والعطف، لذا سارعت لتذليل بعض العقبات التي كانت تعترض سفري وقدمت لتأشيرة السفر في الممثلية التونسية في رام الله، حالماً أن لا تتأخر التأشيرة حيث أن سفري المباشر مبدئياً كان عبر عمّان في يوم الخميس18 من نيسان، ولكن وصلتني التأشيرة متأخرة مساء الجمعة 19 نيسان، والسبت كنت أعد نفسي للسفر في اليوم التالي وأكمل مهماتي في معرض فلسطين الدولي للكتاب حتى المساء المتأخر، لأغادر على عجل صبيحة الأحد وفي وقت مبكر جداً، فقد أعلن الاحتلال أن المعبر على جسر الملك حسين سيكون مفتوحاً فقط لساعتين بسبب الأعياد لديهم، وبالتالي كان القلق يعتريني حول تمكني من العبور، وخاصة أنني رغم تبكيري وجدت أن رقمي للعبور كان 416 ما زاد القلق ولكني توكلت على الله، متضرعاً له أن أتمكن من المرور لمعانقة تونس المعشوقة مرة أخرى، واستجاب الله لدعائي فوصلت عمّان وإن كنت منهكاً جداً بسبب السفر من جهة والإرهاق في معرض الكتاب من جهة أخرى، فارتحت حتى المساء لأتعشى بعدها عند ابنتي وأداعب حفيدتي الرائعتين سيرين وسيدرا، لأكون في مطار الملكة علياء بعد منتصف الليل، وبعد سفر متعب وطويل عبر تركيا وانتظار في مطار اسطنبول لعدة ساعات كنت أصل مطار قرطاج في تونس، وإن اغتنمت فرصة الفجر للتصوير من الطائرة لاسطنبول ومطارها حتى هبطت بنا الطائرة في مطار قرطاج في تونس،  وأتنسم رغم كل التعب والإرهاق هواء تونس فملأت رئتي عبر شهيق وزفير عدة مرات، لأغادر المطار كي ألتقي المستقبلين لي، فصديقي الدكتور جوهر الجموسي رئيس اللجنة العلمية للمؤتمر كان قد أعلمني أنه ستكون د. سارة في استقبالي حاملة يافطة عليها اسمي، وحين خرجت ونظرت للمستقبلين لم أجد يافطة ورأيت شابة صغيرة تتميز بجمالها، فأشّرت إليها فأتت مع ابتسامة رائعة على شفتيها زادت جمالها جمالاً وسألتها إن كانت هي د. سارة فقالت إنها هالة تلميذتها وصديقتها وقالت لي: بالتأكيد د. زياد؟ فابتسمت قائلاً: أنا زياد بدون ألقاب، وحضرت د.سارة الجميلة والرقيقة فسلمنا على بعضنا بحرارة وتحركنا فوراً باتجاه محطة الحافلات التي تتجه جنوباً، فالوفد كان قد وصل قبلي وضمن البرنامج جولة في صحراء توزر في جنوب تونس، والوفد مع المضيفين التوانسة تحرك من السادسة صباحاً وعلي أن لا أرتاح كي لا يضيع اليوم، والمسافة إلى توزر تحتاج إلى سبعة ساعات في الحافلة، وكان موعد تحرك الحافلة في الحادية عشرة بتوقيت تونس والذي يسبق توقيت فلسطين والأردن بساعتين، ولم يكن معنا من الوقت إلا القليل وإلا سأضطر للانتظار في محطة الحافلات حتى الحافلة التالية بعد ساعتين، وقبل تحرك الحافلة بدقائق كانت هالة باحتراف بالسواقة قد أوصلتنا المحطة، لتقفز د. سارة كالغزال وتحجز التذكرة، وقفزت هالة لترافقني إلى مكان الحافلة، وحين وصلت قالت سارة إنني مرضي أن وصلنا مع النداء الأخير وتمنت لي رحلة غير متعبة بعد كل التعب الذي عانيته، فقلت لهما: الحمد لله وبالتأكيد أن التعب تبخر مع هذه الوجوه الجميلة والابتسامات الرقيقة، فأعطتني سارة شريحة هاتف تونسية مشحونة كي أتواصل معها ومع د. جوهر عبر هذه الساعات التي أتجه بها إلى المجهول وسحر توزر.

(الصحراء في الطريق إلى توزر في الجنوب التونسي)
تحركت الحافلة وما بين نوم وصحو، كنت أصحو وألتقط الصور للطريق والبلدات التي نمر بها من النافذة، وكان المرور في مناطق ساحرة ومتباينة، فبعد مسافات خضراء تمتد على امتداد البصر من حقول الزيتون، بدأت تظهر للعيان المناطق الجافة والجرداء إلا من بعض العواسج، وفي مناطق أخرى بعض من السبخ المائية الصغيرة الحجم ولا أعلم إن تكونت من أمطار مرت من هذه المناطق أم من خلال سيول حملتها إلى هنا، فطبيعة الأرض الجرداء تتناقض مع هذه السبخات، وبعد عدة ساعات لم نتوقف خلالها إلا نصف ساعة للطعام وقضاء الحاجات البيولوجية، بدأت أشجار النخيل تظهر، فهمست لنفسي بعد أن نظرت إلى ساعتي: لا بد أننا الآن على أبواب محافظة توزر فهي منطقة تجاور الصحراء وفيها صحراء وجبال من جانب وشلالات ماء من جانب آخر، وهي منطقة حارة صيفاً، فلا بد أن النخيل إشارة لها لأنه مشهورة بالنخيل وخاصة (دقلة النور) المتميزة بطعمها وحلاوتها، وكان توقعي صحيحا فقد كنا على أبواب توزر.

ما أن وصلت المحطة حتى كنت أتصل بالغالي جوهرة تونس كما لقبته في مقال سابق د. جوهر الجموسي، وأخذت منه اسم الفندق الذي سأنزل فيه، وفورا كنت أصعد بسيارة أجرة لمسافة ليست بالطويلة للفندق، ولم يكن الوفد قد عاد من جولته التي بدأها منذ الوصول، والتي حرمت منها لتأخري بسبب تأشيرة السفر، وفوراً صعدت لغرفتي ووضعت حقيبتي الصغيرة، وأخذت حماماً أنعشني بعد رحلة طويلة من منتصف الليلة الماضية حتى غروب شمس اليوم التالي، ونزلت للقاء الوفد الذي كان قد وصل بعد وصولي بدقائق واستعد للعشاء، فكان لقاء حاراً مع الدكاترة والأساتذة منى جبور الأشقر صاحبة إشراقة الروح التي أوجدت المرصد العربي ومؤتمرات الأيام العربية، والأعزاء والغاليات فاديا سدر وخليل خير الله وفريد جبور وهناء أبو جريش وكنانة رشيد ونديم منصوري وجلهم من لبنان الغالي والأصدقاء جوهر جموسي وبلحسن الزواري الذي كان الداعم الأساس لجهود إطلاق المرصد العربي، بعد أن أطلق فكرة التعاون العربي، وأمين بن خالد وهم من تونس الخضراء إضافة لصديقي د. محمد حبيب رسول من عراق الأنفة والشموخ، وطبعاً فاتني برنامج الجولة مع الوفد من لحظة تحركهم من تونس العاصمة حتى اللقاء بهم.

(مطعم دوّار الحفصي في توزر)
فاتجهنا إلى حفل عشاء تحت الخيام بمطعم دوّار الحفصي مع سهرة فلكلوريّة، حيث الفرق الشعبية أبدعت بالأداء والغناء مع العشاء، فتراوح الأداء بين الصوفي والأناشيد والتراث الشعبي، وصولاً لفقرات من الرقص المعاصر، لنعود في منتصف الليل للنوم استعداداً لجولة الصحراء في اليوم التالي، والتي عشنا بها أجمل مغامرة وجولة، وهذا ما سيكون مدار الحديث في الحلقة التالية من حكاية العشق التونسية.

صباح عماني جميل بعد ساعات السفر والإرهاق من مطار تونس إلى ساعات الانتظار في مطار اسطنبول وصولاً إلى عمان الهوى، لم يخفف الإرهاق وطول ساعات الانتظار إلا انهماكي بكتابة هذا المقال بين مطاري تونس واسطنبول، كنت فرحاً بلقاء زوج ابنتي في مطار الملكة علياء في عمّان والذي أصر على الحضور لاستقبالي، رغم أن موعد وصول الطائرة في الثالثة والنصف صباحاً، فأجلس إلى شرفتي العمّانية أحتسي فنجان القهوة لحظة الوصول وأشعر بروح طيفي الغائب الحاضر يرافقني ويشاركني القهوة، وأستمع لفيروز تشدو وكأنها تهمس لتونس أنشودة الزمان: (أرضنا أنشودة الأزمان سخية الغلال، عميقة الإيمان، أرضنا أنشودة الأزمان للخير والجمال تموج الألحان، مواكب مواكب تنادي على طريق الحق و الجهاد، مواكب تقول يا بلادي أمضى إلى فجر لنا نديان).
فأهمس من النافذة: صباح الخير يا عمّان، صباح الخير يا حلوة.. صباح الخير يا تونس، صباح أجمل لأحبتي ووطني ورام الله العشق والجمال والمنى، التي أشتاق لها إلى درجة الرغبة بالانصهار بها.. وحلم بزيارة أخرى لتونس سيبقى في الذاكرة، فمن يلتقي تونس مرة لا يمتلك أبدا القدرة على الانفكاك من عشقها.

 

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة