دون مصر .. انتم صفر : لا تدفعوا مصر للدخول في معركة خاسرة

التصنيف : كلمة رئيس التحرير (:::)
بقلم : وليد رباح – نيوجرسي (:::)
قد لا تعجب هذه الكلمة الكثير ممن اعماهم التشدد .. وقد تسعد البعض ممن يصفقون دون ان يعرفوا لماذا يصفقون .. قد يشتمون او يوجهون الاتهام يمينا وشمالا دونما فائده .. والشتائم والقول القبيح مردود على صاحبه .. وهو لا يساوي شيئا في عملة الحقائق التي على الارض .. فقد شتمنا اسرائيل لاكثر من ستين عاما ولكنها كانت وما زالت تزداد قوة ..
ولقد انتشرت في الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي والعنتريات الشتائم والكلام الرخيص الذي يمس كرامة مصر وشعبها .. يتذرع الشتامون فيها الى ان مصر لم تدخل معركة من اجل غزه.. ولم تقف موقفا حازما تجاه مايجري في فلسطين . ولوحظ في تلك المواقع ان الشتامين واللعانين هم من فئة سياسية\دينية واحدة .. همها ان تحكم وليس في اجندتها الا ان تخسر مصر المعركة ولا تقوم لها قائمة لاكثر من خمسين سنة قادمه . اذا ما دخلت حربا غير متكافئه .. وقد يقول البعض ان الكاتب انهزامي ومستسلم وربما عميل .. ولكن الحقائق كلها تشير الا ان الكلام الرخيص لا يعطي فائدة تذكر .. وانما فقط .. يؤجج مشاعر الالم في نفوس المشتومين لفترة ومن ثم ينقضي كما تنقضي ايام العمر .. ولا يبقى بعد ذلك الا الحسرة على اناس لا يعرفون حقائق الامور الا قشورها .. ومن القوة غير عضلاتها التي لا تفيد امام البندقيه .. ومن القول الا الردح مع ان رسولهم صلوات الله عليه حض على الالفة والمحبة حتى وان اختلفنا .. ومثلهم مثل اولئك الذين برزوا الينا باسم الاسلام يدفنون الناس احياء ويقتلونهم جملة مرة وتفصيلا اخرى .
واذا ما دخلنا في صلب الموضوع .. فان الدعوة الى ان تدفع مصر بجيشها للدفاع عن غزة او تساعد اهلها باسلوب او آخر حتى وان كان سلميا.. مرهون بالموقف الدولي اولا .. وبالقوة واستجلاب النصر ثانيا .. والقدرة الاقتصادية ثالثا.. وبناء الدولة على اسس سليمة رابعا .. والاستقرار الامني خامسا .. والعلاقة مع الدول الصديقة سادسا .. والتوازن الاستراتيجي  بين جيش وآخر سابعا .. والتوافق المجتمعي ثامنا .. والخداع الاستراتيجي تاسعا كما حدث في حرب 73 .. والذ ي لم يعد قائما بعد طواف الاقمار الصناعية في الفضاء لتخبر عن اي تحرك حتى وان كان نملة تدب على الارض .. مع الاخذ بعين الاعتبار الاولويات في طرح ما طرحنا اذ قد يصبح اولا سابعا .. او ثامنا اولا ..
ولنأخذ مثلا ربما كان بسيطا .. عندما احتل الصهاينة فلسطين هيأوا الاسباب التي دعت لانتصارهم على الجيوش العربية التي دخلت بحجة الدفاع عن فلسطين واهلها .. كان الموقف الدولي معها في الامم المتحده .. وكانت القوة العسكرية اساسا في ذلك الاحتلال .. وكانت خزائن الصهاينة في كل انحاء العالم تصب في ميزانيتها التي لم تقرر بعد .. وكان التوازن العسكري الاستراتيجي بينها وبين الدول العربية مائلا لمصلحتها.. وكان مجتمعها ( وان كان متفرقا في الشتات في ذلك الزمان) متماسكا وقويا بحيث امسك ذلك المجتمع باقتصاد الكثير من الدول التي دعمتها .. ولنتذكر روتشيلد وبلايينه التي كانت تصب لمصلحة اسرائيل التي لم تقم بعد وبامساكه باقتصاد بريطانيا وقتها .. كان الجو مهيئا لذلك الاحتلال واقامة الدولة .. اما نحن العرب .. فما زلنا كما بدأنا سنة 1948 . بل واكثر تفرقا .. وبذا احتل الصهاينة فلسطين وتجذروا فيها نتيجة ضعف العرب وعنترياتهم وعدم تقديرهم للامور حق قدرها . ونحن ( واقصد العرب ) حتى وان كنا متفقين .. لم نزل عند نقطة الصفر في التوافق .. فلا استراتيجية ظاهرة او مخفيه .. ولا تمويلا اقتصاديا .. ولا كسبا للرأي العام العالمي .. ولا اثرياء العرب يجمعون او بعضهم على التمويل .. حتى ولا صداقات مع الدول التي تطلب صداقتنا .. فكل له مصالحه الخاصة التي تنبع في معظمها من المصالح الشخصية الفردية .. وليس مصلحة الدول التي ينتمون اليها .
واذا ما كانت مصر تفتقد لكل تلك الاسباب .. فانها تدرك تماما ان هزيمة فصيل فلسطيني او فصائل فلسطينية يمكن ان تعوض تلك الهزيمة في زمان محدود وقصير .. اما هزيمة دولة مثل مصر .. فانها تحتاج الى نصف قرن من الزمان لاعادة بناء جيشها الكلاسيكي وخسائره نتيجة الحرب .. هذا اضافة الى ان اسرائيل تستطيع تعويض خسائرها ان حدثت باسهل الطرق ودون ان تدفع دولارا واحدا .. ولنتذكر حرب 67 و 73 عندما اقامت امريكا جسرا تسليحيا جويا لمجرد خسارة اسرائيل لبعض الطائرات وعددا من الدبابات يعد بالمئات عندما اقتحم الجيش المصري خط بارليف .. أما مصر فيجب عليها دفع تعويضات السلاح من قوت شعبها .. ولا أحد يمكن ان يمدها بطلقة واحدة بالمجان .. ولنتذكر حرب 73 عندما قامت الحرب وفرغت خزائن مصر .. فقام هواري بومدين بالذهاب شخصيا الى القيادة السوفياتية طالبا تزويد مصر بالسلاح .. فرفضوا الا ان تدفع مصر نقدا .. فقام المرحوم بومدين بتحويل مبلغ مائتا مليون دولار الى الخزينة السوفياتية .. متذكرا وحافظا للمعروف عندما كان جمال عبد الناصر يرفد المقاتلين الجزائريين بالسلاح والعتاد والمال .
وليس العتاد والسلاح هو الاهم في المعركة .. اذ ان القيادة والمحافظة على هدوئها وعقولها وقت الحرب له التأثير الكبير على مجريات المعركه .. وكلنا يعرف كيف كانت القوات الاسرائيلية تنتقي القادة المهمين في الجيش المصري لكي ترديهم قتلى لاحداث الاختلال في امدادات الجيش المصري وخاصة اللوجستيات التي تعتمد المعركة عليها كثيرا .. وكم من قائد مصري لقى مصرعه فاصبح في عداد الشهداء مما أثر تأثيرا فادحا على عمل القوات المقاتلة .
كل هذا اضافة الى نوعية السلاح الذي يعتمده الجيش الاسرائيلي في المعركه .. فامريكا تزود اسرائيل بآخر ما قدمته التكنولوجيا العسكرية من معدات .. وهناك فروقات تعد بالسنين بين التكنولوجيا العسكرية الاسرائيلية والقوات العسكرية المصريه .. وهذا ليس تحبيطا للهمم بقدر الاعتراف صراحة ان السباق التكنولوجي مهما بلغ من التقدم في القوات المصريه .. عاجز عن الوصول الى ما وصلت اليه اسرائيل من تكنولوجيا عسكرية نتيجة التعاون الامريكي الاسرائيلي في هذا المجال .
وتدليلا على استهداف القادة ودورهم في المعركة .. لنعد الى تاريخ الحروب الاسلامية الاولى .. فقد عزل الخليفة عمر بن الخطاب خالدا بن الوليد عندما كانت الحروب دائرة في العراق والشام وفلسطين .. فقد اخفى قائد القوات الاسلامية آنذاك قرار العزل ولم يخبر به خالدا الا بعد ان تحقق النصر للجيش الاسلامي .. ذلك ان خالدا كانت له حظوة لدى المقاتلين ومايحملون له من الحب والعرفان .. وعندما ابلغ خالد بهذا الامر قال قولته المشهوره .. اني لا احارب من اجل عمر .. ولكني احارب في سبيل الله.
واذا ما كنا لسنا في مجال طرح التوازن الاستراتيجي بين جيش وآخر مع اهميته القصوى .. فان مصر بشعبها بل وحتى نظامها لم تنتقص من بطولات فصائل المقاومة الفلسطينية في غزه .. ولكن اعلامها كان يظهر ان حماس ليست وحدها في المعركه .. وانما هناك فصائل اخرى قدمت الكثير مع حماس .. اذ كان التركيز ولم يزل في اجهزة الاعلام الموبوءة بالتطرف على ان حماس قامت بحمل عبء المعركه .. مع ان هذا ليس صحيحا.. فهناك الجهاد الاسلامي وكتائب ابو علي مصطفى والجبهة الشعبية وعناصر عسكرية مدربة تدريبا جيدا من حركة فتح كانت في غزة ولم تزل وقت وقوع الهجوم الاسرائيلي .. وغيرهم الكثير .. وقد اظهر التوافق والتنسيق فيما بينها مدى ما اظهرته المقاومة من قوة وصبر اثناء المعركه .. التي لم تزل قائمه حتى الساعه .
قد نكون طرحنا الكثير حول التوازن الاستراتيجي والقوة العسكرية التي تجبرنا على القول ان دخول مصر المعركة التي لم تستعد لها .. كان يمكن ان يصبح كارثة لا نريدها لمصر ..
اما في المجالات الاخرى التي ذكرناها.. فان عزوفنا عن التعاون مع الدول التي تدعم الجيش الاسرائيلي لا يمنعنا من نتقرب اليها لاحداث الخرق المطلوب .. فعلاقة اسرائيل مع امريكا لا تمنعا من ان نبين للاخيرة مدى التعاون العربي في المجالات الاقتصادية التي تعتبر عصب النظام الامريكي .. وقد يكون في مجالات النفط والاستيراد والتصدير وغير ذلك .. خاصة وان الحرب على غزة قد جعلت الكثير من الفئات الامريكية وخاصة الاعلام الامريكي .. يتجه نحو التفاعل والتعاطف بعد ان رأت اشلاء الضحايا المدنيين تنتشر على ارض غزة بالعشرات والمئات .. والخراب الذي احدثه القصف الاسرائيلي العشوائي لبيوت غزة ومؤسساتها. هناك تغيير نعم .. ولكننا يجب ان نستمر في التواصل مع الشعب الامريكي الذي بدوره يضغط على الادارة الامريكية لتغيير مواقفها .
قد لا اكون محللا استراتيجيا .. ولكن فهمي للامور من الناحية الامنية .. وهي مهمة بالقدر الذي فيه القوات العسكرية .. يجعلني اقرر .. ان حماس ليست كلها فلسطين .. بل جزءا لا يتجزأ من قوتها .. ويجب على مصر ان تدرك تماما ان غزة هي مقدمة للامن القومي المصري .. فاذا ما احتلت او ابيدت فيها القوات لا سمح الله .. فان الطلقة الاسرائيلية يمكن ان تبدأ في غزة .. وتنتهي عند قناة السويس .. اما الخلاف السياسي والفكري بين الاخوان والنظام المصري ..الذي قد ادى ويؤدي الى عدم ضبط الامن المجتمعي ان تصبح مصر مدافعة عن وجودها اولا .. في نفس الوقت الذي تبني فيه قوتها العسكرية الضاغطة مستقبلا .. فان ذلك الخلاف اذا ما انتهى سوف تصبح مصر قوية منيعة يمكن ان تتحكم في الامور .. ولا يهمني في ذلك من يربح ومن يخسر .. المهم ان يتحقق الامن في مصر لتبدأ مرحلة التعبئة الجاده .. واني لادرك ان وصول الحالة بين مصر واسرائيل الى التوازن الاستراتيجي ليس بعيدا .. فان مصر مع كل ما قدمته في سبيل فلسطين .. لن تبخل بان تقدم الكثير ايضا . لانها تدرك ان فلسطين بعدا للامن القومي المصري .. ولا يغرنك الاعلام المصري الذي عاد الى الشتيمة والسباب ان يصبح معتدلا مع السنوات القادمه .. فهو اعلام موجه فيه الكثير من المتعاطفين والناقمين على حد سواء .
ان استقرار مصر مقدمة لنهوضها.. وانني لادرك ان الشعب المصري بكل مكوناته يعرف هذه الحقيقة.. لذا فانني من هذا المنطلق .. اعرف تماما انه لا قوة دون آمن .. ولا أمن دون توافق مجتمعي .. واني لادعو النظام المصري ان لايسقط من حسابه اكثر من خمسة ملايين مصري ينتمون الى جماعة الاخوان المسلمين .. فاذا ما اضيفت تلك القوة الى المجتمع المصري دون اضطهادها.. فانها ستقدم الكثير لمصر .. فالتحاور والتقارب بينهما هام جدا .. اما من يحللون ويقولون بان حماس في غزه.. تخطط لاقامة امارة اسلامية بالتعاون مع تركيا وقطر .. فانها محض افتراء .. فليس من المعقول ان تنشأ امارة ضعيفة بين قوتين عسكريتين كبيرتين هما مصر واسرائيل .. يمكن ان تخنقاها معا اذا ما ارادتا ذلك ..
واخيرا .. فان الاسرائيليين يريدون ابعاد مصر عن المعركه .. والمصريون يريدون ذلك ايضا في هذه المرحله .. فمصر ليست مستعدة لمعركة تنهك فيه اكثر .. الاولوية الان لبناء مصر .. وعندما تبنى اقتصاديا ومجتمعيا .. فان الامم ايا كانت .. سوف ترهبها وتقف معها .. ويبدأ التخلي عن اسرائيل التي تأخذ كل شىء ولا تعطي شيئا ..
انها مصالح الدول .. فلن تدخل امة معركة دون ان تحسب الربح والخساره .. والا فنحن ندس رؤوسنا في الرمال ..
ومع اني لست مصريا .. فاني اعول على مصر اولا .. ذلك انها القوة التي ان نهضت سوف ينهض معها العرب جميعا .. واذا ماسقطت( لا سمح الله) سوف نعود سيرتنا الاولى .. ولا يستبعد  ان نستخدم في مواصلاتنا البعران .. ونعود الى حبة التمر والحليب .. ونحن لا نريد الا ان نكون امة قوية ومنيعة نهديها للاجيال القادمه .. دون ان تلعننا .
[email protected]
www.arabvoice.com

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة