المسرح الفلسطيني وتداعيات النكبة والمعاناة الفلسطينية (1)

التصنيف : دراسات (:::)
بقلم : د. كمال أحمد غنيم – غزة – فلسطين المحتلة (:::)
اتجه بعض الكتاب إلى معالجة صور المعاناة التي تلقتها عائلات المشاركين في الثورة ضد الانتداب ومحاولات التهويد، ومن ذلك مسرحية “مأساة عائلات الشهداء والمجاهدين” لسعيد شقير التي دارت حول حكاية مجموعة من المجاهدين تنادوا لمحاربة الأعداء عام 1937، وكيف استقبلتهم القرى بكل ترحاب وساعدتهم بالمال لشراء الأسلحة، وكيف كان الجيش البريطاني يحضر حيث الشهداء للتعرف عليهم، ثم يصور في مشاهد أخرى انعكاس المأساة على أهل الشهداء حيث يموت الشيخ الكبير والد الشهيد وتموت زوجة الشهيد حزنا عليه، ثم يصور سوء الحال الذي صارت عليه حالة عائلات المجاهدين الشهداء والأسرى، ثم يصور كيف عانى المجاهدون المغتربون وفضلوا العودة للوطن والموت على أرضه، ثم يخرج السجين علي مطالبا بتصوير الحالة المأساوية لعائلات الشهداء، محملا المسئولية للقيادات المحلية والعربية في أمل أن لا ينعكس هذا التصوير على رغبة الشباب في الجهاد، من خلال خوفهم من المصير الأسود، الذي قد يصيب عائلاتهم كما أصاب عائلات إخوانهم الشهداء والأسرى( )، ومن الجدير بالذكر هنا أن صرخة شقير وجدت صدى لها؛ نراه اليوم ماثلا في الرعاية الخاصة التي تحظى بها تلك العائلات.

وكتب برهان الدين العبوشي عام 1947 مسرحية “وطن الشهيد” التي رمى من خلالها إلى إثبات الثناء على كل من ضحى من أجل الوطن، وخصوصا شباب الريف، والشهداء، وبين كيف أخل أهل الغرب بوعدهم، ومحاولات اليهود القائمة على الخداع واللؤم، مبرزا جوانب التقصير عند العرب، ففي الوقت الذي يجمع فيه اليهود المال للاستيلاء على فلسطين، تتفرق جهود العرب، وتبقى الأموال بعيدة عن هذا الهدف، وتنفق بطريقة لاهية تصل عبرها إلى أيدي اليهود، ويشير الشاعر إلى جهود الأمة العربية ورغبتها في الوقوف أمام المؤامرة، زمن كتابة النص، وتبدأ المسرحية بالشريف حسين وأولاده، وثورتهم على الأتراك رغبة في الحرية، وتحالفهم مع العرب على أساس المحافظة على القدس، ومشاركتهم في المعركة إلى جانب الحلفاء بناء على ذلك.

وفي الفصل الثاني يبرز تخطيط اليهود للسيطرة على فلسطين من خلال اجتماع قادتهم، وحصولهم على الوعد وجمعهم المال إعدادا للمعركة وشراء للأراضي، كما يصور الشاعر دور الفتيات اليهوديات، ويبرز الشاعر كضمير حي في المنظر الأخير لينقذ الراعي من السقوط في المؤامرة، وفي الفصل الثالث يبرز الكاتب نجاح اليهود في شراء بعض الأراضي، وكيف ساعدهم “سرسق” وغيره من السماسرة مثل “سقيم”، ويبرز أثر بيع الأراضي على “منكود” وخطر البيع الذي أوشك أن يهدد “خليل” لولا إنقاذ الشباب له، كما يشير إلى طرق التلاعب والتزوير في الاستيلاء على الأراضي التي لا يخضع أصحابها للترغيب أو الترهيب، من خلال قضية حليمة وتزوير شخصيتها للتوقيع على صك البيع.

وفي الفصل الرابع يمتلئ رجال الثورة حماسا، فيقررون مهاجمة اليهود والإنجليز، وفي المنظر الرابع من الفصل نراهم أسرى، ولكن معنوياتهم على الرغم من التعذيب عالية، وفي الفصل الخامس يقوم الثوار بعملية أسر لمجموعة من اليهود كرهائن، لكن الإنجليز يحاصرون الموقع، ويفشلون العملية، ويبرز الكاتب في المنظر الثالث جهود العرب وفي المنظر الأخير جهود المفتي أمين الحسيني وعزم الرجال على المواصلة والاستمرار في الجهاد( ).

وكتب محيى الدين الحاج عيسى الصفدي مسرحية “أسرة شهيد”، صور فيها حالة أسرة شهيد سقط على أرض الوطن، وما لاقته أسرته من آلام وتشريد، يُعدّ نموذجا لما حل بالشعب الفلسطيني خلال هجرته وتفرقه في مختلف البلاد العربية وغيرها، وكيف أصبح أبناؤه جنودا في جيش التحرير( ).

ونشرت مجلة الجديد عام 1962 مسرحية “قدر الدنيا” لكاتب مجهول وقّع باسم “جهينة” المستعار، صور معاناة أسرة فلسطينية، وكشف عن المفارقات الصعبة في معادلة الحياة اليومية من خلال حادث عودة الشاب حسن من لبنان، متسللا إلى بيته الذي يقع في قرية من قرى شمال فلسطين، وعندما يصل البيت يقع الأهل في حيرة، ويتشاورون في قضية بطاقة الهوية دون نتيجة، لكن الابن الأكبر حسين يعدهم بالحصول على الهوية، في مقابل عمل الأخ الأصغر عادل مخبرا عن أصحابه المناضلين، فيرفض الوالد هذه المساومة، وتداهم قوات الاحتلال في تلك اللحظة البيت بغرض اعتقال عادل بسبب نشاطه، فيختبئ حسين في الحمام خوفا من مواجهة أسياده، بينما يتسلل حسن من البيت راغبا في العودة إلى لبنان، ليعود من هناك بهوية حقيقية، ويقبل ولده وهو يبكي، فيدخل ابنه ليبلغ والدته وجدته بوداع حسن وبكائه، فتخرج الأم والزوجة وهما تناديان عليه( ).

وجسّد عبد اللطيف عقل معاناة الشعب الفلسطيني منذ النكبة الأولى من خلال واقع أسرة فلسطينية تشتت أبناؤها كل في بلد وموقع، وذلك في مسرحية “تشريقة بني مازن”، ويبعث اسم العائلة “بنو مازن” في المتلقي آثارا باقية من عزتها، التي تُضرب بها الأمثال، فالشاعر العربي القديم “قريط بن أنيف” يقول:

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي
بنو اللقيطة من ذهل بن شيبان

وأفراد العائلة رموز واضحة لمفردات القضية الفلسطينية، فأم مازن هي الحاجة سلمى المازنية المشلولة شللا نصفيا منذ حادثة الأرض الغربية، وهي فلسطين الأم التي اُحتل نصفها الأول عام 1948، الرافضة لكل أشكال النسيان للواقع المر، وأبو مازن شيخ قبائل آل مازن وعميدها، يرفض الهجرة وترك الوطن مهما كان الثمن، لكنه يضطر إلى السفر المؤقت مع ابنته “خسارة”، حتى يوصلها إلى المطار لتسافر إلى زوجها في أمريكا، حفاظا على الشرف والمروءة، فكيف تسافر “خسارة” وحدها، لكنه يواجه المرارة في التعامل السيئ، والتنكر له في بلاد الأخوة، فلا يجد مكانا يبيت فيه ليلته، في بلاد العرب وديار الكرم، ويموت على درج محطة الشرطة.

وينتشر الخبر فيجتمع أولاده حتى يُعيدوا الجثة إلى الوطن، لكن الجثة تسافر من بلد عربي إلى آخر، من خلال انتقالها عبر البلاد الأوروبية المختلفة، وتفشل كل الجهود والمبادرات العربية والغربية للسماح بجثة الفلسطيني أبو مازن بالعودة إلى الوطن والدفن في مقبرته، وينكشف اجتماع الأخوة عن مأساة الشعب الممزق، المبعد برغبة بعض أبنائه أحيانا ورغبات الآخرين في معظم الأحيان عن معالجة القضية، فمازن المازني الابن الأكبر منغمس في الحياة المصرية، متزوج من امرأة مصرية من شارع الهرم، يطمح إلى الانخراط في عالم الفن والتمثيل، وعمر المازني تزوج من امرأة ثانية في بلد عربي منغمس في افتتاح المحلات التجارية وتبديل العملات، وأحمد المازني مغامر، وقع في حب امرأة بيروتية مجربة، كانت تعمل راقصة لرجال الأعمال العرب، وموظفي السفارات والمارينز، ثم علمها الرقص بالسيف، و ما إن مهرت الفن على يديه حتى جربت فيه مهارتها ولفظته، أما محمود المازني فهو مغترب في الخليج، منغمس في العمل بشركات النفط، ومواظب على إرسال مبلغ من المال لوالديه، يبرر الأحداث والأشياء بما يناسب مصالحه الشخصية، وأما داود المازني فهو مغترب في أمريكا، غير اسمه إلى ديفيد، واسم ابنه من جهاد إلى جون بعد حصوله على البطاقة الخضراء من أمريكا، وأما عبد الغني المازني فهو مقاول نقل كل نشاطه إلى المشاريق، وأبقى على شيء من نشاطه الشكلي في الوطن، في صورة اتصال ضعيف، و “خسارة المازني” هي بنت أبي مازن الوحيدة، تزوجت في المشاريق، سافر معها والدها سفره الأخير، ولم تستطع الحضور للمشاركة في جنازة أبيها، لأنه ليس من السهل على زوجها أن يتخلى عن الرحلة إلى ميامي في إجازته، أما وديع وشريف فهما شهيدان قُتلا في ظروف مشبوهة، وعادل المازني قُتل وهو يحاول الإصلاح بين أبناء عمومته، وأما فكري المازني، فهو المثقف الواعي، المكتفي بدور الضمير النابض للأسرة أو الشعب، لا يغادر طاولة كتبه وصحفه، يحلل الأمور بدقة، ويكشف الحقائق بروح تهكمية عازف عن الزواج، رافض للهجرة من الوطن بشكل إرادي.

ومن الواضح أن الكاتب قد استوفى معظم حالات الإنسان الفلسطيني والعربي، ذلك أن كل ابن من هؤلاء يعبر عن توجه من التوجهات، ويشير إلى طبيعة البلد العربي الذي يعيش فيه كل منهم، وكيفية تصرفه تجاه قضية العرب المحورية، لكنه لا يغلق دائرة القتامة، بل يترك الأمل معلقا من خلال “عودة” الابن الأصغر، الذي رفض منذ البداية مع أخيه “فكري” زواج “خسارة”، الغائب الحاضر، وغيابه هو الأمل في ظهوره مع النصر، وظهوره دون ذلك يعني موته، لأن من ظهر في الصورة القاتمة السابقة يشكل في الغالب جانبا من جوانب السلبية العربية والفلسطينية في مواجهة المشكلة، واختفاء “عودة” الظاهر يعبر عن مأساوية الواقع العربي والفلسطيني، الذي قد يحكم عليه بالموت إذا ما ظهر قبل النضج، ويأخذ “عودة” بعدا أسطوريا، ليعبر عن الإرادة العربية، إذ إن أصحابه الذين يحملون اسمه وملامحه رجالا ونساء وشبابا وأطفالا تعتقلهم السجون العربية، مما يعني أن عودة ليس شخصا بقدر ما هو أمة بكاملها، لا يعرفه المنغمسون في ملذاتهم وأهوائهم، بل يعرفه البسطاء، مثل عامل النظافة الذي كان الصدر الدافئ الوحيد الذي تعرّف على “أبو مازن” في غربته داخل وطنه العربي( ).

ويصور توفيق المبيض معاناة الأسرة الفلسطينية في مسرحية “الألوان تحيا من جديد”، لتبرز من خلال غلافها الشفاف معاناة الشعب الفلسطيني بأكمله، فالأم “فايزة” وابنتها “نصرة” تمثلان فلسطين الفائزة والمنصورة -بإذن الله- مهما ادلهمت الخطوب، والعم “تايه” هو رمز للدول العربية البعيدة عن الإحساس بألم الفلسطينيين ومعاناتهم، يستجيب لهم، ويقف معهم إذا أصابته نار الحرب وألمها من “أبو داود”، الذي لا تفرّق ناره بين مناضل ومحايد، أو حتى داعم لباطله، يستغل غياب الرجال -أولاد فايزة- ليعقد صداقة مع “أبو داود” ومناصريه “حربي” الولايات المتحدة، و”سالم” الاتحاد السوفيتي، يحقق من خلالها بعض المصالح والمنافع.

ويعود الأبناء، رمضان “الأزهري”، الذي يصوره الكاتب بالمعتمد على الدعاء والاتجاه لرحاب الله في البداية قبل التوجه لانتزاع الأرض وتحريرها من “أبو داود”، وخالد “المهندس المعماري” الذي يريد الانطلاق على الفور لاستعادة الأرض حتى لو كان الأمر يتطلب معاونة الجار “سالم” بما عنده من إمكانات توازي إمكانات “حربي” النصير الأول لأبي داود، أما ثابت فيقف في المنتصف بين الطريقين بلا موقف ولا رأي بانتظار النتائج، والاكتفاء بانتقاد خالد ورمضان.

وتتطور الأحداث باعتداء “أبو داود” على بيت “تايه” وسلب أرضه وقتل ابنه، بينما يحكم “الشيخ عادل” الذي يرمز للموقف العالمي المتواطئ بالرجوع إلى الحدود السابقة، وإرجاع ما أخذه أبو داود من تايه في ضربته الأخيرة، ويدعو بعض المحايدين إلى تنازل الطرفين قليلا، وتبقى وصية الأب الشهيد بضرورة استعادة البيت والأرض بكاملها ماثلة أمام الجميع، لكنهم يحتارون في الطريقة التي يسلكونها، وإن كان الرأي عندهم عدم التنازل عن الوصية، ويختار الأبناء طريق المواجهة، لكن المعركة تشتد والخسائر تكبر، ليبقى السؤال معلقا في نهاية المسرحية عن ماهية الطريق نحو تحقيق الهدف( ).

للبحث صلة ……………..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة