( بيع) المسيحيين في سوق المزايدات السياسية

التصنيف : الجريمه (:::)
منير درويش – سوريا (:::)
ما جرى في الموصل من تهجير قسري للمسيحيين ،  ، ليس إلا استمراراً لما جرى  ويجري في سورية خلال السنوات الثلاثة الماضية وما قد يجري في مناطق  وفئات أخرى  لم تعد بعيدة عن مثل هذه الأحداث .  في سورية   حيث تعرض المسيحيون فيها على يد القوى المتطرفة  لحملة  اضطهاد أدت إلى تهجير عدد كبير منهم بعد عمليات الخطف التي كان أبرزها خطف المطرانين بولس اليازجي ويوحنا إبراهيم ثم الأب باولو و مصيرهم  لا زال مجهول  حتى اليوم ، وقتل الخوري من قطنا ( فادي حداد ) وهو يسلم خاطفي أحد الأفراد فدية كانوا قد فرضوها . وتصاعدت هذه الأعمال بخطف عدد من الشباب والطلاب بعد إنزالهم من الحافلات على الطرق من قبل حواجز وهمية واختفت آثارهم رغم أن بعضهم دفع الفدية المفروضة لكنهم لم يعودوا لأهلهم  وغيرها من  أعمال . ثم جاءت عمليات التهجير الجماعي من حمص مع من هجر من أهلها , ومن  الرقة بعد سيطرة داعش عليها ، ودير الزور ويبرود ومعلولا التي هجر أهلها وخطفت راهباتها وتم تخريب الكنائس والأديرة ونهبت محتوياتها  أمام أنظار العالم الذي لم يتأخر عن  تقديم العون لمسلمي البوسنة و كوسوفو وزبرنيتشا ضد سكان الصرب والجبل الأسود بعد ما سمي حملة التطهير العرقي وخيراً فعل لأن أحداً لا يقبل بالظلم  . هذا العالم لم يقدم للمسيحيين وغيرهم من الفئات التي تتعرض للاضطهاد الآن  سوى التمنيات والدعوة للصمود والصبر والتشبث بالأرض تلك الشعارات التي لا تغني ولا تسمن لمن يتعرض للتهديد  بالقتل والتهجير  .
على خلفية التهجير القسري للمسيحيين من الموصل أعلن وزيري الخارجية والداخلية الفرنسيين عن استعداد فرنسا لقبول المهجرين المسيحيين من الموصل كلاجئين على أراضيها ، لكن رئيس الجمهورية فرانسوا هولاند سارع بالدعوة  لحماية المسيحيين في الشرق دون أن  يعلن كيف ستتم هذه الحماية وهو يعلم أن حكومات الدول في هذه المنطقة عاجزة عن حماية نفسها  فكيف بمواطنيها   ؟ علماً أنه كان لفرنسا تجربة في هذا المجال من خلال الاتفاق الذي جرى  في القرن السادس عشر  بين فرانسوا الأول والباب العالي العثماني حول حماية المسيحيين إذ عبر الأول بان الحماية يجب أن تتم على أراضيهم وديارهم وليس بتهجيرهم لفرنسا وهذا هو موقف أغلبية اليمين الفرنسي والغربي الذي أعلن رداً على دعوة الوزيرين الفرنسيين ” بان فرنسا ليست ملجأ للهاربين من بلدانهم ”  بالطبع نحن لسنا مع هجرة المسيحيين وكنا قد شكلنا سابقاً لجنة عملت لمواجهة هذه الهجرة  . لكن  الخبر الفرنسي ليس إلا جزءً من مزايدات السياسة الغربية المأزومة تجاه هذه القضايا وهي تعاني تراجعاً شعبياً في بلادها . ولا يمثل أي موقف عملي لحماية فئات تتعرض للاضطهاد على يد مجموعات متطرفة تعمل وفق فتاوى ظلامية أيما كان مصدرها ومصداقيتها الفكرية والتاريخية  وأصبحت تشكل واقعاً عملياً على الأرض . ولأن القوى المسلحة الفاعلة كانت تعترف دوماً بفعلتها وتتباهى بانتصاراتها فيها فإن الآخرين بتبنيهم نظرية المؤامرة وعجزهم عن توجيه الاتهام المباشر للفاعلين في محاولة إما لكسب ودهم أو لتجنب شرهم راحوا يكيلون التهم على النظام الذي يعجز عن حماية نفسه حتى يحمي غيره أو على أفراد غير  مسؤولين عن أعمالهم غايتهم النهب والسرقة  في محاولة للتهرب من المسؤولية عن إدانة هذه الأعمال ومواجهتها أو إطلاق حملة سياسية على الأقل ضدها .
لقد شارك كثير من المسيحيين في المظاهرات السلمية  المطالبة بالحرية والديمقراطية والعيش الكريم  شأنهم  شأن بقية المواطنين المشاركين فيها لكنهم مع تصاعد العنف وانكفاء الاحتجاجات السلمية انكفأ المسيحيون معها ولم يشاركوا بأي عمل من الأعمال المسلحة كما لم يقوموا بتشكيل ميليشيات مسلحة لهم لحماية أنفسهم كما فعل غيرهم ، ( وخيراً فعلوا بالطبع ) أما مواقفهم السياسية سواء المؤيدة  للنظام أو المعارضة له فلم تخرج عن الآراء العامة السلمية الداعية  للحل السياسي  بل أن اغلبها بقي في إطار الصمت والتمني بالحل  ( هذا ما جرى في الموصل أيضا حيث لا يوجد أي دليل على وقوف  أسرة مسيحية  واحدة في مساندة جيش السلطة  أو  داعش والقوى التي هاجمت الموصل وغيرها من المدن العراقية  )  أما إذا كان هناك أفراد فإن نسبتهم لا تذكر قياساً بنسبة الأفراد من كل الفئات  سواء المؤيدة للنظام أم المعارضة والتي تفوق بعشرات المرات نسبة المسيحيين في هذه المعركة . أما على صعيد  التجييش المذهبي والطائفي فأغلب المسيحيين في هذه  البلدين  محايدون في هذا المجال و غير معنيين بمثل هذه الصراعات خاصة وأنهم لا يسعون لطلب السلطة أو المكانة السياسية   ويرفضوا أن يكونوا إلا كمواطنين في بلدانهم  يعملون لصالح وطنهم ويدافعون عنه . إن حياديتهم في مجال الصراعات والنزاعات المذهبية والطائفية كانت ضرورية ومهيأة  لتجعلهم   طرفاً وسيطاً في هذه الصراعات  التي أدخلت البلاد في أتون حرب لا يعرف لها نهاية ، بل ربما كانت هذه الحيادية  أحد الأسباب التي  دفعت بالذين لهم مصلحة في هذه الصراعات لإبعادهم  حتى لا يلعبوا هذا الدور .  الشعب السوري طله يعاني الاضطهاد والعنف لكن بخلاف كل ما يقال  ورغم هذه الحقيقة فإن المسيحيون يهجرون من منطق  سورية وعراقية  و الذي يقوم بتهجيرهم المسيحيين  هي ( داعش وأخواتها ) ومن منطلق ديني بحت وهذا ينطبق على الفئات الأخرى التي تعرضت أو قد تتعرض لهذا التهجير  و لا تدين بالولاء الطائفي لهذه الفئات ( الآن تجري حملة لتهجير اليزيدين من منطقة سنجار شمال العراق  بعد سيطرة داعش عليها تحت نفس الدعوة وكان في وقت سابق قد قتل من الصابئة أكثر من 400 نسمة على يد قوى متطرفة هاجمت قراهم في شمال العراق أيضاً ) . وبالتالي فلا النظام في سورية ولا في العراق  ولا كل القوى العالمية مسؤولة عن هذه الأفعال  حتى لو كانت وراء  تشكيل (  داعش وأخواتها  ) إذ أن أمريكا ساهمت في إنشاء طالبان في أفغانستان لمحاربة السوفييت فانقلبت عليها .وكل من يعتقد غير ذلك يتهرب من المسؤولية السياسية في إدانة الفاعلين ويشجعهم على المزيد  . لا شك أن قوى عدة ساهمت في التجييش الطائفي والمذهبي لكن الفاعل الحقيقي هو الذي استند في أفعاله للعقيدة والشريعة المدعومة بفتاوي موصوفة وأعمال واضحة لا تخجل من الإعلان عنها  أو تتستر عليها لكن هذا التجييش اختلط على المثقفين والسياسيين الذين أخذ بعضهم يروج للجزية كسبيل للسلامة  بشروط تخفيفية وفق التجربة التاريخية التي أتت بها .
إن القوى التي تهدد بتهجير المسيحيين وسعت وجودها وأصبحت  على أطراف بعض المدن السورية مما دفع سكانها للقيام بعملية استباقية للهرب من بيوتهم بحثاً عن ملاذ آمن غير آبهين للدعوات القيمية حول الوطن والمواطنة وضرورة الصمود والصبر والتشبث بالأرض  وهم يخسرون كل شيء خاصة  بعد أن تجرأ بعض ضعاف النفوس وتجار الحروب الاستفادة من الظروف الراهنة وطرح شعار ( الأرض مقابل السلام ) مطالبين المسيحيين في بعض القرى  بالتخلي عن أراضيهم مقابل سلامتهم وإلا تعرضوا لما تعرض له مسيحيو الموصل .
لا احد يستطيع أن يقنع من هدد بالقتل وهجر قسراً وفقد كل شيء بالصمود والصبر وبالدعوات للمواطنة من المنابر الفخمة وهياكل الكنائس أو مآذن الجوامع أو من قبل أشخاص لا يخضعون لأية ضغوط وأغلبهم إما أنه يعيش في الخارج  أو يحمل جنسيته ، إن هذه الدعوات القيمية الأخلاقوية لا معنى لها  إذا لم تتخذ إجراءات صارمة لحماية المسيحيين بإطلاق حملة شعبية في الداخل يساهم فيها المواطنون من جميع الفئات والمؤسسات الدينية ومنظمات المجتمع الأهلي والمدني وزعماء العشائر في المناطق التي يتعرض فيها المسيحيون وغيرهم من الفئات التي لن تكون بمأمن  عن هذا الخطر إذا ما نجح المخطط ضد المسيحيين ، كذلك إطلاق حملة عربية وعالمية لوضع خطة صارمة تعمل على حماية المسيحيين في أراضيهم فعلياً وتقديم العون المادي والسياسي الذي يجعلهم يصمدون في هذه المعركة  حتى لا يصبحوا مشردين في العالم .  إن الذين يتعرضون للتهجير يسعون  الآن لحماية أنفسهم وأولادهم ويبحثون عن مكان آمن ولا يهمهم إن تعرضت المنطقة  التي عجزت عن حمايتهم  للهزات الطائفية أو المذهبية  بعد أن يصبحوا  وقودها  … أعطهم وطناً أمناً كي يبقوا فيه ويعيشوا كمواطنين  ولن يفكروا بالهجرة  .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة