تحرير القدس واجب وطني وقومي وديني وإنساني

التصنيف : دراسات (:::)
د.غازي حسين – فلسطين المحتلة (:::)
بدت القدس المحتلة في أول جمعة من شهر رمضان المبارك مدينة عربية تستقبل مواطنيها من جميع القرى والمدن الفلسطينية ومنها أم الفحم والناصرة وعكا وحيفا ويافا واللد والرملة ونابلس ورام الله وغيرها، وزجت دولة الاحتلال عدة آلاف من الشرطة وحرس الحدود والقوات الخاصة لتقييد وتحديد حركة المواطنين الفلسطينيين والتحكم بأعداد المصلين في المسجد الأقصى المبارك، وأغلقوا العديد من الشوارع والطرقات الرئيسية، ونشروا المئات من جنود الاحتلال على الحواجز والمعابر العسكرية حول القدس من جهة رام الله وبيت لحم.
وعلى الرغم من وحشية قوات الاحتلال وانتهاكها للحقوق الدينية للمسلمين بلغ عدد المصلين في المسجد الأقصى المبارك حوالي مئة ألف أقاموا الصلاة في المصليات الأربعة، وذلك للمكانة التي يحتلها المسجد الأقصى في قلوبهم وعقولهم ومشاعرهم الدينية والتاريخية والوطنية والقومية.
فللقدس مكانة عظيمة في التاريخ العربي الإسلامي والمسيحي لارتباط المسجد الأقصى المبارك بأحداث عظيمة في فجر الإسلام، وصلاة النبي محمد (صلعم) في ليلة الإسراء ومعراجه إلى السموات العلى، وكانت قبلة المسلمين الأولى، وزارها الخليفة عمر بن الخطاب، ووقع على العهدة العمرية التي تضمنت بألا يسكن اليهود في المدينة العربية بناء على طلب بطريرك القدس صفرونيوص، وارتبط المسجد الأقصى بالقيم الروحية والدينية لدى المسلمين، وقال النبي (صلعم): «لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام بمكة والمسجد الأقصى بالقدس»، وتزداد أهميتها للعرب لوجود كنيسة القيامة وطريق الآلام في البلدة القديمة.
بارك الله وعظم المسجد الأقصى في «القرآن الكريم» بقوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله}، وعندما سئل النبي عن المسجد الأقصى قال: “ائتوه فصلّوا فيه فإن لم تقدروا فابعثوا بزيت يسرج في جنباته” ، مما يؤكد مكانة المسجد الأقصى في نفوس المسلمين. وحافظ المسلمون على المقدسات في المدينة المقدسة، لأنهم يقدسون ما عظَّمه الله بخلاف اليهود الذين يعملون ليل نهار علىتدمير المقدسات العربية الإسلامية والمسيحية وتهويدها ونزع وجهها الحضاري العربي والإسلامي.
فالبركة الروحية والدينية في المسجد الأقصى وحوله وحول القدس وأكناف القدس مغروسة في قلوب المسلمين في كل زمان ومكان، فما من مكان فيه إلاّ وصلى فيه أو مشى عليه أحد الصحابة أو شهيد من الشهداء، وما من بقعة في الحرم الشريف إلاّ ودُفن فيها العديد من الأولياء والعلماء.
لذلك قام المسلمون في جميع العهود على حراسته والدفاع عنه وتحريره من حكم الفرنجة الذين جاؤوا من أوروبا على يد صلاح الدين الأيوبي، وحموه من هجمات المغول، وساهمت الأمة بأسرها في المحافظة عليه والدفاع عنه وصيانته، فإذا ضاعت القدس والمسجد الأقصى ضاعت كرامة وحقوق الأمتين العربية والإسلامية، وضاعت الحقوق الدينية والتاريخية والقانونية للعرب من مسلمين ومسيحيين والمسلمين في جميع أنحاء العالم. في بيت المقدس.
فالشرائع السماوية والقوانين الوضعية تجبرنا بالحفاظ على المسجد الاقصى. لأن الله أمر بالدفاع عنه والحفاظ عليه، وخوّلنا برعايته والمحافظة على هويته العربية والإسلامية، لذلك لا يجوز لقيادة عباس وسلام فياض التفريط  به والسكوت عما تقوم به سلطات الاحتلال من مصادرة وتدمير وتهويد، لما للقدس من مكانة عظيمة في نفوس أبناء الأمة، فقضية المسجد الأقصى والقدس قضية الأمة وليست قضية ومسؤولية الشعب الفلسطيني والقيادة الفلسطينية وحده كما أفتى أحد شيوخ السلاطين مؤخراً.
ولا بد من الصحوة من السبات العميق الذي يغط فيه بعض الحكام العرب والعمل من أجل إنقاذ المسجد الأقصى والقدس، وتذكيرهم بالخطر الحقيقي الداهم الذي يحيق بالمسجد المبارك وبالمدينة العربية. بشطريها المحتلين
لقد احتلت «إسرائيل» في اليوم الثالث لحرب حزيران العدوانية أي في السابع من حزيران 1967 الشطر الشرقي لمدينة القدس العربية، وبنفس اليوم دخل مجرم الحرب موشي ديان إلى القدس وأعلن أمام حائط البراق كعادة اليهود في الكذب والأطماع المادية قائلاً: «لقد أعدنا توحيد المدينة المقدسة، وعدنا إلى أكثر أماكننا قدسية، عدنا ولن نبارحها إلى الأبد».
أصدرت حكومة الاحتلال وبلدية القدس المحتلة مجموعة من الإجراءات والقوانين قررت فيها سريان القوانين الإسرائيلية على الشطر الشرقي المحتل وألحقتها بصلاحيات بلدية القدس الغربية المحتلة عام 1948.
وبدأت بالمصادرة والتدمير وبالحفر والتنقيب تحت المسجد الأقصى وحوله منذ الأيام الأولى للاحتلال.
وفي الخامس عشر من آب 1967، أي بعد احتلال الشطر الشرقي بشهرين، وفي الذكرى الأولى لخراب الهيكل المزعوم، دخل حاخام الجيش الإسرائيلي شلومو غورين، وحاخامات الهيئة الحاخامية العليا إلى ساحة المسجد الأقصى، من باب المغاربة، وحمل الحاخامات معهم بوقاً وخزانة ومنصة متحركة وأقاموا الصلاة في ساحة الحرم.
ولد استفزاز واعتداء الحاخامات على حرمة المسجد الأقصى احتجاجات فلسطينية وإسلامية قوية، وتصاعدت حدة التوتر في المدينة العربية المحتلة.
وكانت إقامة الصلاة اليهودية في ساحة المسجد الأقصى تنتهك القرار الذي اتخذه وزير الحرب ديان بعد أسبوع من احتلال المدينة المقدسة والذي قرر فيه السماح لليهود بزيارة الحرم ولكن من دون الصلاة فيه.
وحفاظاً على حرمة ساحة المسجد الأقصى من التدنيس والانتهاكات والاعتداءات اليهودية قام المسؤولون في هيئة الأوقات الإسلامية بإغلاق بوابة المغاربة.
احتل حاخامات الهيئة الحاخامية العليا بناية أبو السعود المجاورة لبوابة المغاربة وحولوها إلى مكاتب لموظفيها، وحوّلها وزير الحرب إلى موقع دائم للشرطة العسكرية الإسرائيلية واتخذت الحكومة الإسرائيلية في آب 1967 قراراً قررت فيه السيطرة على بوابة المغاربة.
وطالب وزير الأديان فارهفتج من مدير الأوقاف طهبوب بإعطائه المفاتيح. رفض المجلس الإسلامي الأعلى سيطرة اليهود على البوابة وأعلن موقفه في بيان جاء فيه أن: «الحرم الشريف هو مكان مقدس للمسلمين، وأنه لا يوجد حق لأي طرف عليه، من حق الحكم (الاحتلال) الإسرائيلي مراقبة الأمن في الموقع ولكن ليس السيطرة عليه» وأوضح المجلس أنه لا ينوي تسليم المفاتيح.
قام ديان وعوزي نركيس قائد المنطقة الوسطى بزيارة باب المغاربة وأخذوا مفاتيح البوابة من طهبوب، ووضعوا مركزاً للشرطة العسكرية عند البوابة.
وقرر المجلس الإسلامي الأعلى بأن باب المغاربة لن يفتح أمام الزوار طالما لم تسترجع المفاتيح . هدد وزير الأمن الإسرائيلي الشيخ المحتسب رئيس المجلس بطرده من وطنه تماماً كما حدث مع سلفه في المنصب الشيخ عبد الحميد السائح، وفتحت سلطات الاحتلال باب المغاربة وكل بوابات الحرم أمام الزوار من يهود وغيرهم من الأجانب، كما فتحت المساجد للجمهور منذ تشرين الأول 1970 وبقيت بوابة المغاربة تحت السيطرة الإسرائيلية، ودمرت سلطات الاحتلال مئات العمارات والعقارات العربية بحجة توسيع ساحة المغاربة أو ما أطلقت عليه كذباً وبهتاناً ساحة حائط المبكى، وامتد الطمع اليهودي إلى القرى والمدن الفلسطينية المحيطة بالقدس لتوسيعها لتصل إلى رام الله شمالاً، وإلى بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور جنوباً، وإلى قرى أبو ديس والعيزرية وعناتا شرقاً، وحي بلدة سلوان، وقامت في داخل المدينة القديمة بتهديم أحياء عربية كاملة وتشريد سكانها بحجة إنشاء شوارع ومتنزهات ومؤسسات عامة وحي يهودي يبعد حوالي 150 متراً عن المسجد الأقصى، وأقامت بؤر استعمارية في البلدة القديمة وحي الشيخ جراح وعلى أنقاض منزل القائد الفلسطيني والعربي والإسلامي الحاج أمين الحسيني.
وتتجلى أخطر أهداف الحفريات فيما يتعلق بالمسجد الأقصى ببناء الأنفاق تحت أساساته لتدميره وإقامة مدينة توراتية تحته وبناء الهيكل المزعوم على انقاضه ودمرت العديدمن دعائم المسجد من الأعمدة والأسوار والجدران والجسور التي مضى على بنائها مئات السنين، متحدية مشاعر المسلمين وانتهاكاً صارخاً لكل القرارات الدولية التي تمنع “إسرائيل” من تغيير هوية الأماكن العربية وطمس معالمها وتهويدها كما جرى في المسجد الإبراهيمي في الخليل، ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم. ويمتد أحد الأنفاق من أسفل المحكمة الشرعية، ومرّ أسفل خمسة أبواب من أبواب الحرم القدسي الشريف، و تحت مجموعة من الأبنية التاريخية، ومنها أربعة مساجد، ومئذنة قايتباي الأثرية، وسوق القطانين وهو أقدم سوق أثري إسلامي في القدس، وعدد من المدارس التاريخية، ومساكن يقطنها حوالي (3000) مقدسي عربي.
ونتج عن الحفريات تصدع عدد من الأبنية منها: الجامع العثماني، والمدرسة الجوهرية، والمدرسة المنجكية. ويمر النفق بآثار بيزنطية وأموية عبارة عن جدران وأقواس حجرية.
وقاموا بحفريات عند ملتقى طريق باب الغوانمة مع طريق الآلام مستخدمين آلات الحفر الأوتوماتيكية وحفروا فتحة رأسية ليدخلوا منها إلى القناة الرومانية وإلى النفق، واتضح أن الهدف من حفر الفتحة هو تهوية النفق وإقامة نقطة حراسة والوصول إلى البرك الرومانية. وفتح المحتلون في عهد نتنياهو باباً ثانياً للنفق بتاريخ 24/9/1996 بمحاصرة المنطقة ليلاً وفرض منع التجول فيها إلى أن أُنجز العمل، لتسهيل صلاة اليهود في الداخل، وإقناع يهود العالم بالقدوم إلى القدس للصلاة داخل هذا النفق وتحت المسجد الأقصى، وأصبح داخل النفق كنيساً يهودياً مما فجّر انتفاضة النفق وقتلت القوات الإسرائيلية إبان حكم نتنياهو حوالي 90 فلسطينياً لإخمادها.
وتعتقد بعض الأوساط المقدسية أن الحافز الأساسي لإسرائيل هو مادي صرف، مستغلة المزاعم الدينية للتمويه والتغطية على أطماعها الاستعمارية المادية، نظراً للدخل الهائل الذي تجلبه القدس القديمة من ريع للسياحة الدينية، وبالتالي يسلبون أهالي القدس العربية جزءاً أساسياً من مقدساتهم ويحرمونهم من أهم مصدرمن مصادر عيشهم وهو السياحة.
إن الجريمة النكراء الجديدة التي ترتكبها إسرائيل بحق المسجد الأقصى في هذه الأيام بالاعتداء على التلة والجسر التاريخي أمام باب المغاربة تذكرنا بجريمتها الوحشية في المكان نفسه قبل أكثر من 45عاماً عندما أزالت حارة المغاربة من الوجود. إن أعمال الحفر والهدم والبناء في مكان يعتبره المسلمون من أقدس مقدساتهم أمر خطير جداً واستفزاز بالغ الحساسية قد تترتب عنه نتائج كارثية، لا سيما وأن يديعوت الصادرة في 18/2/2007 قد كشفت سراً على لسان عالم الآثار الإسرائيلي يوفال باروخ وقال فيه: «المسؤولون الإسرائيليون أخفوا اكتشاف مسجد في التلة الترابية في باب المغاربة حيث اكتشف في عام 2004 عندما انهار جزء من التلة، وتم الإبقاء على المكتشف الهام طي الكتمان، خشية أن يطالب المسلمون الإعلان عن المكان مكاناً مقدساً، على الرغم من أن ملكية حائط البراق وحارة المغاربة والتلة التاريخية وباب المغاربة تعود للوقف الإسلامي في المدينة العربية التي يعتبرها مجلس الأمن مدينة محتلة وأكد أن جميع الإجراءات الإسرائيلية فيها باطلة ولاغية.
إن الواجبات الوطنية والقومية والدينية والإنسانية تجبرنا على العمل الدؤوب لتحرير القدس بشطريها المحتلين من اليهود أعداء الله والرسل والمواطن والوطن والعروبة والإسلام.
فالكيان الصهيوني أسوأ من النازيةفي ألمانيا والأبارتيد في جنوب إفريقيا وأبشع الكيانات الاستعمارية والعنصرية التي ظهرت في تاريخ البشرية، ومصيره إلى الزوال إن عاجلاً أو آجلاً.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة