انخطاف، يوم مات جورج

التصنيف : فلسطين (:::)
جواد بولس – فلسطين المحتلة (:::)
احتدم النقاش داخل السيّارة، ولم أعد أفهم ما يقوله كل واحد من أصدقائي الذين رافقوني الطريق إلى بيت لحم. دعوتهم لتمالك أعصابهم والمحافظة على الهدوء، فأمامنا حاجز للجيش.
تابع “نافذ” تعداد حججه في انتقاد ما صرّحت به حنين زعبي، عضو الكنيست الإسرائيلي، إثر اختطاف الشبّان اليهود الثلاثة، ونَصَحَنا بأن نقرأ جميع أقوالها في مقابلتها مع الصحفي الإسرائيلي شارون جال، وأكّد أن استدراجها كان واضحًا، وأنها وقعت في فخِّه بسهولة يجب أن لا يقع فيها قيادي يتبوّأ مكانةً متقدّمةً في حزبه.
“لم تكن موفّقة في ردة فعلها، تسرّعها كان باديًا وردود فعلها العاطفية غالبةً، غابت عنها ضروريات المسؤولية وأقوالها مضرّة، فالقيادي يجب أن يكون حكيمًا أولًا وأخيرًا، حتى وإن اعتقد أن رأيه كان صحيحًا بالمطلق. “هكذا أردف نافذ، وختم ناصحًا:
“إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة/ فإن فساد الرأي أن تتعجّلا”.
تركنا القدس وهي أكثر قلقًا من العادي. السماء من فوقنا بعيدةً ووهج الشمس يشوّش صفاء زرقتها. في الشوارع حركة بطيئة لأناس بدا عليهم التعب والهم، معظم الرجال يلبسون بناطيل سوداء وداكنة، تبدو، من قريب، محززة وكهلة، ينتعلون أحذيةً لا بريق لها وبلون إسفلت الشوارع. قطعنا “بركة السلطان” وتوقفنا على الشارة الضوئية القريبة مما كانت يومًا محطة القطار في فلسطين، وأصبحت متنزها يعج بروّاد جدد، في ليال لا تعرف النوم ولا تاريخ المكان.
على الرصيف، بجانبنا، تغزّ مجموعة غربان سود مناقيرها ببقايا دوري صرعه العطش أو الوحدة.
جو البلاد مشبع بأخبار اختطاف ثلاثة شبّان يهود بمنطقة قريبة من مدينة الخليل. إذاعات إسرائيل وإعلامها يغرقون الفضاء بالتحريض الأرعن على الفلسطينيين، والساسة شرعوا يهيِّئون الميادين لحروب القار والنار القادمة.
-“كيف مات جورج؟”، سألني “ثائر” ونحن مقابل بيت عربي أنيق من طابقين، مبني من حجارة حمراء تعرف باسم حجارة “صليِّب”.
لا أعرف من قال لي مرّة أن عائلة “الجبشي” المقدسيّة كانت يومًا تملك هذا البيت، شرفته فسيحة وتطل على شارع “الخليل”، لاحظت فيها شبه انحناءة، وكأنها تنتظر أحدًا أو خبرًا ما.
-“بسكتة قلبية. كان يتناول الإفطار مع زوجته، وأحس بوعكة سرقته من مهد الصباحات التي عشقها كما عشق النجم تلك المغارة”.
لا أعرف إن سمعوا جوابي، فأنا سهوت عنهم، وعدت إلى يوم كنت فيه طالبًا في الجامعة العبرية، حينها تعرّفت إلى جورج حزبون الذي كان شهابًا يضيء ليل فلسطين وقائدًا نقابيًا كما تشتهي “البروليتاريا” ويتوجّس “رأس المال”.
في بداية الثمانينيات توطّدت علاقاتنا فصرنا رفيقين، توحدّنا قضية، تجمعنا قصيدة ويشجينا ناي. كان سياسيًا حذقًا ومناضلًا عنيدًا، لم ترهبه زنازين الاحتلال ولا عذاباتها، وصرت محاميًا يدافع عنه وعن كل من أحب فلسطين وضحّى من أجلها.
شعرت بغمّة وقهر. أحسست وكأن فلسطين خدّرت بدهاء، مسامة فمسامة، خليّة شُلّت وراء خلية، أهلها اختبأوا، فسكنها الجن وفي سمائها استنسرت البوم.
فجأةً وأنا على مشارف قبة راحيل-أمّهم، شعرت بأن التي أحببتها لم تعد موجودةً. لا أقصد الجغرافيا فقط، بل ناسها، رائحتها، لونها، صباحها، وليلها. صور من ماض، بلون البرتقال، تداعت ففرّت من عيني دمعة وحسرة.
صراخ “سبّاح” يصحّيني، ويبهرني بخياله الجامح وهو يشرح واثقًا: “صدّقوني لا اختطاف ولا ما يحزنون! إنّها مكيدة صهيونية جديدة، فالفتية الثلاثة قتلوا في حادث سير، وإسرائيل افتعلت قصّة اختطافهم كي تورّط الفلسطينيين وتكسب عطف العالم”.
لم أصدّق ما سمعته ولم أحظ بفرصتي بالكلام، فثائر شرع بتوبيخ سبّاح على خرافته، وانقضَّ على نافذ واصفًا إيّاه بالمتشدق بالعقلانية والواقعية وبأنه انهزامي، ثم انبرى يدافع عن موقف النائبة حنين زعبي، ويؤكد أن “الرطل بدو رطل ونص”.
لم ينتظر “نافذ”، قطع حديث “ثائر” ووصفه بالمزايد الذي تتمناه إسرائيل وتصلي لزيادة في أمثاله، وأمّا سبّاح ففاز بوصف الخرفان وهو، بدوره، انتفض واتهم الاثنين بالمساكين.
كانت بيت لحم تبكي رحيل من أحبّها وخدمها لأكثر من خمسين عامًا.
في ساحة المهد مشت جموع غفيرة وراء جورج الملفوف بعلم فلسطين. وهناك قابلت كثيرين من ذلك الرعيل، عمّالًا، نقابيين ونقابيات، أسرى من زمن الحديد والنار، بعض الرفاق والرفيقات الذين تاهوا مثل جورج بين أحمر وأحمر. انتبهت أن كثيرين من رفاق دربه القدامى، شركاءه في رحلة العذاب، غابوا عن الجنازة. لم يشعر هو بغيابهم.
-“لماذا لم يشارك رفاق جورج القدامى في جنازته؟” سألني ثائر، ونحن بطريق عودتنا إلى القدس.
قهرني سؤاله. إنّها نقمة الأحزاب على من يتجرّأ ويرتد ويختار قفصًا جديدًا، فرصة لإيقاع الحد، فحين يموت رفيق البدايات بعيدًا عن سربه الأول تضحك الملائكة الحمراء، وتقيم وليمتها لأعشاب البحر!
لم يسمع ثائر بما جال في رأسي، فلقد بدأت الراديوهات تذيع أن جيش الاحتلال وجد ثلاثة جثامين يشك أنها للفتية المخطوفين.
منتعشًا كعصفور، يفاجئ سباح ثائرًا ويزجّه في “خانة اليك”:
-“والآن ماذا ستقول أنت وحنينك؟ لقد أفهمتنا أن الاختطاف وسيلة كفاح ضرورية لتحرير الأسرى، فكيف ترى قتل الفتية وما تسمي ذلك؟”
سكت ثائر مليًّا وقال: “ربما لم يخطفهم الفلسطينيون أصلًا..”، رأيت سبّاحًا فاغرًا فاه وثائر يستطرد ويقول: “أو حتى لا يوجد جثث، إنّها فرية صهيونية”. نسافر ببطء، ما زالت القدس بعيدةً.
بعد دقائق صمت، وكأننا في حالة انخطاف، قال ثائر بصوت رصين: “بتعرفوا يا شباب منيح اللي مات الرفيق جورج، أحسن مَيْشوف اللي بدو يصير، بدها جهنم تقوم”!
لم يخب ظنّه. عشرات من المستوطنين بدأوا يهاجمون السيارات العربية، انقضّت مجموعة منهم ورمت شيخًا على الرصيف، تحلّق حوله اثنان ورقصا على كوفيته المنعوفة على الأرض، وكانت هذه تبكي بحرقة وحنين، ولم يكن بجانبها أحد

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة