بائع الذكريات

 

التصنيف : القصة (:::)
سحر فوزي – مصر (:::)
متجر صغير اسفل الكوبري القديم .. يحوي معروضات متعددة غطاها الغبار .. يملكه رجل في أواخر العقد السابع من العمر طغت على ملامحه الاحزان…يجلس وسط معروضاته القديمة يتأملها بالساعات في صمت ، دون حراك .. يدور بعينيه مرة تلو الاخرى متفحصا  ومتذكرا ماقصه اصحابها من أسباب واهية دفعتهم إلى بيعها بأرخص الأثمان ، و التى تنوعت بين الجحود ونكران الجميل والخيانة والغدر بحجة البحث عن حب جديد وذكريات جيدة تعيد إلى البائعين شبابهم قبل فوات الأوان .
جاءه أحدهم يبيع ذكرياته …ألقى بها أمامه بمنتهى الاستهتار
سأله : أنت تاجر الذكريات؟
أجابه في سخرية: وأنت بائعها ؟
عاجله : وأنا الكسبان
التفت إليه صاحب المتجر ليرى وجهه قائلا : لكن شرط الشراء معرفة سبب البيع
رد دون تردد: وانا موافق
انها ذكرياتي أنا وزوجتي …عمرها أكثر من 25 عاما ..بها مجموعة أغاني عاطفية اهديتها واهدتنى اياها بمناسبة وبدون ، وهذه صورنا وبعض الزهور واوراق الأشجار الجافة وضعتها داخل  قصة حبنا التي  كتبتها لها اثناء دراستنا الجامعية .. وهذه صورنا يوم زفافنا ، وهذه ألبومات وفيديوهات مع ابنائنا في كل مرحلة عمرية منذ الولادة حتى التخرج و الزواج .. ولى مسكن لو اردت شراءه فهو ملئ بالذكريات ، كل  طوبة وكل ركن فيه ينطق بذكرى ، فهو ناتج غربتنا وكفاحنا معا حتى اكتمل وصار مفعما بالذكريات التي تشهد على سنوات الحب والشقاء .
إطمئن باعزيزي فلدي الكثير والكثير من الذكريات ..المهم الثمن
نظر إليه بعين باكية وسأله في أسى : ولماذا تبيعها الآن ؟
رد عليه مبتسما : بصراحة أعجبت بزميلة لي في العمل  .. اهديتها معظم ذكرياتي مع زوجتي علها ترضى عني وتقع في غرامي كما أوقعت زوجتى من قبل ،  وهذا ماتبقى لدى من ذكريات ، اردت ان ابيعها لابدأ في جمع ذكرياتي مع حبيبتي من جديد
قام صاحب المتجر من مكانه وفتح خزانة النقود وهو يبكي قائلا : لقد بعت ذكرياتى من قبلك ياولدي لغانية مقابل لحظات سعادة زائفة ظننت أنها ستدوم ، وكانت النتيجة اننى خسرت بيتي وزوجتى وعشرة عمري ومعها اولادي الى الابد ، فأدركت أن الذكرى لايبيعها سوى الأغبياء ، فقررت ان اتاجر في الذكريات أشتريها منهم وأعيش فيها علها تكون عوضا عن مافرطت فيه يوما من الايام ،فتمنحني المزيد من الصبر ، الذكرى يابنيَ هى وقود الحياة التي تعيننا على استكمال مسيرتنا، يرثها أبناؤنا من بعدنا ، فإن كانت طيبة عاشوا بسيرتها وقصوها على أبنائهم وأحفادهم ، وإذا بعناها لم يتذكرنا أحد ، وجزاؤنا هو ان نعيش في حرمان منها مطرودين من رحمة وبر اينائنا وزوجاتنا نعيش في مجتمع ليس فيه سوى الخائنين و الغادرين، أمامك المال يامسكين ، خذ ثمن ذكرياتك بنفسك ؟
وقف بائع الذكريات أمام خزانة النقود يفكر في ثمن ذكريات العمر ، و يسأل نفسه ، هل هذه المرأة التي لايعرفها سوى من  شهور قليلة ، والتي يحكي سيرتها القاصي والداني تستحق أن يهديها ذكريات أكثر من ربع قرن مضى مقابل لحظات قليلة من السعادة الزائفة ؟ ، وهل الذكرى يمكن أن تهدى أو تعوض ، أو تقدر بثمن ؟ و إذا ضاعت هل يمكن ان تعود؟  شعر بضيق في صدره ، و أدرك أنه ببيعها يكون قد إنضم إلى معشر الخائنين ، وبدون تردد راح يلملم ماتبقى من ذكرياته ، أحتضنها بقوة وبمنتهى الحرص خرج من متجر الذكريات مسرعا ، عائدا إلى بيته ليكمل باقى حياته في أحضان ذكريات العمر التي كان سيبيعها بأرخص ثمن

 

 

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة