لحظة تدخل الأمم المتحدة

التصنيف : آراء حرة (:::)
جيمس زغبي – واشنطن (:::)
أظهرت ردود الفعل على عملية خطف وقتل الشبان الإسرائيليين الثلاثة ومقتل الصبي الفلسطيني بعض الحقائق المروعة التي ينبغي عدم تجاهلها بحال من الأحوال. وأولى هذه الحقائق أن هناك غياباً كاملاً للثقة والتعاطف يحدد طبيعة العلاقة الإسرائيلية ــ الفلسطينية. وهذه بالطبع قصة قديمة. ولكنها كانت ملاحظة جوهرية في دراستنا الأخيرة للتغيرات التي طرأت على الرأي العام في كلا المجتمعين خلال العقدين الماضيين. وقد كان انهيار الثقة هذا واضحاً في الروايات التي يصدقها بعض الفلسطينيين من أن عملية الاختطاف لم تكن سوى ذريعة دبرتها إسرائيل لكي تطلق يدها لتدمير «حماس» وإفشال المصالحة الفلسطينية. والأكثر إزعاجاً من ذلك هو القصة التي تداولتها بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية، والتي تشير إلى أن الصبي الفلسطيني محمد أبوخضير ربما كان ضحية «جريمة شرف» ارتكبها بعض أقاربه. وحقيقة تداول مثل هذه القصص أمر مثير للقلق، ولكن الأسوأ من ذلك هو أن تجد متلقين ومستمعين.
وهناك أيضاً فجوة تعاطف، وكانت جلية في عجز كل من الطرفين عن الإعراب عن أسفه أو حتى الشعور بالأسى على خسائر الأرواح التي تكبدها الطرف الآخر. ولم تصدر سوى بيانات قليلة تعبر عن الأسف، وكان بعض أكثرها تأثيراً تلك التصريحات التي أدلى بها آباء الشبان الإسرائيليين والصبي الفلسطيني المقتول، والذين أكدوا أنه لا ينبغي أن يتحمل أي من الآباء الآخرين آلام مثل هذه التجربة.

ولا يحدد هذا الافتقار في الثقة والشفقة مواقف كلا الشعبين فحسب، وإنما يصف أيضاً سلوك قيادتيهما. وباستثناء الرئيس محمود عباس، ووزيرة العدل الإسرائيلية تسيبي ليفني، لم يدن إلا عدد قليل من المسؤولين الآخرين عمليات القتل، فضلاً على توجيه تعازيهم للجانب الآخر.
وقد استسلم كثير من القادة الإسرائيليين والفلسطينيين للغضب وحالة الشك المنتشرة بين بعض أفراد الشعبين. بل إن بعض وزراء حكومة نتنياهو أصدروا دعوات لـ«إبادة حماس» واحتلال غزة مرة أخرى و«تطهيرها». ومن جانبهم، دأب قادة حركة «حماس» على رفض إدانة المختطفين بينما أفاد المتحدث الرسمي باسمها أنه «سيمجد أيدي» هؤلاء الذين احتجزوا الصبيان. وحاول بعض المسؤولين أيضاً في السلطة الفلسطينية النأي بأنفسهم عن موقف الإدانة، مشيرين إلى أن الاختطاف ربما يكون الوسيلة الوحيدة لتأمين حرية الأسرى الفلسطينيين.
ومثلما أشرت، فإن ذلك التعكر في الحالة المزاجية داخل المجتمعين يعتبر أمراً قديماً قدم الصراع ذاته، الذي شهد انتهاك حقوق شعب ونزع ملكيته وقتل شبابه وتحويله إلى ضحية من قبل شعب آخر. وقد عمقت أعمال العنف التي استمرت خلال القرن الماضي من خوف وغضب كل طرف من الآخر.
وما كان ملحوظاً خلال الفترة التي لحقت اتفاقات «أوسلو» مباشرة في عام 1993 هو التفاؤل والانفتاح من قبل الإسرائيليين والفلسطينيين، قيادة وشعباً. وكان الشعبان في ذلك الوقت يحتاجان إلى يد داعمة ودافعة لإبرام اتفاق. ولكن ما حصلا عليه بدلاً من ذلك كان إدارة أميركية دأب مستشاروها بحماقة على التحذير من أي تدخل مؤثر، وكونجرس يميل دائماً إلى الاعتراض ضد الفلسطينيين.
وعليه، فقد سقط الإسرائيليون والفلسطينيون فريسة لأسوأ غرائز العناصر المتطرفة على الجانبين؛ فنمت المستوطنات وصودرت الأراضي؛ وزاد الفلسطينيون فقراً وذبح إسرائيلي متطرف فلسطينيين في الخليل، بينما اغتال متطرف آخر رئيس الوزراء إسحق رابين؛ وأثناء كل هذه الفترة، نظمت «حماس» تفجيرات انتحارية أسفرت عن حصيلة قتل مرعبة. وخلال العقد الأول بعد «أوسلو»، ذهبت الثقة أدراج الرياح، ولم يكن العقد التالي أصلح حالاً.
وفي إحدى قمم «كامب ديفيد» سيئة التجهيز، أملى الإسرائيليون بنوداً كان عليهم أن يدركوا أن عرفات المتردد لا يمكنه أن يقبلها ثم يواصل الصبر عليها. وتزامن انهيار تلك القمة مع تفاقم سياسات القمع الإسرائيلي التي أفضت إلى مزيد من العنف واليأس وتبادل الاتهامات.
ومع اقتراب الإسرائيليين والفلسطينيين من شفا انفجار جديد، قد لا تمثل دعوات ضبط النفس و«تهدئة الأمور» حلاً حاسماً. ومثلما أظهرت الأحداث خلال الأسابيع القليلة الماضية، يمثل الوضع الراهن كارثة توشك على الحدوث. وقد أدرك الطرفان في الماضي أنه لا يمكنهما التفاوض بمفردهما على حل الدولتين. ويفتقر الإسرائيليون إلى الإرادة اللازمة لتقديم عرض حقيقي ذي معنى، بينما لا يمكن للفلسطينيين أن يقبلوا ما تقدمه إسرائيل. بينما تقف الإدارة الأميركية عاجزة، لأنه لا يمكنها ترويض الكونجرس.
وإن كان من موقف ينبغي أن تُدعى فيه الأمم المتحدة للتدخل ولعب دورها بموجب الفصل السابع الخاص بـ«تهديد السلام»، فليس ثمة أفضل من هذا التوقيت. وقد تسبب المجتمع الدولي في حدوث هذه الفوضى، وما زال يحتفظ بالقول الفصل في حلها الممكن. ومن ثم يعتبر التدخل الخارجي هو الوسيلة الوحيدة لفصل الإسرائيليين عن الفلسطينيين وتفعيل العمل بالقانون الدولي فيما يتعلق بالمستوطنات واللاجئين.
وعلى السلطة الفلسطينية أن تتأهب كي تذهب إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في سبتمبر، داعية إلى إجراء تصويت. وبالطبع ستعيق الولايات المتحدة هذا الخيار، وستقوم قائمة إسرائيل والداعمون لها في الكونجرس بصورة هيستيرية. غير أن ذلك لن يحل الأزمة على المدى القصير، ولكنه سيطلق ديناميكية جديدة تجبر المجتمع الدولي حتماً على تولي إدارة الصراع الذي تجاهله منذ فترة طويلة جداً.

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة