المسألة البيئية في العلاقات الدولية

التصنيف : دراسات (:::)
بقلم : سلام الربضي: باحث ومؤلف في العلاقات الدولية  \اسبانيا (:::)
تأتي أهمية دراسة المسألة البيئية  في العلاقات الدولية من تسليطها الأضواء على مواضيع وإشكاليات شائكة تتناول حياة الإنسان ومستقبله في ميادين الأمن والسياسة،الاقتصاد، والمعرفة، الثقافة. وهي تعكس واقع المتغيرات العالمية، المرتبط  بمجموعة من المحاور الاستراتيجية على صعيد السياسة العالمية.نذكر منها: قضايا الطاقة والموارد الطبيعية وآثار التقدم التكنولوجي وحدود القوة العسكرية وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة والمسألة الديمغرافية والأمن الغذائي والإرهاب والأيكولوجية السياسية…الخ.

لقد ابتدأت نقطة التحول الرئيسية في  النظر للمسائل البيئية من خلال ظهور إشكاليات جوهرية تتعلق بالتطور والسياق الجديد للعلاقات الدولية. ومن هذه الإشكاليات يمكن ذكر:

-ما هي الإمكانيات والقدرات النظرية (الفلسفية) والواقعية، للعلاقات الدولية لإدارة الصراع بين البشر والطبيعة؟
-هل يمكن لنا القول : أن العلاقات الدولية لم تعد قائمة على مبدأ صراع المصالح وليس على مبدأ صراع الحضارات بل على مبدأ صراع البقاء؟
-هل المعادلة الصعبة في العلاقات الدولية هي:الملائمة بين القدرة على تحسين مستوى المعيشة وحرية الإنسان في استخدام الموارد لتلبية الحاجات وبين إيجاد بيئة نظيفة.
-هل نحن أمام أنساق عالمية جديدة في العلاقات الدولية؟

فالعلاقات الدولية كانت قائمة على طبيعة العلاقة بين البشر وعلى رغم تعقيد هذه العلاقة، يبدو أن مستوى العلاقة بين البشر والطبيعة قد تكون أكثر تعقيداً.والتي هي بالأساس لا يمكن فصلها عن طبيعة العلاقات بين البشر أنفسهم.وهذا الواقع يطرح جدليات متنوعة تتعلق بالتمايز بين الدول الصناعية والدول النامية على صعيد مقاربة الأولويات ومن ثم الملائمة فيما يتعلق بالمسألة البيئية والتي يمكن صياغتها على النحو الآتي:

1-هل من المنطق والأنصاف أن تتحمل الدول النامية مسؤولياتها العالمية تجاه قضايا بيئية، دون تحمل الدول الصناعية مسؤوليتها تجاه القضايا البيئية العالمية التي تعاني منها الدول النامية.

2- كيف يمكن للدول النامية أن تكون  أكثر إنسانية مع قضايا البيئة المتعلقة بطبقة الأوزون وتساعد في إيجاد الحلول لها وبالمقابل لا يوجد من يساعد  الدول النامية في  معالجة قضايا بيئية أخرى، متعلقة بالمياه: كمشكلة التحصر والجفاف؟

3-هل الواقعية تفترض وتتطلب الملائمة بين أولوية المصالح المحلية والالتزام بالقضايا العالمية؟ وهل يجب فتح المجال للدول حتى تستطيع تنفيذ الاتفاقيات الدولية وفقاً لأولوياتها المحلية؟ وهل يمكن لمثل هذه السياسات أن تنجح دون المساعدة الدولية، وأهمها على صعيد نقل التكنولوجيا؟

4-وإذا كانت هذه الوقائع تعكس التباين في الرؤى والأهداف فهل هنالك سياسة ودبلوماسية خلاقة بإمكانها مقاربة هذه المعضلات البيئية مقاربة علمية قابلة للتطبيق؟ وهل المؤسسات السياسية والبيروقراطية قادرة على ذلك؟ أم أن الأيدي الخفية في الأسواق سوف تلعب لعبتها؟

5-انطلاقاً من ذلك هل سوف تنتقل مقاربة القضايا البيئية في حال فشل المعالجات السياسة إلى المقاربة الاقتصادية أي منطق السوق؟ وبالتالي هل نحن أمام منهج بيئي جديد يقوم على آليات السوق في المعالجة؟

بكل وضوح: تظهر لنا التغيرات العالمية المرتبطة بمسألة البيئة أن مستوى الأمن في العلاقات الدولية قد تغير بشكل عميق. فالمسألة البيئية تدعمنا بحزمة أو مجموعة من المعلومات والانطباعات التي تذهب بنا نحو آفاق ذهنية متجددة. والتي سوف يكون محورها الإحساس بمواكبة حركة العالم وقضاياه الثابتة والمتحركة. وأيضاً سوف تكون صورتها  المستقبلية قائمة على رؤية أنساق عالمية جديدة في مرحلة النشوء. حيث لن  يكون مجدياً معها الاعتماد على الأدوات التنظيرية الكلاسيكية لقراءة الحقائق في عصر ما بعد الحداثة من أجل فهم وتأطير المتغيرات والتحولات المتجددة في واقع العلاقات الدولية.

هذه المعطيات تعبر عن طبيعة العلاقة بين الطبيعة والثقافة والتي تطورت وفقاً لما يلي:

1-فمن عصر هيمنة الطبيعة على الثقافة إلى عصر التصنيع أي عصر هيمنة ثقافة التصنيع على الطبيعة.
2- ها نحن الآن في عصر أنُهكت الطبيعة فيه ويجري انعاشها صناعياً تحت شعار: الحفاظ على البيئة كشكل من أشكال الثقافة.

فهل واقع العلاقات الدولية المعاصر قد انتقل اليوم،إلى عصر جديد. عنوانه: من الثقافة وإلى الثقافة نعود؟

 

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة