العرب و”تجريب المجرب”

 

التصنيف : اراء حرة (:::)
بقلم:- راسم عبيدات – القدس (:::)
كأن أبناء وقادة هذه الأمة لا يتعلمون لا من التجارب ولا من التاريخ،يعودون الى نفس الفعل والممارسة وعلى نحو أكثر سوءً،رغم أن المأثور الشعبي يقول”اللي بجري المجرب عقله مخرب” و”التكرار يعلم  الحمار”،ولكن يبدو ان امتنا تم تجريدها من فيزياء العقل وكيميائه،وأصبحت امة لا تنتج المعرفة وتغرق في الظلام وفي الأوهام،وبالتالي تعاود تجريب المجرب مرة ومرات وهي تدور في نفس الدائرة كما هي حمير الساقية،وأشعر أنه لا تربطها علاقة من قريب او بعيد ببيت الشعر الذي قاله عمر الخيام في الحكمة.
واشرب نقيع السم من عاقل// وأرمي على الأرض جهل الجهول.
مئة عام على مؤامرة سايكس- بيكو التي قسمت العالم العربي جغرافيا بين بريطانيا وفرنسا،واليوم يطل علينا سايكس – بيكو جديد يقسم العرب على أساس المذهبية والطائفية والثروات،مشروع اخطر من سايكس- بيكو القديم،كونه يقسم المقسم ويجزء المجزأ،مشروع يفكك الجغرافيا العربية ويعيد تركيبها من جديد خدمة لمشاريع إستعمارية في المنطفة،تواصل نهب خيرات وثروات الأمة لمئة عام اخرى على الأقل،ونحن نتحدث عن”ثورات”وربيع عربي”ولنكتشف بعد اربع سنوات بأن تلك الثورات،لم تقم من اجل حرية الشعوب ولا دمقرطتها ولا حريتها،بل من أجل فوضى خلاقة خطط لها منذ زمن طويل في دوائر وغرف مظلمة،فوضى تدمر الأقطار العربية وتعيدها الى الجاهلية الأولى مانعة إمكانيات تطورها عشرات السنين،ونحن نرى ذلك بوضوح في اليمن وليبيا والعراق وسوريا ومصر والمشروع يتدحرج،معتقدين بأن من يغزون مدننا من الأغراب يمنحونها الحرية والديمقراطية وليس العبودية…؟؟
مئة عام مرة على مؤامرة سايكس – بيكو ونعود لكي نكرع السم من نفس الكؤوس…ومن نفس الدنان….ونفس السقائين،وبالأمثلة والشواهد الحية،عشرون عاماً نحن كفلسطينيين نجرب المفاوضات كنهج وخيار،جربناها علنية وسرية وعن بعد وعن قرب ومباشرة وغير مباشرة،ونرى نتائجها إحتلال يتمدد ويتوسع ويفرض حقائق ووقائع جديدة على الأرض،وكل يوم يعلن قادة اسرائيل رفضهم تجميد الإستيطان وإطلاق سراح اسرانا،ونحن نعاند الواقع والوقائع،ونصر على ان المفاوضات هي الطريق الوحيد من اجل تحصيل حقوقنا،وستة وستون عاماً على نكبة شعبنا،طرده وتهجيره،ونحن نستجدي على أبواب المؤسسات الدولية،ونتلقى الوعد تلو الوعد،ولم ننجح في إعادة لاجيء واحد،بل أبناء شعبنا اللاجئين بفعل ما يسمى بثورات الربيع العربي،طوردوا وهجروا من عدة بلدان عربية،والأمم المتحدة المسيطر على قراراتها من الدول التي كانت سبباً مباشراً في نكبتنا،تعمل جاهدة من أجل تصفية قضية لاجئينا،عبر طرح مبادرات تصفي حق العودة،وإفراغه من مضمونه وجعله غير قابل للتطبيق،ونحن ما زلنا نراهن على أن تلك المؤسسات ستعيد لاجئينا الى ديارهم.
ما يسمى بالمبادرة العربية للسلام التي طرحت في قمة بيروت عام/2002،رفضتها اسرائيل،وكان يجري ترحيلها من قمة عربية الى اخرى والهبوط بسقفها وتعديل بنودها،لكي تتماشى او تقبل بها اسرائيل،ولكنها كانت تصر على رفضها والتعاطي معها،ولكننا كعرب كنا نصر على انها الحل السحري للصراع مع دولة الإحتلال،وبدونها لن يتحقق السلام،ولا خيار لنا غير ذلك الخيار،واستمرينا في نشر ثقافة الهزيمة واشاعة مناخات الإستسلام،وتوجيه التهم والتآمر على من يقول بالمقاومة والنضال والكفاح،لتصل الأمور بنا الى حد الذل والهوان،والقول بأنه لا طاقة ولا قدرة لنا على إسترجاع حقوقنا،وإننا امة من النعاج.
إحتلوا العراق  ودمروها واعادوا عجلة تطورها وتقدمها مئة سنة للوراء،وادخلوها في الحروب المذهبية والطائفية،وهي تقف على اعتاب التقسيم الجغرافي وفق المذهبية والطائفية،ونحن نرى بأن”داعش” هي المنقذ والمخلص،وهي عصابة موجهة للقتل وخدمة مشاريع عربية وإقليمية ودولية،وهناك من يرى بأن تحرير فلسطين سيكون على يديها.
ليبيا حولوها الى صومال وانهوا الدولة المركزية فيها تحت شعار محاربة ديكتاتورية الراحل القذافي،لتتحول ليبيا الى ساحة للمواجهات والصراعات بين القبائل المتصارعة على الثروات والنفوذ والمصالح،ولتصبح  أيضاً مرتعاً لكل أشكال وانواع العصابات والمافيات والمليشيات تخطف،تقتل،تنهب وتسرق…والشعب الليبي يزداد فقراً وبؤساً ويغيب الأمن والأمان،والبلاد أصبحت اقاليم وفيدراليات،والنفط والغاز الليبي،أصبح  تحت تصرف من جلبوهم من الغرب الإستعماري ل”تحرير” ليبيا من الظلم وديكتاتورية وطغيان القذافي،ولنكتشف بأن عهد القذافي جنة لما هو عليه الوضع الليبي الان.
العرب بتعطيلهم للغة العقل والفكر،واعتمادهم على ثقافة الدروشة والشعوذة وخداع الجماهير وتضليلها وتوظيف الدين لخدمة السياسية،أصبحنا لا ننتج ونغرق في الظلام،نطلق العنان لعواطفنا ومشاعرنا،وأية مسرحية او تمثيلية تنطلي علينا،حسبنا أردوغان والذي دولته احد أهم اعضاء حلف الناتو،وصاحب العلاقات والتحالفات العسكرية مع اسرائيل،سيكون الخليفة المنتظر ويحرر لنا فلسطين ويرفع الحصار عن غزة،لمجرد انه قام بالتمثيلية في دافوس مع رئيس دولة الكيان السابق “شمعون بيرس”،حيث أتهم اسرائيل بقتل الأطفال الفلسطينيين،وبدل من ان يرفع لنا الحصارعن غزة،كانت قواته تحتل كسب وغيرها من الأراضي السورية في أطماع عثمانية قديمة،وها هي تستفرخ داعش في العراق.
وأمريكا تدعم كل الدفيئات والحواضن والجماعات الإرهابية لخدمة اهدافها،ومن ثم تتحدث عن حقوق الإنسان وحرية الشعوب،دعمت ومولت واستولدت القاعدة وطالبان في أفغانستان،ومن بعدها “جبهة النصرة” في سوريا ومن ثم داعش، ثم اصبحت تتحدث عن ان جزء منها مجموعات إرهابية،وهي تعرف من دربها ومن سلحها ومن مولها.
وضع العقل العربي في إجازة سيقودنا الى المزيد من الدمار والتخريب والضياع،وسنبقى نجرب المجرب حد نصل مرحلة الإندثار كما هو حال الهنود الحمر،وستصبح خير امة اخرجت للناس من الماضي.

القدس المحتلة – فلسطين
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة